آخر الأخبار

قصة معروف سعد: نضال من أجل فلسطين واغتيال هز لبنان

شارك

يبرز اسم معروف سعد كأحد أهم الشخصيات السياسية اللبنانية التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. لم يكن سعد مجرد نائب في البرلمان، بل كان مناضلاً ميدانياً سخر حياته للدفاع عن القضية الفلسطينية بالعمل المسلح والمواقف السياسية الصلبة. اغتياله في فبراير 1975 شكل صدمة كبرى كشفت عن هشاشة الأمن اللبناني قبيل اندلاع الحرب الأهلية.

ولد معروف مصطفى سعد في صيدا عام 1910 لعائلة كادحة، وتلقى تعليمه في مدرسة الفنون الإنجيلية قبل أن ينتقل للعمل في التدريس بين لبنان والسعودية وفلسطين. خلال وجوده في حيفا، انخرط بشكل مباشر في العمل المقاوم ضد الانتداب البريطاني والمنظمات الصهيونية. تشير الروايات إلى أنه كان يصنع المتفجرات يدوياً لمهاجمة المنشآت الصهيونية والقطارات العسكرية البريطانية.

مع اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، عاد سعد إلى لبنان ليقود حراكاً شعبياً لمنع تهريب البضائع إلى الداخل الفلسطيني. أسس مع رفاقه 'لجنة مكافحة تهريب الصهيونية' التي كانت تعترض الشاحنات المتجهة للحدود وتتلف حمولتها. كان يؤمن بأن حماية الحدود ومنع دعم الكيان الصهيوني اقتصادياً هو واجب وطني لا يمكن التهاون فيه.

بعد نكبة عام 1948، تحول منزل معروف سعد في صيدا إلى مركز لإمداد المقاومة الفلسطينية بالسلاح والعتاد. لم يكتفِ بالدعم اللوجستي، بل قاد مجموعة من المتطوعين اللبنانيين للقتال في معركة المالكية الشهيرة. هناك واجه العصابات الصهيونية ببسالة، ونقل الجرحى تحت النيران، وظل مرابطاً على الحدود حتى بعد صدور أوامر الانسحاب.

في عام 1949، كلفته الدولة اللبنانية بمنصب أمني في مديرية الأمن العام نظراً لخبرته الواسعة في شؤون الحدود. تميزت فترة عمله الأمني بالنزاهة والرفض القاطع للوساطات التي تخص المهربين. كما سجل موقفاً تاريخياً حين رفض قمع تظاهرة شعبية في بيروت، بل قام بحمايتها ومواكبتها بعدما اقتنع بعدالة مطالب المتظاهرين.

انتقل معروف سعد من السلك الأمني إلى العمل السياسي والنيابي في عام 1957، مدفوعاً بتأييد شعبي واسع من أبناء صيدا. فاز في الانتخابات النيابية ليكون صوتاً للفقراء والمحرومين ومدافعاً عن القضايا القومية. اعتبر وصوله للبرلمان وسيلة لمواصلة الثورة على الفساد والتبعية، وليس مجرد وجاهة سياسية أو منصب رسمي.

كشف نجل الراحل، النائب أسامة سعد، عن أسرار تتعلق باستخدام والده لحصانته النيابية في دعم العمل الفدائي. كانت سيارة سعد الرسمية تُستخدم لنقل الفدائيين والأسلحة من سوريا إلى جنوب لبنان بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية. كان يضع أطفاله في السيارة أحياناً للتمويه وتسهيل عبور الحواجز العسكرية التي كانت تلاحق المقاومين.

إن نزولنا إلى معركة الانتخابات يعني إعلان الحرب على الاستهتار بأموال وكرامات وأرواح الناس.. إن نزولنا يعني ثورة على تاريخ مليء بالخيانات.

ارتبط معروف سعد بعلاقة وثيقة مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، حيث اعتبره الأب الروحي للفكر القومي العربي. قاد سعد تظاهرات حاشدة في صيدا دعماً لمصر خلال العدوان الثلاثي عام 1956، وجهز متطوعين للقتال هناك. هذه العلاقة توجت لاحقاً بتأسيس 'التنظيم الشعبي الناصري' في عام 1973 ليكون إطاراً منظماً للعمل الوطني.

رغم تأييده المطلق للمقاومة، شهدت علاقة سعد ببعض المنظمات الفلسطينية توتراً عابراً بسبب 'مشروع روجرز'. دافع سعد عن موقف عبد الناصر الذي قبل المبادرة، مما أدى لاحتكاكات مسلحة في صيدا واحتجازه لفترة قصيرة في مخيم عين الحلوة. ومع ذلك، تجاوز سعد الأزمة بحكمته وظل يعتبر العمل الفدائي مقدساً ولا يجوز المساس به.

في فبراير 1975، قاد معروف سعد تظاهرة لصيادي الأسماك في صيدا احتجاجاً على احتكار شركة 'بروتايين' للصيد البحري. خلال المسيرة، تعرض سعد لإطلاق نار مباشر أدى لإصابته بجروح بليغة نُقل على إثرها للمستشفى. كانت هذه الرصاصات بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل التوتر الأمني في البلاد قبل الانفجار الكبير.

توفي معروف سعد في 6 مارس 1975، تاركاً وراءه إرثاً نضالياً كبيراً ووصية كتبها بخط يده في لحظاته الأخيرة. طلبت الوصية من أبنائه إكمال تحصيلهم العلمي ومواصلة المسيرة السياسية لخدمة الناس والقضية. شُيع في جنازة مهيبة عكست مكانته في قلوب اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء.

يؤكد أسامة سعد أن ملف اغتيال والده لا يزال مفتوحاً أمام المجلس العدلي اللبناني دون الوصول لنتائج نهائية. يرى الكثيرون أن تصفية سعد كانت قراراً سياسياً لإزاحة شخصية وطنية جامعة كانت تقف حائلاً أمام المشاريع الطائفية. غيابه ترك فراغاً كبيراً في الساحة الوطنية اللبنانية وفي جبهة دعم المقاومة الفلسطينية.

تميزت مسيرة معروف سعد بالقدرة على الجمع بين العمل المؤسساتي والعمل الثوري الميداني دون تناقض. كان يرى في البرلمان منصة لانتزاع حقوق الفقراء، وفي البندقية وسيلة وحيدة لتحرير الأرض المستلبة. هذا التوازن جعل منه رمزاً عابراً للطوائف والمناطق، ومثالاً للقائد الشعبي المرتبط بنبض الشارع وهمومه اليومية.

اليوم، وبعد مرور عقود على رحيله، لا يزال اسم معروف سعد يتردد في أزقة صيدا ومخيمات اللجوء كرمز للوفاء لفلسطين. قصته مع 'سيارة السلاح' تظل واحدة من أكثر القصص إلهاماً في تاريخ العمل الفدائي المشترك بين اللبنانيين والفلسطينيين. لقد عاش معروف سعد من أجل الناس، ومات وهو يدافع عن لقمة عيشهم وكرامة وطنهم.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا