آخر الأخبار

تحديات الحوثيين في معركة إسناد إيران والأزمة الاقتصادية بالي

شارك

تواجه جماعة الحوثي في اليمن تحديات معقدة مع تصاعد حدة المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وقد بدأت الماكينة الإعلامية للجماعة مؤخراً في الترويج لضرورة العودة إلى مربع الصراع مع المملكة العربية السعودية، في محاولة للهروب من الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تضرب المناطق الواقعة تحت سيطرتها.

ويرى مراقبون أن قواعد الاشتباك في المنطقة قد تغيرت بشكل جذري، حيث لم يعد بإمكان الحوثيين تسويق أنفسهم كضحية في مواجهة القوة العسكرية السعودية. إن وصول الصواريخ الإيرانية مباشرة إلى العمق الإقليمي جعل من أي تحرك حوثي مجرد صدى لمصالح طهران، دون أن يحقق أي مكاسب حقيقية لليمنيين الذين يعانون من ويلات الفقر.

وتكشف التقارير الميدانية عن وضع إنساني كارثي في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة للجماعة، حيث تصطف طوابير الجائعين بحثاً عن لقمة العيش. هذا الواقع المعيشي الصعب يجعل من أي مغامرة عسكرية جديدة عبئاً لا يمكن للشعب اليمني تحمله، خاصة في ظل انعدام الموارد الأساسية وتوقف الرواتب.

وفي خطاب ألقاه مؤخراً، اكتفى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بالدعوة إلى أنشطة تضامنية مع إيران، تمثلت في خروج مظاهرات وصفها بالمليونية. ويبدو هذا الموقف حذراً في جوهره، حيث يدرك الحوثيون أن الانخراط العسكري المباشر لإسناد طهران يختلف تماماً عن معركة إسناد غزة التي تحظى بمكانة وجدانية خاصة لدى اليمنيين.

إن المأزق الوجودي الذي يواجه الجماعة يكمن في طبيعة الرد المتوقع من القوى الدولية والإقليمية، والذي قد يكون مدمراً وفورياً. فالحرب الراهنة تضع القضاء على 'الأذرع الإيرانية' كهدف استراتيجي معلن للحكومة الإسرائيلية، التي تسعى لفرض هيمنة مطلقة على المنطقة بدعم أمريكي غير مسبوق.

وتشير التحليلات إلى أن واشنطن وضعت إمكانياتها العسكرية تحت تصرف حكومة نتنياهو، التي لا تخفي رغبتها في إعادة تشكيل خارطة النفوذ الإقليمي. هذا التحالف يسعى لاستغلال اللحظة الراهنة لتوجيه ضربات قاضية للقوى المتحالفة مع إيران في اليمن ولبنان والعراق، مستفيداً من الغطاء الجوي واللوجستي الأمريكي.

وعلى الرغم من الأهداف الإسرائيلية الحصرية في هذه الحرب، إلا أن هناك من يرى فيها فرصة لبعض شعوب المنطقة للتخلص من التأثيرات المدمرة لسياسات الهيمنة. فالقضاء على النفوذ العسكري للجماعات المسلحة قد يفتح الباب أمام استعادة القرار الوطني في الدول التي تعاني من انقسامات حادة وحروب أهلية مستمرة.

الانخراط العسكري للجماعة لإسناد إيران سيتحول إلى مأزق وجودي، خصوصاً إذا كانت ردات الفعل الأمريكية الإسرائيلية فورية وقوية ومدمرة.

لكن تحقيق هذه الأهداف يواجه عقبات ميدانية كبيرة، أهمها غياب التنسيق الحقيقي مع الحكومات الشرعية في الدول المتضررة. فالتجارب السابقة أثبتت أن العمليات العسكرية الجوية وحدها لا تكفي لاجتثاث القوى المتجذرة على الأرض، ما لم تكن هناك استراتيجية شاملة تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية.

ويشعر الكيان الإسرائيلي بضرورة التحرك السريع في الوقت الحالي، مستغلاً الدعم السخي من الإدارة الأمريكية الحالية قبل حدوث أي تغييرات سياسية. فهناك مؤشرات داخلية في الولايات المتحدة تدل على تراجع منسوب الحماس الشعبي والسياسي لدعم إسرائيل بشكل مطلق، مما يجعل الوقت عاملاً حاسماً في حسابات تل أبيب.

إن المهمة التي تقودها إسرائيل لإنهاء النفوذ العسكري والسياسي لما يعرف بالأذرع الإيرانية تعتبر 'مهمة غير سارة' للكثيرين في المنطقة. فرغم الرغبة في التخلص من سطوة هذه الجماعات، إلا أن الملايين يرفضون أن يكون التغيير منحة من عدوهم التاريخي، مما يخلق حالة من التوجس الشعبي تجاه نتائج هذه الحرب.

وفي اليمن، يظل التساؤل قائماً حول قدرة الحوثيين على الصمود في وجه موجة تصعيد قد تكون الأعنف منذ سنوات. فالجماعة التي استثمرت في القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتها، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن المصالح الإيرانية المباشرة.

إن أي انخراط عسكري حوثي في هذه المرحلة لن يكون فرصة للتحلل من الأعباء الاقتصادية كما حدث سابقاً، بل قد يفتح أبواب الجحيم على مناطق سيطرتهم. فالاستهداف المباشر للبنية التحتية وما تبقى من مقدرات اقتصادية سيؤدي إلى انهيار شامل لا يمكن تداركه عبر الشعارات السياسية أو المظاهرات.

وتؤكد مصادر مطلعة أن التنسيق الميداني بين أطراف ما يعرف بمحور المقاومة يواجه تحديات لوجستية وأمنية كبيرة في ظل التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي. هذا التفوق مكن تل أبيب من تنفيذ عمليات اغتيال وضربات دقيقة أربكت حسابات الجماعات المسلحة في أكثر من ساحة.

ختاماً، يبقى المشهد اليمني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتداخل فيه المعاناة الإنسانية مع الطموحات السياسية الإقليمية. وبينما يترقب العالم نتائج المواجهة الكبرى، يظل المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف الذي يدفع ثمن الصراعات التي تتجاوز حدود وطنه وطموحاته البسيطة في العيش بكرامة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا