د. محمود أبو الرب: المشروع سيضعف الجهاز المصرفي وستتراجع ودائع غزة بالبنوك الوطنية وتزداد مخاطر الامتثال وتتراجع علاقات المراسلة المصرفية الدولية
د. أحمد رفيق عوض: هذا الإجراء يستبعد السلطة الوطنية من الإشراف أو اتخاذ القرار ويضع الشؤون الاقتصادية والمالية تحت سيطرة سلطات الاحتلال
د. شاكر خليل: النقاشات حول إصدار العملة الرقمية بعيداً عن سلطة النقد ستؤسس لانقسام دائم وخلق أدوات مالية لتعميق الانفصال وضرب المشروع الوطني
د. ثابت أبو الروس: العملة الرقمية قد تستخدم كأداة عقاب بحيث يُحرم أهالي غزة من استخدامها عند ممارسة إسرائيل أيّ شكل من أشكال العقوبات
أيهم أبو غوش: أولويات المجلس تنطلق من الحفاظ على المصلحة الإسرائيلية ما يجعل مشروع العملة الرقمية يحمل أبعاداً سياسية أكثر منها اقتصادية
د. مؤيد عفانة: هذه الخطوة قد تمس القطاع المصرفي بشكل مباشر من خلال فرض رقابة رقمية على الحسابات والتعاملات النقدية لأهالي قطاع غزة
حسناء الرنتيسي: ربط العملة بالدولار يمنح استقراراً نسبياً لكنه ينقل مركز الثقل النقدي للخارج ويقلص دور سلطة النقد ويجعل غزة عرضة للسيطرة الخارجية
رام الله - خاص بـ"القدس"-
يثير النقاش حول العملة الرقمية في قطاع غزة الذي يقوده ما يُسمى "مجلس السلام" مخاوف من أن المشروع قد يضعف الجهاز المصرفي الفلسطيني، ويزيد الانفصال السياسي والنقدي والاقتصادي بين غزة والضفة الغربية، ويخلق ازدواجاً نقدياً يهدد استقرار الاقتصاد المحلي ويحد من قدرة السلطة على إدارة الموارد.
ويرى محللون خبراء اقتصاديون وسياسيون في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن مناقشات "مجلس السلام" لإطلاق العملة الرقمية تستبعد السلطة الفلسطينية من أي إشراف، وتضع القرار المالي تحت السيطرة الإسرائيلية أو الدولية المباشرة، ما يحوّل القطاع إلى كيان تابع ويكرّس الفصل الإداري والمالي بين الضفة والقطاع.
خطوة استراتيجية خطيرة
يصف الخبير الاقتصادي د. محمود أبو الرب العملة الرقمية المقترحة لقطاع غزة من قبل ما يُسمى "مجلس السلام" بأنها خطوة استراتيجية خطيرة، تهدف إلى تعزيز السيطرة الاقتصادية على الفلسطينيين وتكريس "الإبادة الاقتصادية المالية النقدية" التي بدأت منذ عام 2023. ويوضح أبو الرب أن هذه الخطوة تحمل دلالات استراتيجية عدة، أولها تفكيك الحيز النقدي الفلسطيني، إذ يعتمد قطاع غزة حالياً على الشيكل الإسرائيلي وفق اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، ما يجعل أي محاولة لإطلاق عملة رقمية أو ورقية مرتبطة بالسيادة والقرار السياسي، ويتطلب تحديد الجهة المسؤولة عن الإصدار وحماية قيمتها اقتصادياً.
تكريس الانفصال النقدي عن الضفة الغربية
ويشير أبو الرب إلى أن إدخال العملة الرقمية يكرس الانفصال النقدي عن الضفة الغربية، ويضعف سلطة النقد الفلسطينية ويقوض الوحدة النقدية، وهو ما يؤدي إلى خلق واقع مزدوج داخل الاقتصاد الفلسطيني.
ويوضح أبو الرب أن أي عملة رقمية تحتاج إلى غطاء قانوني واعتراف دولي لحماية قيمتها، وإلا ستصبح مجرد وحدة نقدية محلية محدودة التداول، غير قابلة للتحويل الحر، مع مخاطر عالية وتقلبات كبيرة في سعرها.
تداعيات على المدى القصير
ويشير أبو الرب إلى أن التداعيات على المدى القصير قد تشمل تسهيل التحويلات الداخلية وتجاوز القيود الإسرائيلية والأمريكية على السيولة، وتقليل تكاليف المعاملات، لكن ذلك مشروط بتوافر بنية تحتية رقمية مستقرة، وثقة المجتمع، واستقرار سعر الصرف، وهي عوامل غير متوافرة حالياً، مما يحول العملة إلى أداة مضاربة بدلاً من وسيلة لتحقيق الاستقرار المالي.
ازدواج نقدي بين الورقية والرقمية
أما على المدى المتوسط، يشير أبو الرب إلى أن العملة الرقمية ستؤدي إلى ازدواج نقدي بين الورقية والرقمية، وارتفاع تكاليف التحوط، وفقدان العملة لوظيفتها كمخزن للقيمة أو أداة للادخار، إضافة إلى تذبذب المؤشرات الاقتصادية وصعوبة احتساب الناتج المحلي الموحد، وظهور فوارق تضخمية بين الضفة وغزة، ما يعزز الانفصال النقدي الوظيفي ويزيد مخاطر المعاملات المالية.
إضعاف الجهاز المصرفي الفلسطيني
ويؤكد أبو الرب أن هذا المشروع سيضعف الجهاز المصرفي الفلسطيني، إذ ستتراجع ودائع غزة في البنوك الوطنية، وستتزايد مخاطر الامتثال وتراجع علاقات المراسلة المصرفية الدولية.
ويشير أبو الرب إلى أن العملة الرقمية ستصبح أداة سياسية لفرض الفصل الاقتصادي، مستكملاً ما بدأته العمليات العسكرية والإسرائيلية من السيطرة على القطاع، مع إبقاء الفائدة الوحيدة الممكنة لأهالي قطاع غزة على المدى القصير كأداة دفع مرنة.
ويرى أبو الرب أن مشروع العملة الرقمية يمثل خطوة لتدمير الجهاز المصرفي الفلسطيني، ويكرس الانفصال النقدي، ويضعف السيادة الاقتصادية، ويحوّل الاقتصاد في غزة إلى كيان تابع بالكامل، وهو ما يجعل أي حديث عن فائدة اقتصادية طويلة الأمد غير واقعي، ويؤكد الطبيعة السياسية والخطيرة للعملة الرقمية المقترحة.
خطوة اقتصادية بأبعاد سياسية
يصف الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض المقترح المتعلق بإدخال عملة رقمية في قطاع غزة بأنه خطوة خطيرة ومخيفة، مشيراً إلى أن دلالاته تتجاوز الجانب الاقتصادي لتشمل أبعاداً سياسية وأمنية شاملة.
ويوضح عوض أن المقترح يهدف إلى فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، بحيث تخضع الضفة لضم غير معلن بينما يكون قطاع غزة تحت وصاية دولية محتملة، وربما وصاية إسرائيلية مغطاة دولياً، ما يعزز الفصل الإداري والمالي بين الطرفين.
إحكام السيطرة على المواطنين في غزة
ويشير عوض إلى أن المقترح يسعى إلى إحكام السيطرة على المواطنين في غزة، حيث ستكون كل حركة مالية ومصرفية مراقبة بشكل كامل، وهو ما يعني تعزيز الوصاية الدولية وتمكين إسرائيل من فرض قبضتها على القطاع، خصوصاً في ظل منعها عمل البنوك وإدخال العملات الورقية.
ويؤكد عوض أن هذا الإجراء يستبعد السلطة الوطنية الفلسطينية تماماً من الإشراف أو اتخاذ القرار، ويضع كل الشؤون الاقتصادية والمالية تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، بما في ذلك الأمن والمساعدات والمال.
ويرى عوض أن المقترح يربط قطاع غزة بمنظومات رقمية وسيبرانية متقدمة، ما يخدم رؤية مشاريع مثل "ريفيرا غزة"، ويحول القطاع إلى كيان مالي مشفر يفرض عليه من خارج إرادته.
ربط الاقتصاد الفلسطيني بمصالح عالمية
ويلفت عوض إلى أن المخاطر تشمل إسقاط حل الدولتين، وإبعاد السلطة الفلسطينية عن القرار، وربط الاقتصاد الفلسطيني بمصالح عالمية على حساب التنمية المحلية، وتجريد الفلسطينيين من سيادتهم وقدرتهم على التخطيط الاقتصادي.
ويعتبر عوض أن المقترح يمثل تجريد الفلسطينيين من حقهم في تقرير مصيرهم ومواصلة تطوير مجتمعهم، ويمثل خطوة إضافية لتعميق الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة، مع إبقاء الفلسطينيين في موقع التهميش والنفي من المشهد الدولي، ما يجعل هذا المقترح شديد الخطورة على مستقبل القطاع.
قضية سياسية وليست فنية تقنية
يؤكد الخبير الاقتصادي د. شاكر خليل أن أي مشروع لإدخال عملة رقمية في قطاع غزة يرتبط بالسيادة الوطنية، مشيراً إلى أن القضية في جوهرها سياسية بامتياز وليست مسألة فنية أو تقنية.
ويوضح خليل أن الفلسطينيين يفتقدون أساساً لعملة نقدية وطنية، إذ يعتمدون حالياً على ثلاثة عملات رئيسية هي الشيكل الإسرائيلي للدفع اليومي، والدولار والدينار، دون وجود عملة فلسطينية مستقلة أو سيطرة كاملة على المعابر والحدود.
ضرورة إشراك سلطة النقد
ويشير خليل إلى أن نجاح أي عملة رقمية في غزة مرتبط بالهيكل التنظيمي والرقابي للقطاع المالي، وضرورة إشراف سلطة النقد الفلسطينية على المحافظ الرقمية وإصدار التراخيص للبنوك والشركات، لضمان توحيد الإشراف ومنع تكريس الانقسام النقدي بين الضفة الغربية والقطاع. ويؤكد خليل أن أي إدارة لهذه العملة خارج سلطة النقد ستؤدي إلى تكريس الانقسام الاقتصادي، وإضعاف المشروع الوطني الفلسطيني، وإضعاف السيطرة على المعابر والمصارف، ما يهدد استقلالية الاقتصاد الفلسطيني ويحوّل العملة إلى أداة فصل سياسي بامتياز.
إمكانية خلق أدوات مالية لتعميق الانفصال
ويحذر خليل من أن النقاشات من قبل مجلس السلام حول إصدار العملة الرقمية في غزة بعيداً عن سلطة النقد سيؤسس لانقسام دائم سيؤسس لانقسام دائم وتجزئة، مع إمكانية خلق أدوات مالية لاحقة لتعميق الانفصال بين الضفة والقطاع، ويشكل ضربة للمشروع الوطني الفلسطيني إذا كان بعيداً عن وحدة القرار الفلسطيني.
ويشدد خليل على أن العملة الرقمية، بغض النظر عن شكلها أو طبيعتها التقنية، تمثل شعاراً للسلطة والسيادة، وأي إخلال بسيطرة سلطة النقد سيؤدي إلى إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني والسيطرة الاقتصادية والسياسية على القطاع.
ويوضح خليل أن التحدي الحقيقي يكمن في الجانب السياسي، وأن الحل يجب أن يكون عبر توحيد الرقابة والإشراف لضمان أن العملة الرقمية لا تُستخدم كأداة لتكريس الانقسام والتجزئة الاقتصادية، وإنما كجزء من نظام موحد يدعم السيادة الفلسطينية ويحول دون تفكيك الوحدة الاقتصادية والسياسية بين غزة والضفة.
العملة الرقمية أداة لفرض الانقسام الاقتصادي
ويشير خليل إلى أن أي تجاهل لهذه الاعتبارات سيجعل العملة الرقمية أداة لفرض الانقسام والتجزئة الاقتصادية، وتقويض المشروع الوطني برمته، وإضعاف دور السلطة الفلسطينية، وتحقيق الانفصال الكامل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على مستقبل الاقتصاد الفلسطيني والسيادة الوطنية.
فرض العملة الرقمية على شعب محاصر لإخضاعه
يحذر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) مسيف مسيف من المخاطر الكبيرة لإدخال عملة رقمية في قطاع غزة، مؤكداً أن المقترح يحمل أبعاداً سياسية قبل أن يكون اقتصادياً، ويأتي ضمن استمرار المشروع الإسرائيلي للسيطرة على الفلسطينيين واقتصادهم.
ويوضح مسيف أن العملة الرقمية أداة اقتصادية متطورة تُستخدم عادة بعد تشكيل هيكل اقتصادي مستقر، وهو ما يفتقده قطاع غزة الذي يواجه واقعاً هشاً اقتصادياً، ويحتاج إلى إعادة إعمار عاجلة.
ويشير مسيف إلى أن فرض العملة الرقمية على شعب محاصر يعد عملية إخضاع كاملة، حيث يمنح الاحتلال الإسرائيلي القدرة على التحكم في كافة الأنشطة الاقتصادية والمعاملات المالية في غزة.
ويؤكد مسيف أن السيطرة الإسرائيلية على العملة ستتيح تجميد الحسابات أو حظر المعاملات لأي شخص في أي لحظة، وهو ما يترجم احتلالاً اقتصادياً رقميًا جديدًا، ويقوّض السيادة المالية الفلسطينية بشكل كامل.
خطة لاستغلال إعادة الإعمار والمشاريع الاقتصادية
ويوضح مسيف أن الفكرة الاقتصادية للعملة الرقمية في غزة لن تنجح على أرض الواقع، موضحاً أن المشروع يبدو جزءاً من خطة استثمارية خارجية لاستغلال إعادة الإعمار والمشاريع الاقتصادية في القطاع، بما يتيح أطرافاً إسرائيلية وأمريكية وأوروبية المضاربة بالعملة الرقمية، فيما المواطن الغزي العادي سيجد نفسه مجبراً على استخدامها في المنشآت الاقتصادية والتجارية، مثل استيراد المواد الغذائية أو توفير الخدمات الأساسية، دون أن تلغي العملات الأخرى، لكنها ستحد بشكل كبير من دورها.
آثار سياسية وأمنية كبيرة
ويوضح مسيف أن اعتماد العملة الرقمية في غزة يترتب عليه آثار سياسية وأمنية كبيرة، حيث ستربط القطاع بمنظومات مالية وسيبرانية متقدمة تحت إشراف الاحتلال، وستقضي عملياً على أي محاولة للسيطرة الفلسطينية على المعابر أو تنظيم حركة التجارة والاستثمار بحرية.
ويؤكد مسيف أن المشروع لا يخدم الفلسطينيين، بل يعمّق الاحتلال ويحوّل القطاع إلى كيان اقتصادي تابع بالكامل، مع استمرار فرض قيود ومعايير إسرائيلية على كل المعاملات المالية، مما يجعل القطاع هشاً وغير قادر على تحقيق أي تنمية مستدامة.
ويرى مسيف أن إدخال العملة الرقمية يمثل خطوة خطيرة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، ويكرس الانفصال الفلسطيني، ويضع مستقبل الاقتصاد الوطني في قبضة الاحتلال، مشيراً إلى أن أي نجاح مزعوم للعملة سيكون محدوداً على المؤسسات الكبرى، بينما سيظل المواطن في غزة تحت الإكراه الرقمي وسيطرة خارجية على حياته الاقتصادية اليومية.
خطوة جديدة نحو التبعية الاقتصادية
يعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن الحديث عن إدخال عملة رقمية في قطاع غزة يمثل خطوة جديدة ضمن آليات تتجه نحو التبعية الاقتصادية الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي، واصفًا إياها بـ"السلاح الصامت" الذي سيزيد من التضييق على الاقتصاد الفلسطيني.
ويوضح أبو الروس أن المتحكم الأول والوحيد بهذه العملة سيكون الجانب الإسرائيلي، ما يعيد فرض قيود وعقوبات على الاقتصاد الفلسطيني كما تفعل إسرائيل حالياً عبر المقاصة والمعابر، ويحول العملة إلى أداة للسيطرة والتهديد.
ويشير أبو الروس إلى أن هذه العملة لن تخدم الصالح الفلسطيني، خاصة في ظل وجود عملة الاحتلال "الشيكل"، موضحًا أن وجود عملة رقمية بإشراف إسرائيلي يعيد هيكلة الاقتصاد في غزة ويتيح للسلطات الإسرائيلية التحكم في الوارد والصادر، وفي المعاملات اليومية لأهالي القطاع.
العملة الرقمية كأداة عقاب
ويشير أبو الروس إلى أن العملة الرقمية قد تستخدم كأداة عقاب، بحيث يُحرم أهالي غزة من استخدامها عند ممارسة إسرائيل لأي شكل من أشكال العقوبات الاقتصادية أو السياسية بحقهم.
ويوضح أبو الروس أن اعتماد عملة رقمية مستقلة لغزة سيزيد من الشرخ الاقتصادي والسياسي بين القطاع والضفة الغربية، ويعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الطرفين، بما يعزز الفصل الممنهج الذي تنتهجه إسرائيل منذ فترة طويلة.
ويؤكد أبو الروس أن السيطرة الإسرائيلية على العملة ستتيح لها جني مكاسب كبيرة، خاصة من خلال التبادل بالدولار وتحويله إلى الشيكل بسعر يحقق أرباحاً كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين، ما يعمق الظلم المالي والاقتصادي بحق الاقتصاد الفلسطيني.
القضاء على احتمالات وجود عملة فلسطينية
ويحذر أبو الروس من أن هذه الخطوة قد تقضي عملياً على أي احتمال مستقبلي لوجود عملة فلسطينية، حتى بعد أكثر من ثلاثين عاماً على اتفاقية باريس الاقتصادية، مؤكدًا أن الهيمنة الرقمية مدعومة دولياً، ما يعزز موقع العملة الإسرائيلية ويقوي السيطرة الاقتصادية والسياسية لإسرائيل على قطاع غزة.
ويشير أبو الروس إلى أن المواطن في غزة، رغم حاجته لأي وسيلة لإدارة حياته اليومية، سيكون في النهاية تحت وطأة الهيمنة الاقتصادية الكاملة، مما يضع مستقبل الاقتصاد الفلسطيني على المحك ويقوّض قدرته على تقرير مصيره المالي والسياسي.
افتقاد الواقعية
يعتبر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن الحديث عن إدخال عملة رقمية في قطاع غزة، ضمن تصورات مجلس السلام، يفتقد إلى الواقعية ويأتي في وقت تتصدر فيه أولويات المواطنين إعادة الإعمار والإغاثة واستئناف الحياة الطبيعية بعد سنوات الحرب والضغط الاقتصادي.
ويوضح أبو غوش أن أولويات المجلس تختلف، حيث تنطلق بالأساس من الحفاظ على المصلحة الإسرائيلية، عبر قوات دولية، وهو ما يجعل مشروع العملة الرقمية يحمل أبعاداً سياسية أكثر من اقتصادية.
ويشير أبو غوش إلى غموض طبيعة المشروع الأمريكي في القطاع، موضحاً أن الأموال التي جُمعت لصالح مجلس السلام غير واضحة في تخصيصها، سواء للقطاع ككل أو لأغراض محددة، وما إذا كانت ستدعم المشروع الاقتصادي للعملة الرقمية.
العملة الرقمية والمدعّمات الاقتصادية
ويؤكد أبو غوش أن أي عملة رقمية تحتاج إلى مدعّمات اقتصادية قوية واستقرار سياسي وقدرة على السيطرة على المعابر والحدود وتدفق التجارة وجذب الاستثمارات، وهو ما يفتقده قطاع غزة في الوقت الحالي.
ويحذر أبو غوش من أن إصدار عملة منفردة في غزة يعمّق الانفصال الفلسطيني بين الضفة الغربية والقطاع، ويبعد غزة عن المشروع الوطني الفلسطيني، ويخلق فجوة كبيرة بين ما يُناقش على المستوى النظري وما هو واقع على الأرض.
ويرى أبو غوش أن نجاح أي عملة يعتمد على توفر استقرار سياسي طويل الأمد، وسيطرة كاملة على الموانئ والمعابر، وجذب الاستثمارات، وتأمين إعادة الإعمار بشكل واضح، وهي عناصر غير متوافرة حالياً.
ويؤكد أبو غوش أن أي محاولة لإطلاق العملة الرقمية بدون هذه الأسس ستكون بلا قيمة اقتصادية وسياسية، وستكرّس الانفصال بين الضفة وغزة، وتضع القطاع خارج المشروع الوطني الفلسطيني، مع استمرار الفجوة بين الواقع والحديث النظري عن العملة الرقمية، مما يجعل المشروع محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية والسياسية على حد سواء.
تعميق السيطرة الإسرائيلية على القطاع
يحذر الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة من أن الحديث عن إدخال عملة رقمية في قطاع غزة، كما يتم الحديث عنه من قبل "مجلس السلام"، يأتي ضمن محاولات لتعميق السيطرة الإسرائيلية على القطاع، ليس فقط من الناحية الأمنية بل أيضاً الاقتصادية.
ويوضح عفانة أن هذه الخطوة قد تمس القطاع المصرفي بشكل مباشر، من خلال فرض رقابة رقمية على الحسابات والتعاملات النقدية لأهالي غزة، في ظل غياب رؤية واضحة لإدارة القطاع بعد سنوات من الحرب والضغط الاقتصادي والاجتماعي المستمر.
ويشير عفانة إلى أن إدخال العملة الرقمية سيعزز فصل غزة عن الضفة الغربية على المستوى الإداري والاقتصادي والمصرفي، وتحويل القطاع إلى كيان منفصل في تعاملاته المالية.
ويرى عفانة أن حاجة المواطنين للتعاملات البنكية اليومية، خاصة مع شح السيولة النقدية، ستسهل على سلطات الاحتلال فرض آليات عمل جديدة، تشمل اعتماد العملة الرقمية، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص حاد في النقد الورقي والمعدني بسبب منع إسرائيل إدخاله، إضافة إلى تآكل أو مصادرة ما هو متوفر خلال سنوات الحرب.
ويؤكد عفانة أن هذه الإجراءات تهدف إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الاقتصاد اليومي في غزة، واستغلال الوضع الإنساني والمالي الصعب لتوسيع النفوذ الرقمي على حياة المواطنين، ما يضع القطاع في مواجهة مباشرة مع نظام مالي مشروط ومراقب بالكامل.
تحدي السيادة الفلسطينية
تعتبر الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي أن مشروع العملة الرقمية المقترحة من قبل مجلس السلام لقطاع غزة قد يبدو في البداية حلاً تقنياً لأزمة السيولة الحادة التي يعانيها القطاع منذ أكتوبر 2023، نتيجة منع إدخال النقد وإغلاق فروع البنوك، حيث تعتمد الغالبية العظمى من أهالي قطاع غزة حالياً على الشيكل الإسرائيلي في الرواتب والمعاملات اليومية، لكن الأمر أعمق من أن يكون حلاً تقنياً.
وتشير الرنتيسي إلى ما كشفته فاييننشال تايمز عن نقاشات داخل ما يُسمى مجلس السلام حول إمكانية طرح عملة رقمية مرتبطة بالدولار لإعادة تشغيل دورة الدفع في اقتصاد شبه مشلول، مؤكدة أن المسألة أعمق من مجرد معالجة نقص النقد.
وتشير الرنتيسي إلى أن أي عملة رقمية تُنشأ خارج الإطار الفلسطيني الرسمي وتحت إشراف جهات مدعومة إسرائيلياً تشكل تحدياً للسيادة الفلسطينية، حيث يطرح السؤال حول من يمتلك مفاتيح النظام المالي ومن يحدد قواعده.
التحكم الخارجي بقطاع غزة
وترى الرنتيسي أن ربط العملة بالدولار يمنح استقراراً نسبياً لكنه ينقل مركز الثقل النقدي إلى الخارج، ويقلص دور سلطة النقد الفلسطينية في غزة، ويجعل القطاع عرضة للسيطرة والتحكم الخارجي.
وتحذر الرنتيسي من أن المحافظ الرقمية في ظل الحصار والاحتلال ليست مجرد وسيلة دفع، بل منصة يمكن للجهة المشغلة من خلالها تجميد الحسابات أو تقييد المعاملات، ما يمنحها سلطة مباشرة على حياة المواطنين اليومية.
وعلى مستوى تأثير ذلك على العلاقة بين الضفة وغزة، تشير الرنتيسي إلى أن اعتماد نظام رقمي مستقل مرتبط بالدولار في غزة مقابل استمرار الضفة في النظام التقليدي المرتبط بالشيكل وسلطة النقد، يؤدي إلى ازدواجية نقدية تعقد التحويلات بين المنطقتين، وتزيد كلفة المعاملات، وتعيق أي جهود مستقبلية لتوحيد السياسة المالية الفلسطينية.
وترى الرنتيسي أن مشروع العملة الرقمية يحمل بعداً عملياً لمعالجة أزمة السيولة، لكنه يحمل أيضاً أبعاداً سياسية وسيادية حساسة، إذ أن نجاحه أو خطورته يعتمد على من يضع قواعد النظام ومن يمتلك القدرة على تشغيله أو إيقافه، مما يجعل أي خطوة في هذا الاتجاه مسألة أمنية واقتصادية وسياسية في آن واحد.
المصدر:
القدس