آخر الأخبار

عن عمليات النهب الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية: معركة السيادة في أخطر مراحلها

شارك

الحدث - سجود عاصي

تعتبر سياسة وضع اليد على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس المحتلة؛ الركيزة الأساسية للمشروع الاستيطاني، حيث طورت إسرائيل على مدار عقود شبكة معقدة من الأدوات القانونية والإدارية والعسكرية لشرعنة نهب الأرض. ولم تكن هذه العمليات مجرد إجراءات عشوائية، بل نهجاً استراتيجياً متصاعداً بدأ بتوظيف "قوانين الغائبين" وتصنيف الأراضي كـ "مناطق عسكرية مغلقة"، وصولاً إلى التوسع في إعلان "أراضي الدولة" واستخدام جدار الفصل العنصري كأداة لترسيم حدود جديدة وفرض واقع جيوسياسي يمزق الاتصال الجغرافي الفلسطيني ويحاصر التمدد العمراني للسكان الأصليين، وكانت القرارات الإسرائيلية لتسريع الاستيلاء على أراض الفلسطينيين في الضفة؛ إعلان بدء تسجيل أراض بالضفة الغربية المحتلة كـ"أملاك دولة".

يطال القرار الأخير نحو 50% من مساحة الضفة الغربية، ويتمثل في تجريد الفلسطينيين من أراضيهم على نطاق واسع وتسجيلها باسم دولة الاحتلال، بما يلزم ملاك الأراضي بإثبات ملكيتهم بشروط يصعب عليهم استيفاؤها، وفي حال عدم قدرتهم على ذلك، سيتم تسجيل الأرض تلقائيًا باسم دولة الاحتلال، في ممارسة واضحة للسيادة والضم، المخالفة للقانون الدولي.

ويهدف القرار، إلى تسجيل 15% من الأراضي غير المسجلة في المنطقة ج خلال 5 سنوات. وبحسب منظمات حقوقية؛ تضم المنطقة ج حوالي 3.3 مليون دونم، سُجّل منها حوالي 1.4 مليون دونم خلال الحقبة الأردنية، بينما لا يزال حوالي 1.7 مليون دونم غير مسجل.

ولم تكتفِ إسرائيل بالقوة العسكرية، بل بحثت عن "غطاء قانوني" من خلال نبش القوانين القديمة وتطويعها، فاستخدمت قانون أملاك الغائبين (1950) للاستيلاء على عقارات الفلسطينيين الذين هُجروا، وخاصة في شرقي القدس المحتلة، واعتمدت على تفسير مشوه للقانون العثماني 1858 "أراضي الدولة"، حيث تعتبر أي أرض "بور" أو غير مفلحة لفترة معينة ملكاً للدولة، مما سمح لها بتحويل مئات آلاف الدونمات للمستوطنات، كما أصدرت آلاف الأوامر العسكرية التي تتحكم بكل تفاصيل الأرض، من منع حفر الآبار إلى إعلان المناطق "محميات طبيعية" تمهيداً للاستيطان.

وتستخدم إسرائيل "التخطيط" كأداة هندسية للتهجير القسري الصامت، ففي المناطق المصنفة ج، يُرفض أكثر من 98% من طلبات البناء الفلسطينية، مما يجعل أي توسع سكاني "غير قانوني" في نظر الاحتلال ومعرضاً للهدم، وذلك ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية في الهدم ومنع التراخيص. كما يتم وضع مخططات هيكلية واسعة للمستوطنات مقابل تضييق الخناق على القرى الفلسطينية، مما يحولها إلى "كانتونات" مخنوقة لا تستطيع استيعاب النمو الطبيعي للسكان.

وتعتمد حكومات الاحتلال المتعاقبة، سياسة نهب الموارد الطبيعية من أجل السيطرة على الأرض وتجريد الفلسطينيين من مقومات البقاء الاقتصادي؛ وتسيطر إسرائيل على أكثر من 80% من موارد المياه في الضفة (الحوض الجبلي)، لتستولي جماعات المستوطنين على أراضي المزارعين لاحقاً بذريعة أنها "غير مفلحة"، وأقام الاحتلال عشرات المناطق الصناعية على أراضٍ فلسطينية مصادرة، حيث تستفيد من العمالة الفلسطينية الرخيصة والموارد المنهوبة، مع تصدير التلوث للقرى المجاورة، كما عزل الاحتلال آلاف الدونمات الزراعية خلف جدار الفصل العنصري، مما جعل وصول أصحابها إليها يتطلب تصاريح أمنية شبه مستحيلة، مما يؤدي لتبويرها ومصادرتها لاحقاً.

يرى د. مصطفى البرغوثي، أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية، أن ما قامت به حكومة الاحتلال الإسرائيلي الأخيرة، من قرارات خطيرة ضمن مشروع الضم؛ جزء من مشروع الحركة الصهيونية ولم يتغير قيد أنملة "ونتنياهو يتبناه من الألف إلى الياء، وسموتريش وبن غفير هما الواجهة ولكن في الحقيقة أن من يدير المشروع هو نتنياهو منذ عام 1996، والهدف هو الاستيلاء على جميع الضفة الغربية وقطاع غزة، ومحاولة تهجير سكانها، بغية إنشاء دولة الاحتلال اليهودية من البحر إلى النهر بما في ذلك في غزة".

وقال البرغوثي في لقاء خاص مع صحيفة الحدث، إن المشروع الإسرائيلي واضح؛ والهدف هو نفي الشعب الفلسطيني وحقه في الوجود وممارسة التطهير العرقي ضده، والسؤال ليس ما يقوله الإسرائيليون، وإنما ماذا سيفعل الفلسطينيون والعرب والمسلمين والقانون الدولي تجاه كل ذلك.

ويوضح البرغوثي، أن "إسرائيل حوصرت في محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية والنتيجة كانت أن الولايات المتحدة الأمريكية فرضت عقوبات على هذه المحاكم لأنها تطبق القانون الدولي، والقانون الدولي إلى جانبنا نحن الفلسطينيين، وهناك قرارات لمحكمة العدل الدولية التي تنكرت لها إسرائيل، ونتنياهو مصنف الآن كمجرم حرب من قبل محكمة الجنايات الدولية، ولكن هل يمكن وقف إسرائيل بالكلام والبيانات والإدانات، بالطبع لا".

وأضاف البرغوثي، أن على جميع دول العالم بما في ذلك العربية والإسلامية؛ فرض عقوبات ومقاطعة إسرائيل، والسبيل الوحيد لردع إسرائيل ولاستمرار الشعب الفلسطيني في صموده البطولي على الأرض ومقاومته الفعلية لكل الإجراءات الإسرائيلية والاستيطان والضم والإرهاب الاستيطاني هو فرض عقوبات ومقاطعة على إسرائيل، وهذا هو السبيل الوحيد لردع كل ما يجري، أما البيانات والإدانات والاستنكارات فهي لا تفعل ولا تحمي شيئا.

وعن دور السلطة الفلسطينية، قال: السلطة الفلسطينية ترددت كثيرا وبرأيي ارتكبت خطأ كبيرا عندما لم تنفذ اتفاق "بكين" الذي كان سيوحد الطاقات الفلسطينية وينشئ حكومة موحدة في قطاع غزة والضفة الغربية ويمنع فصل غزة عن الضفة، وللأسف السلطة لم تنفذ ذلك الاتفاق وترددت في توحيد الطاقات الفلسطينية كلها، والنتيجة أنها الآن تتعرض للعزل والتهميش، كما حدث في "مؤتمر مجلس السلام" في واشنطن حيث جرى تهميش منظمة التحرير الفلسطينية رغم اعتمادها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وبالتالي الاستمرار في التردد لا يحمي المنظمة مما يحدث، والحل الوحيد هو توحيد كل الطاقات الفلسطينية وبرنامج كفاحي والتخلي عن الأوهام التي ثبت فشلها مثل اتفاقيات "أوسلو" وغيرها.

