شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً حاداً في الخطاب الرسمي والإعلامي الإسرائيلي الذي يتهم الفلسطينيين بممارسة ما يُسمى 'إرهاب النفايات'. ويسعى هذا الخطاب إلى ربط ظاهرة حرق النفايات العشوائي في الضفة الغربية بأبعاد أمنية، وتصوير التلوث كأنه سلاح موجه ضد المستوطنات المجاورة.
ترجم الساسة الإسرائيليون هذا التحريض إلى دعوات علنية لاستخدام القوة العسكرية المفرطة ضد المدنيين الفلسطينيين. فقد بلغت المقترحات حد المطالبة باستهداف من يقومون بحرق النفايات عبر الطائرات الحربية، ومعاملتهم كخلايا إرهابية تشكل تهديداً استراتيجياً للأمن القومي.
خلال اجتماع للجنة الداخلية في الكنيست في ديسمبر 2025، وصفت وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان الحرائق بأنها عمل إرهابي منظم. وأيد هذا التوجه نواب من اليمين المتطرف، مطالبين بعسكرة التعامل مع القضايا البيئية وتحويلها إلى ملفات أمنية تستدعي تدخل الجيش.
من جانبه، اعتبر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن هذه الحرائق تثبت زيف 'الخط الأخضر'، متعهداً بسحق الظاهرة عبر فرض غرامات باهظة واقتطاع تكاليفها من أموال الضرائب الفلسطينية. ويعكس هذا الموقف رغبة في تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية أزمة ناتجة أساساً عن سياسات الاحتلال.
في المقابل، تتجاهل الرواية الإسرائيلية حقائق موثقة تفيد بأن إسرائيل حولت الضفة الغربية إلى مكب فعلي لآلاف الأطنان من نفاياتها سنوياً. ويتم نقل المخلفات الصناعية والطبية والكيماوية من داخل الخط الأخضر إلى الأراضي المحتلة للتخلص منها بعيداً عن القيود البيئية الصارمة.
تستغل سلطات الاحتلال غياب السيادة الفلسطينية والسيطرة العسكرية على المناطق المصنفة (ج) لتشغيل منشآت معالجة نفايات تفتقر لأدنى المعايير الصحية. وتعمل هذه المنشآت في المستوطنات دون رقابة حقيقية، مما يوفر على الشركات الإسرائيلية تكاليف معالجة باهظة على حساب صحة الفلسطينيين.
كشفت تقارير حقوقية عن وجود مسار غير رسمي لتهريب النفايات الإلكترونية والخردة من إسرائيل إلى القرى الفلسطينية القريبة من الخط الأخضر. ويضطر السكان في مناطق مثل الخليل وقلقيلية للعمل في تفكيك هذه النفايات وحرقها لاستخراج المعادن كمصدر رزق وحيد في ظل التضييق الاقتصادي.
يرجع لجوء الفلسطينيين للحرق العشوائي إلى غياب البنية التحتية التي يعرقل الاحتلال إنشاءها بذرائع أمنية وإدارية واهية. فإسرائيل تمنع منح التصاريح اللازمة لبناء مكبات صحية حديثة، مما يترك التجمعات الفلسطينية أمام خيارات محدودة وخطيرة للتخلص من نفاياتها المنزلية.
أقرت مصادر إسرائيلية محلية، ومنها رئيسة بلدية مستوطنة 'شوهام'، بأن أصل النفايات التي تسبب الدخان المزعج للمستوطنين هو الداخل الإسرائيلي. ورغم هذا الاعتراف الصريح، يستمر الإعلام العبري في ترويج رواية 'الإرهاب الكيميائي' لتعبئة الرأي العام ضد الفلسطينيين وتبرير القمع.
قانونياً، يمثل نقل النفايات الخطرة إلى الأراضي المحتلة انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم قوة الاحتلال بحماية صحة السكان المحليين. كما يخالف هذا السلوك اتفاقية بازل الدولية التي تحظر نقل النفايات عبر الحدود دون موافقة صريحة من الجهة المستقبِلة.
يرى مراقبون أن استخدام 'فزاعة البيئة' يهدف إلى شرعنة الضم الزاحف للمناطق (ج) تحت غطاء الإدارة البيئية الموحدة. ويتم توظيف معاناة المستوطنين من الدخان لتسريع وتيرة السيطرة على الأرض الفلسطينية وتقييد حركة السكان الأصليين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية.
إن قلب الحقائق الذي تمارسه إسرائيل يحول الضحية إلى جاني، حيث تُتهم الضحية بالإرهاب بينما يمارس الاحتلال 'إرهاباً بيئياً' منظماً. فالأزمة في جوهرها ليست أمنية، بل هي نتاج عقود من الاستغلال الاستعماري للأرض والموارد الفلسطينية كساحة خلفية للتخلص من الأعباء الإسرائيلية.
في الختام، لن يحل الرصاص أو الطائرات أزمة التلوث في الضفة الغربية ما لم تتوقف إسرائيل عن تصدير نفاياتها للأراضي المحتلة. إن الحل يبدأ بالاعتراف بالمسؤولية القانونية والأخلاقية، وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم البيئية بعيداً عن هيمنة المنظومة الأمنية للاحتلال.
المصدر:
القدس