واشنطن – سعيد عريقات – 27/2/2026
كشف استطلاع جديد أجرته شركة غالوب (Gallup)، إحدى أبرز مؤسسات قياس الرأي العام في الولايات المتحدة، عن تحوّل تاريخي في اتجاهات الأميركيين تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إذ أظهرت نتائجه أن الأميركيين باتوا يميلون، للمرة الأولى منذ بدء القياسات المنتظمة عام 2001، إلى التعاطف مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، في مؤشر يعكس تغيراً تدريجياً عميقاً في المزاج السياسي والاجتماعي الأميركي.
وبحسب الاستطلاع الذي نشر الجمعة، قال 41% من الأميركيين إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36% أعربوا عن تعاطف أكبر مع الإسرائيليين. ورغم أن الفارق لا يحمل دلالة إحصائية قاطعة، فإنه يمثل انعطافة واضحة مقارنة بعام 2025، حين تمتع الإسرائيليون بتقدم مريح بلغ 46% مقابل 33%.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تنهي نمطاً استمر أكثر من عقدين، احتفظ خلاله الإسرائيليون بتفوق ثابت في نسب التعاطف داخل الولايات المتحدة، حيث سجلوا منذ عام 2001 وحتى 2018 تقدماً متوسطه 43 نقطة مئوية. إلا أن الفجوة بدأت بالتقلص تدريجياً منذ عام 2019، أي قبل اندلاع حرب غزة الأخيرة، ما يشير إلى أن التحول الراهن ليس وليد حدث واحد، بل نتيجة تغيرات تراكمية في الرأي العام الأميركي.
ولا يزال جزء من الأميركيين يتبنى موقفاً حيادياً؛ إذ قال 4% إنهم يتعاطفون مع الطرفين بالتساوي، و9% لا يتعاطفون مع أي منهما، فيما أبدى 10% عدم امتلاكهم رأياً محدداً.
ما بعد حرب غزة وتأثير وقف إطلاق النار
يأتي الاستطلاع بعد عام حافل بالتطورات السياسية والعسكرية، أبرزها اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بوساطة أميركية. وشملت المرحلة الأولى تبادل رهائن إسرائيليين بمعتقلين فلسطينيين، بينما تركز المرحلة الحالية على إعادة إعمار قطاع غزة وترتيبات أمنية طويلة الأمد، وسط اتهامات متبادلة بانتهاك الهدنة.
ورغم أن الحروب غالباً ما تعزز التعاطف الأميركي التقليدي مع إسرائيل، فإن نتائج الاستطلاع تشير إلى أن الحرب الأخيرة ربما سرعت اتجاهاً كان قائماً بالفعل، بدلاً من أن تخلقه من الصفر.
المستقلون يقودون التحول السياسي
البيانات التفصيلية تكشف أن الناخبين المستقلين كانوا العامل الحاسم في هذا التحول. فقد قال 41% منهم إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين مقابل 30% مع الإسرائيليين، في تحول لافت مقارنة بالسنوات السابقة التي رجحت كفة إسرائيل بينهم.
أما الديمقراطيون، فقد رسخوا تحولهم الذي بدأ منذ عام 2023، إذ أعرب 65% منهم عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين مقابل 17% فقط مع الإسرائيليين، ما يعكس تغيراً أيديولوجياً داخل القاعدة الحزبية، خاصة بين التيارات التقدمية والشباب.
في المقابل، لا يزال الجمهوريون أكثر دعماً لإسرائيل، حيث أعرب 70% منهم عن تعاطفهم مع الإسرائيليين مقابل 13% مع الفلسطينيين، غير أن هذه النسبة تمثل أدنى مستوى للتعاطف الجمهوري مع إسرائيل منذ نحو عقدين، ما يشير إلى أن التحول — وإن كان أبطأ — لم يعد مقتصراً على حزب واحد.
فجوة الأجيال تتعمق
أحد أبرز معالم الاستطلاع يتمثل في الانقسام العمري الواضح. فقد أظهرت النتائج أن 53% من الأميركيين بين 18 و34 عاماً يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، وهي المرة الأولى التي يشكل فيها هذا الموقف أغلبية داخل هذه الفئة العمرية. في المقابل، أعرب 23% فقط من الشباب عن تعاطف أكبر مع الإسرائيليين، وهو أدنى مستوى مسجل تاريخياً.
كما شهدت الفئة العمرية بين 35 و54 عاماً تحولاً ملحوظاً، إذ قال 46% إنهم يميلون للفلسطينيين مقابل 28% للإسرائيليين، بعد أن كانت المعادلة معاكسة تقريباً قبل عام واحد فقط.
أما الأميركيون الأكبر سناً، فما زال الإسرائيليون يحافظون على تقدم بينهم بنسبة 49% مقابل 31% للفلسطينيين، لكنه يمثل أضيق فارق يُسجل منذ عام 2005، ما يوحي بأن التحول يمتد تدريجياً عبر الأجيال.
تغير في الصورة الذهنية للطرفين
إلى جانب التعاطف السياسي، رصد الاستطلاع تغيراً في الصورة العامة للطرفين لدى الأميركيين. فقد تراجعت النظرة الإيجابية لإسرائيل إلى 46%، مقتربة من أدنى مستوياتها التاريخية، بينما ارتفعت النظرة الإيجابية للأراضي الفلسطينية إلى 37%، وهي أعلى نسبة تسجل حتى الآن.
وللمرة الأولى، تساوت نظرة المستقلين الإيجابية للطرفين عند 41% لكل منهما، نتيجة تراجع تقييم إسرائيل بشكل ملحوظ منذ عام 2023 مقابل تحسن تدريجي لصورة الفلسطينيين.
أما بين الديمقراطيين، فقد أصبحت الأراضي الفلسطينية تحظى بصورة إيجابية أعلى من إسرائيل منذ عام 2025، في حين يظل الجمهوريون الأكثر إيجابية تجاه إسرائيل رغم تراجع التأييد لديهم خلال العامين الماضيين.
استمرار دعم حل الدولتين رغم الاستقطاب
على صعيد الحلول السياسية، أظهر الاستطلاع أن 57% من الأميركيين يؤيدون إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل ضمن إطار حل الدولتين، وهي نسبة تقترب من أعلى مستوى سجلته غالوب منذ عام 2003.
ويحظى هذا الخيار بدعم واسع بين الديمقراطيين (77%) وأغلبية المستقلين (57%)، بينما تراجع تأييد الجمهوريين إلى 33% بعد تقلبات حادة منذ حرب غزة، ما يعكس اتساع الفجوة الحزبية حول الصراع.
ومن اللافت أن دعم الأميركيين لحل الدولتين يفوق بكثير مستويات التأييد لدى الإسرائيليين والفلسطينيين أنفسهم وفق استطلاعات دولية حديثة، ما يبرز التباين بين الرأي العام الأميركي والواقع السياسي على الأرض.
ويعكس التحول في نتائج غالوب تغيراً في السردية التي حكمت فهم الأميركيين للصراع لعقود طويلة. فالأجيال الجديدة لم تعد تنظر إلى النزاع حصراً من زاوية التحالفات الإستراتيجية أو ذاكرة الحرب الباردة، بل من خلال مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان وعدم المساواة. ومع توسع مصادر المعلومات خارج الإعلام التقليدي، باتت الرواية الفلسطينية أكثر حضوراً في الفضاء العام الأميركي، ما أدى تدريجياً إلى إعادة توازن إدراكي لا يعني بالضرورة تراجع الدعم لإسرائيل بقدر ما يعني تعدد زوايا النظر.
ورغم أهمية التحول الشعبي، فإن تأثيره الفوري على السياسة الأميركية قد يظل محدوداً بسبب ثبات المؤسسات والتحالفات الاستراتيجية. إلا أن التاريخ السياسي الأميركي يظهر أن التحولات الكبرى تبدأ غالباً في الرأي العام قبل أن تصل إلى مراكز القرار. ومع دخول أجيال جديدة إلى العملية الانتخابية، قد يجد السياسيون أنفسهم أمام ناخبين أقل تقبلاً للسياسات التقليدية وأكثر ميلاً لربط المساعدات الخارجية بمعايير حقوق الإنسان، ما قد يعيد صياغة الخطاب الأميركي تجاه الصراع خلال العقد المقبل.
المصدر:
القدس