واعتبر مساعد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، صلاح الخواجا، أن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة تعتبر تحولا في استراتيجية الاحتلال الذي اعتبر في القانون الدولي على أنه استعمار مؤقت أو احتلال عسكري مؤقت، وتحويله من استعمار مؤقت إلى استعمار دائم، وعملية التمليك للأراضي وفق قانون التسوية هي محاولة اعتبار أن الأراضي المحتلة وكأنها أراض خاضعة لسيادة دولة الاحتلال وهي جزء من جرائم الحرب ضد الفلسطينيين وتنسف كل الاتفاقات والقوانين الدولية، أبرزها اتفاقية جنيف ومحكمة العدل الدولية وفتوى لاهاي.

وقال الخواجا في حديث خاص مع "صحيفة الحدث"، إن الإجراءات الإسرائيلية في الوقت الراهن، تريد أن تنهي وجود السيادة الفلسطينية على مناطق أ و ب، وخاصة أنه تم تسليم إخطارات لعمليات هدم منازل ومنشآت تقع في مناطق ب، وتم اعتبار حي كامل منطقة عسكرية مغلقة، واليوم دولة الاحتلال تمارس جرائمها الاستيطانية في كل المناطق ولا تعترف بوجود تقسيمات سياسية، وكل يوم يتبجح الإسرائيليون بالإعلان عن التنصل من اتفاق أوسلو.

وأوضح أن إجراءات الاحتلال ليست فقط بعمليات تسوية الأراضي، وإنما تمليك المستوطنين لأراضي الفلسطينيين في تحد للاتفاقيات الدولية ومحاولة توطين للمستوطنين على أراضي الفلسطينيين وتهجير الفلسطينيين قسرا من أراضيهم في إطار خطة ستصل إلى كل أراضي ج ومعظم أراضي الضفة والاستيلاء على المناطق الأثرية كما حدث في سبسطية، والتغييرات على وجه الخصوص في مدينة الخليل التي أنشأ الاحتلال بلدية للمستوطنين لسحب صلاحيات بلدية الخليل إلى بلدية المستوطنين، والتحكم في الدخول والخروج للحرم الإبراهيمي وغيرها من الإجراءات في عملية تطهير وتزييف للتاريخ ومكانة وعروبة المناطق الفلسطينية.

وعن الخيارات أمام الفلسطينيين، يرى الخواجا أن الخيارات المتاحة تتسع كل يوم، "وواهم من يعتقد أن الخيارات محدودة، ولكن القضية أن على القيادة السياسية أن تؤمن أننا في مرحلة كفاح وصراع وتحدي، وعلى القوى السياسية بدون استثناء أن تؤمن أنه ليس المطلوب تحميل المسؤوليات لبعضنا البعض، وعلينا تحمل المسؤولية جميعا وبالتالي يجب أن تصادق القوى على برنامج دفاعي واستراتيجية وطنية موحدة وجامعة، واستنهاض الطاقات الشعبية، وأن لا يتحول رأس الهرم في التنظيمات إلى مطالبة الشعب الفلسطيني بالفعل، بل يجب على قيادات الأحزاب والفصائل التقدم للفعل على أرض الواقع تعزيزا للثقة بالقيادة السياسية والحركات الوطنية كخطوة أولى في اتجاه استنهاض الطاقات الشعبية الفلسطينية للكفاح ضد الاحتلال".

وأوضح الخواجا: بعد العدوان والمجازر التي جرت في غزة والإبادة الجماعية، أصبح العالم يكشف زيف حكوماته التي ضللتهم على مدار عشرات السنوات، وهناك فرصة تاريخية في ظل الحركة الناهضة في العالم تضامنا مع الفلسطينيين، للبدء بحملة عالمية لانتفاضة مدنية دولية تشل حركة الاحتلال والدبلوماسية والسياسية لحكومة الاحتلال في العالم، وتبدأ من حملات المقاطعة لمنتجات الاحتلال إلى مقاطعة سياسية ودبلوماسية وبرلمانية، لشل حركة الاحتلال في كل دول العالم.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا