تحل الذكرى الثانية والثلاثون لمجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل وسط أجواء هي الأكثر قتامة منذ وقوع الجريمة عام 1994، حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي ترسيخ سيطرته على الموقع المقدس. ولم تكن تلك المجزرة التي نفذها مستوطن متطرف مجرد حدث عابر، بل مثلت نقطة تحول استغلها الاحتلال لفرض واقع جغرافي وإداري جديد يهدف إلى طمس الهوية الإسلامية للمكان.
أفادت مصادر بأن السياسات الإسرائيلية الحالية تجاوزت مجرد التقسيم الزماني والمكاني الذي فُرض عقب المجزرة، لتصل إلى مرحلة الضم الإداري الفعلي. وتتجلى هذه السياسة في حرمان المصلين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم في ممارسة الشعائر الدينية، وسط تعزيز الوجود العسكري والمستوطنين في قلب البلدة القديمة.
يروي الحاج حسني الرجبي، أحد الناجين من مجزرة الفجر أن المعاناة اليومية التي يعيشها سكان الخليل حالياً تفوق في قسوتها ما أعقب المجزرة قبل ثلاثة عقود. ويؤكد الرجبي أن الوصول إلى المسجد بات يتطلب عبور سلسلة من الحواجز العسكرية المعقدة التي تهدف إلى دفع الفلسطينيين لليأس وهجر المسجد.
تشير التقارير الميدانية إلى أن سلطات الاحتلال تمنع دخول المستلزمات الأساسية للمسجد خلال شهر رمضان، بما في ذلك مياه الشرب والتمور والمعدات اللازمة للتنظيف. كما يواجه الأئمة والمؤذنون مضايقات مستمرة، حيث يتم مرافقة المؤذن من قبل الجنود، ويُمنع رفع الأذان في أوقات محددة بشكل تعسفي.
في تطور خطير جرى في فبراير 2026، أعلنت سلطات الاحتلال عن حزمة إجراءات تمنحها صلاحيات مدنية وإدارية واسعة داخل المدن الفلسطينية. وشملت هذه القرارات نقل صلاحيات إصدار رخص البناء والمصادقة على المشاريع في الخليل من السلطة الفلسطينية إلى الإدارة العسكرية للاحتلال.
يرى مراقبون أن هذه الخطوات القانونية تمثل تتويجاً لعقود من المحاولات الرامية لتحويل المسجد الإبراهيمي إلى كنيس يهودي بالكامل. وتسمح هذه الصلاحيات الجديدة للاحتلال بإجراء تغييرات هيكلية في المسجد دون الحاجة إلى تنسيق مع الأوقاف الإسلامية أو بلدية الخليل.
تاريخياً، بدأ تغيير الواقع في الحرم الإبراهيمي عقب احتلال عام 1967، حيث أقيم كنيس داخل المجمع لأول مرة، وتبعه إنشاء مستوطنة 'كريات أربع'. ومنذ ذلك الحين، تصاعدت وتيرة الاقتحامات والاعتداءات التي بلغت ذروتها الدموية في رمضان عام 1994 حين استشهد 29 مصلياً برصاص مستوطن.
لجنة التحقيق الإسرائيلية التي شكلت عقب المجزرة، أوصت بتقسيم المسجد ومنح المستوطنين السيطرة على ثلثي مساحته، وهو ما يرفضه الفلسطينيون جملة وتفصيلاً. كما أدى هذا القرار إلى إغلاق شارع الشهداء، الذي كان يمثل القلب التجاري النابض لمدينة الخليل، مما تسبب في شلل اقتصادي واجتماعي.
تؤكد مصادر محلية أن عدد المصلين الذين يتمكنون من الوصول إلى المسجد تراجع بنسبة 50% نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة. ويضطر المواطنون لسلوك طرق جبلية وملتوية لتفادي الحواجز الدائمة التي تفصل أحياء المدينة عن بعضها البعض وتخنق البلدة القديمة.
مدير المسجد، الشيخ معتز أبو سنينة، أوضح أن الاحتلال يسابق الزمن لفرض وقائع مادية جديدة على الأرض، خاصة بعد أحداث أكتوبر 2023. وأشار إلى أن الانتهاكات شملت وضع أقفال على غرف وبوابات داخل المسجد، ومنع الموظفين من ممارسة مهامهم الإدارية والدينية.
رغم إدراج اليونسكو للبلدة القديمة في الخليل على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر عام 2017، إلا أن الاحتلال يضرب بعرض الحائط كافة القرارات الدولية. وتستمر أعمال التنقيب الأثري والمشاريع الاستيطانية في محيط المسجد، مما يهدد سلامة البناء التاريخي العريق.
تصف منظمات حقوقية دولية الوضع في الخليل بأنه تجسيد لنظام الفصل العنصري، حيث يتمتع بضع مئات من المستوطنين بحماية آلاف الجنود. وفي المقابل، يعيش آلاف الفلسطينيين في منطقة 'إتش 2' تحت قيود حركة صارمة تمنعهم حتى من استخدام شوارعهم الرئيسية.
الاحتلال لم يكتفِ بالسيطرة المكانية، بل عمد إلى ملاحقة الشخصيات الدينية والإدارية المسؤولة عن المسجد عبر قرارات الإبعاد المتكررة. وقد طالت هذه القرارات الشيخ أبو سنينة ورئيس السدنة، في محاولة واضحة لتفريغ المسجد من قيادته الدينية وتسهيل السيطرة عليه.
يبقى المسجد الإبراهيمي شاهداً على صمود الفلسطينيين في وجه محاولات الاقتلاع والتهويد المستمرة منذ عقود. ورغم كل الإجراءات العسكرية والقانونية، يصر أهالي الخليل على الرباط في مسجدهم، مؤكدين أن السيادة على الحرم هي حق إسلامي خالص لا يسقط بالتقادم أو بقرارات الاحتلال.
المصدر:
القدس