آخر الأخبار

توسيع العدوان الإسرائيلي على مدن الضفة الغربية الهادئة

شارك

لم تعد العمليات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي مقتصرة على مراكز المواجهة التقليدية في شمال الضفة الغربية مثل جنين ونابلس، بل امتدت لتطال مدناً وبلدات كانت تُعرف بهدوئها النسبي. هذا التحول الميداني يثير تساؤلات عميقة حول الأهداف الكامنة وراء استهداف مناطق لم تشهد تشكيلات عسكرية مقاومة بارزة، مما يشير إلى رغبة في تعميم حالة عدم الاستقرار.

شهدت مدينة سلفيت مؤخراً واحداً من أضخم الاقتحامات العسكرية منذ مطلع العام الجاري، حيث دفعت قوات الاحتلال بمئات الجنود وعشرات الآليات في عملية استمرت لنحو 12 ساعة متواصلة. تخلل الاقتحام فرض حظر تجوال شامل وتفتيش أكثر من 150 منزلاً، وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية ومراكز تحقيق ميدانية، وسط تدمير واسع للممتلكات الخاصة.

أفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال فرضت طوقاً عسكرياً مشدداً حول مستشفى الشهيد ياسر عرفات في سلفيت، ومنعت حركة المواطنين بشكل كامل عبر إغلاق المداخل الرئيسية للمدينة. وترافقت هذه الإجراءات مع توزيع منشورات ورقية تزعم أن الهدف هو 'مكافحة الإرهاب'، وهي ذرائع يراها مراقبون مجرد غطاء لاستعراض القوة وترهيب المدنيين.

يرى محللون أن التصعيد في سلفيت ليس معزولاً عن المخططات الاستيطانية، حيث تتعرض المحافظة لعمليات تجريف واسعة تهدف لإنشاء حي استيطاني ضخم يُعرف بـ'أرئيل الغربية'. هذا المشروع الذي يمتد على مساحة تزيد عن 6 آلاف دونم، يهدف إلى عزل المدينة عن محيطها الجغرافي وتحويلها إلى كانتون محاصر بالمستوطنات من جهاتها كافة.

تعتمد السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية على مبدأ 'الاستيلاء المتدرج'، حيث يتم استهداف المناطق المصنفة (ج) أولاً لتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني. هذه المنهجية تهدف إلى امتصاص ردود الفعل الدولية والمحلية عبر تنفيذ المخططات على مراحل زمنية متباعدة، وصولاً إلى فرض سيطرة ديموغرافية وجغرافية كاملة.

يشير مختصون في الشأن السياسي إلى أن الاحتلال يحاول رسم 'خريطة نفسية' جديدة للفلسطينيين، تعتمد على تقسيمهم إلى فئات بناءً على مستوى الهدوء أو التصعيد. هذا النهج يهدف إلى خلق كوابح داخلية داخل المجتمع الفلسطيني عبر ربط الاستقرار المعيشي بالخنوع للإجراءات الأمنية، وهو ما يُعرف بسياسة 'العصا والجزرة'.

إن حجم القوات المشاركة في اقتحامات المدن 'الهادئة' واستخدام الطائرات المروحية في عمليات الإنزال يعكس رغبة في فرض واقع ميداني جديد يتجاوز البعد الأمني المعلن. هذه العمليات تحمل رسائل سياسية واضحة مفادها أن لا مكان في الضفة الغربية بعيد عن قبضة الاحتلال، بغض النظر عن وجود نشاط عسكري للمقاومة من عدمه.

الاحتلال يسعى لخلق خريطة نفسية وجغرافية تقسم الفلسطينيين لفرض واقع استيطاني جديد.

في بيت لحم، لم تكن الصورة مغايرة، حيث أعادت سلطات الاحتلال ترسيم حدود أراضٍ في مناطق بيت جالا وبتير، في خطوة استفزازية تهدف لجر تلك المناطق إلى دائرة المواجهة. يرى باحثون أن هذه التحركات تهدف لتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني الذي لا يتوقف عن التهام المساحات الخضراء.

يبرز دور المستوطنين في هذه المرحلة كذراع تنفيذية ثالثة للاحتلال، حيث يعملون بالتوازي مع الجيش على ترهيب المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم. هذه التكاملية بين الدورين الرسمي والميليشياوي تهدف إلى تسريع وتيرة الضم الفعلي للضفة الغربية وتحويل القرى الفلسطينية إلى جزر معزولة خلف البوابات العسكرية.

رغم محاولات الاحتلال فرض سياسة 'سد الذرائع' وتقييد حركة الفلسطينيين، إلا أن التاريخ يثبت أن حالة التأقلم الحالية هي وسيلة للصمود وليست استسلاماً. الفلسطينيون الذين واجهوا الحصار في الانتفاضات السابقة، يبتكرون اليوم طرقاً بديلة لتسيير حياتهم اليومية، مؤكدين على تمسكهم بالأرض رغم كل محاولات التهجير القسري.

إن التقسيمات التي فرضتها اتفاقية أوسلو (أ، ب، ج) باتت اليوم مجرد مسميات يتجاوزها الاحتلال يومياً عبر اقتحاماته المتكررة لمراكز المدن الخاضعة اسمياً للسيطرة الفلسطينية. هذا التجاوز يهدف إلى تقويض أي سلطة وطنية وإظهار الاحتلال كقوة وحيدة تتحكم في مصير السكان وحركتهم اليومية.

يتوقع مراقبون أن استمرار هذا النمط من التصعيد قد يؤدي إلى انفجار شامل في الضفة الغربية، حيث تصل الضغوط الاقتصادية والأمنية إلى ذروتها. الشعب الفلسطيني الذي يمر بمرحلة من الضغط المكثف، يمتلك القدرة التاريخية على قلب المعادلات في اللحظات الحرجة، مما يجعل رهانات الاحتلال على الهدوء الدائم رهانات خاسرة.

تعتبر البيئة الطاردة التي يحاول الاحتلال خلقها عبر هدم المنازل وفرض الحواجز العسكرية جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لتقليل الكثافة السكانية الفلسطينية في المناطق الحيوية. هذه السياسة لا تستهدف المقاومين فحسب، بل تستهدف الوجود الفلسطيني بحد ذاته، عبر جعل الحياة اليومية عبئاً لا يطاق تحت وطأة الملاحقة والترهيب.

في الختام، يبقى الصمود الفلسطيني في المدن المستهدفة هو الصخرة التي تتحطم عليها مشاريع التوسع الاستيطاني. ورغم الترسانة العسكرية الضخمة، يظل القلق الإسرائيلي قائماً من عدم القدرة على كسر الإرادة الوطنية، وهو ما يفسر لجوء الاحتلال الدائم لتطوير أدوات القمع وتوسيع دائرة النار لتشمل كل شبر في فلسطين.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا