شهدت الساحة السياسية في شمال إنجلترا تحولاً جذرياً لافتاً، بعد تمكن هانا سبنسر من انتزاع مقعد برلماني كان محسوباً لعقود على حزب العمال البريطاني. سبنسر، التي تنتمي لحزب الخضر، استطاعت قلب الموازين في دائرة غورتن ودينتون جنوب شرق مانشستر، حيث تراجع الحزب التقليدي إلى المركز الثالث في نتيجة وصفت بأنها تعبير عن تغير المزاج الانتخابي العام.
تعد رحلة سبنسر إلى المؤسسة التشريعية استثنائية بكل المقاييس، إذ بدأت مسيرتها المهنية في قطاع الحرف اليدوية بعيداً عن أروقة السياسة. فقد غادرت مقاعد الدراسة في سن السادسة عشرة لتتعلم مهنة السباكة وأعمال الجبس، وهو ما صقل شخصيتها العملية التي ظهرت بوضوح خلال حملتها الانتخابية الأخيرة.
في عام 2015، أسست سبنسر مشروعها الخاص تحت اسم 'سباكة هانا المنزلية'، واستمرت في ممارسة مهنتها حتى وقت قريب جداً من إعلان فوزها. وأكدت في تصريحات صحفية أنها حصلت على تأهيل إضافي كعاملة جبس قبل أسبوعين فقط من الانتخابات، مشيرة إلى قدرتها على الإنجاز تحت الضغط وفي خضم الفوضى.
بدأ المسار السياسي لسبنسر بشكل متسارع منذ انضمامها لحزب الخضر في عام 2022، حيث لم يمضِ عام واحد حتى انتُخبت عضواً في مجلس مقاطعة ترافورد. هذا الصعود السريع توج بالوصول إلى البرلمان، لتمثل صوتاً جديداً يدافع عن حقوق أصحاب المهن والحرفيين الذين تشعر بأنهم غائبون عن طاولة القرار.
خاطبت سبنسر ناخبيها بروح التواضع، حيث قدمت اعتذاراً لزبائنها عن إلغاء المواعيد المحجوزة لأعمال السباكة بسبب انتقالها للعمل البرلماني. وشددت على أنها لا تختلف عن أبناء دائرتها الذين يعملون بجد، لكنها حذرت من أن العمل الشاق لم يعد يكفي لتأمين حياة كريمة في ظل النظام الاقتصادي الحالي.
انتقدت البرلمانية الجديدة تركز الثروات، معتبرة أن الكثير من العمال باتوا يكدحون لإثراء المليارديرات بدلاً من تأمين مستقبلهم الشخصي. وتعهدت بالدفاع عن حق كل فرد في حياة كريمة، مؤكدة أن إصلاح المؤسسات المعطلة سيكون على رأس أولوياتها التشريعية خلال المرحلة المقبلة.
برزت القضية الفلسطينية كركيزة أساسية في حملة سبنسر الانتخابية، حيث لم تتردد في استخدام الأعلام الفلسطينية في منشوراتها الدعائية. ووصفت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بأنها 'إبادة جماعية'، وهو الموقف الذي جلب لها تأييداً واسعاً وانتقادات حادة في آن واحد.
ورداً على الهجمات التي استهدفتها بسبب دعمها لغزة، قالت سبنسر إن تجريد أي فئة من إنسانيتها هو خطر يهدد الجميع. وأوضحت أن مخاوفها الشخصية من الهجوم السياسي تتلاشى أمام المعاناة الحقيقية التي يعيشها الفلسطينيون تحت القصف المستمر من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
واجهت سبنسر اتهامات بمحاولة حشد الناخبين المسلمين عبر التركيز على ملف الحرب في غزة، وهي اتهامات رفضتها مؤكدة أن موقفها ينبع من مبادئ إنسانية. وقد نجحت بالفعل في استقطاب كتلة تصويتية كبيرة كانت تشعر بالإحباط من مواقف الأحزاب الكبرى تجاه القضية الفلسطينية.
يأتي فوز سبنسر في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية أوضاعاً مأساوية، حيث تشير الإحصائيات إلى ارتقاء نحو 72 ألف شهيد وإصابة أكثر من 172 ألفاً آخرين. كما تعرضت البنية التحتية في قطاع غزة لدمار شبه كامل، مما جعل الحياة اليومية للسكان بمثابة صراع من أجل البقاء.
ورغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار سارٍ منذ أكتوبر 2025، إلا أن الخروقات الإسرائيلية المستمرة أدت لسقوط مئات الشهداء الجدد. وتستمر المعاناة الإنسانية لنحو 2.4 مليون فلسطيني في غزة، في ظل قيود مشددة على دخول المساعدات الإنسانية الضرورية، وهو ما تعهدت سبنسر بمواصلة تسليط الضوء عليه تحت قبة البرلمان.
المصدر:
القدس