تظل لوحة 'غورنيكا' للفنان العالمي بابلو بيكاسو الشاهد الأبرز على قدرة الفن في تخليد الضحايا ومواجهة القتلة، حيث أرخت للمجزرة النازية في إسبانيا عام 1937. واليوم، تُستعاد هذه الأيقونة الفنية في سياق العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، لتبرز العلاقة الشائكة بين الواقع والدراما وكيف يمكن للفن أن يحمي الذاكرة من الإبادة.
في رمضان 2026، يبرز مسلسل 'صحاب الأرض' للمخرج بيتر ميمي كأول عمل درامي عربي يتناول بشكل مباشر المذابح الأخيرة في قطاع غزة. ورغم المخاوف التي أحاطت بإنتاجه بسبب ضيق الوقت، إلا أن العمل جاء ليحاكي الواقع الفلسطيني بجرأة فنية لافتة، محاولاً كسر الحصار الإعلامي المفروض على الرواية الفلسطينية.
أثار الإعلان عن المسلسل تساؤلات عديدة حول كيفية مقاربة حدث راهن لم تنتهِ فصوله بعد، خاصة مع القيود الإسرائيلية التي تمنع دخول فرق الإنتاج إلى القطاع. وقد اعتمد صناع العمل على بناء ديكورات ضخمة تحاكي أحياء غزة المدمرة، مع التركيز على التفاصيل الإنسانية التي تتجاوز الشعارات السياسية المباشرة.
يتولى الكاتب عمار صبري مهمة التأليف والسيناريو، وهو الذي سبق وشارك في ورش كتابة أعمال ناجحة، ليقدم في 'صحاب الأرض' تجربته الكبرى الأولى. ويبدو أن العمل اعتمد على فرق بحثية وتدقيق في الحقائق لضمان تقديم صورة واقعية تعكس الخريطة الاجتماعية والسياسية المعقدة لقطاع غزة تحت القصف.
يثير اسم المخرج بيتر ميمي تساؤلات حول التوظيف السياسي للعمل، نظراً لارتباط أعماله السابقة بالتوجهات الرسمية المصرية. ومع ذلك، يرى نقاد أن المسلسل يعكس تحولاً في الخطاب الدرامي المصري تجاه القضية الفلسطينية، خاصة في ظل رفض مخططات التهجير الإسرائيلية التي تستهدف تصفية القضية.
يقارن المتابعون بين 'صحاب الأرض' ومسلسل 'حارة اليهود' الذي عرض قبل سنوات، حيث يظهر الفارق في مركزية الشخصية الفلسطينية. فبينما كان الفلسطيني في الأعمال السابقة شخصية ثانوية أو 'شبحية'، يحتل في هذا العمل قلب الحدث، معبراً عن صراعه الوجودي للبقاء فوق أرضه المهددة بالإفناء.
تجسد الطبيبة المصرية سلمى، التي تؤدي دورها الفنانة منة شلبي، دوراً محورياً في العمل من خلال سفرها ضمن القوافل الطبية إلى شمال غزة. ومن خلال عينيها، يعاين المشاهد حجم الكارثة الإنسانية اليومية، حيث تندمج مأساتها الشخصية بفقدان ابنها مع مآسي الأطفال الجرحى في المستشفيات الغزية.
يقدم الفنان إياد نصار أداءً استثنائياً في دور 'ناصر'، الشخصية التي تعيش صراعاً ممزقاً بين الرغبة في حماية عائلته بالرحيل وبين الانتماء المتجذر للأرض. هذا الصراع يعكس معضلة الوجود الفلسطيني التي بدأت منذ عقود، حيث يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة شكلاً من أشكال المقاومة والبطولة.
نجح المسلسل في التقاط اللهجة الغزية بدقة، واستطاع بناء مسارات درامية متوازنة تمنح الشخصيات دوافع إنسانية عميقة للاندماج في بيئة الخطر. ويظهر الحوار بين الشخصيات إدراكاً عميقاً للهواجس الفلسطينية الكبرى، بعيداً عن التنميط الساذج الذي ساد في بعض الأعمال العربية السابقة.
يشارك في البطولة نخبة من الممثلين الفلسطينيين، من بينهم كامل الباشا وآدم بكري، مما أضفى صبغة من الواقعية والمصداقية على الأداء. وتساهم هذه المشاركات في تعزيز الرواية الفلسطينية داخل العمل، وربط الشتات الفلسطيني بالداخل عبر منصة درامية تصل إلى ملايين المشاهدين العرب.
تؤكد الحلقات الأولى من المسلسل على دور السلطات المصرية في تقديم المساعدات الإنسانية والطبية، وهو ما يراه البعض جزءاً من رسائل سياسية موجهة. ومع ذلك، تظل المعالجة الدرامية محتفظة بمعايير إبداعية عالية تجعل من العمل وثيقة فنية هامة توثق مرحلة مفصلية من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
إن بناء الديكورات التي تحاكي الركام والدمار في غزة لم يكن مجرد خلفية بصرية، بل كان جزءاً أصيلاً من البناء الدرامي الذي يضع المشاهد في قلب المعاناة. وقد استطاع بيتر ميمي توظيف هذه البيئة لخلق حالة من التوتر المستمر الذي يعيشه الغزيون تحت وطأة الطائرات والمدفعية الإسرائيلية.
يواجه المسلسل تحدي الموازنة بين الفني والسياسي، حيث يسعى لتجنب 'الشعاراتية' الفجة لصالح القصص الفردية والمصائر الإنسانية. ومن خلال التركيز على حياة شريحة تمثل المجتمع الغزي، ينجح العمل في تحويل الأرقام الصماء للضحايا إلى قصص نابضة بالحياة والمشاعر.
في الختام، يمثل 'صحاب الأرض' خطوة هامة في الدراما العربية المعاصرة، كونه يجرؤ على مقاربة جرح نازف لم يندمل بعد. وسواء اتفقت الآراء حول أهدافه السياسية أو اختلفت، فإنه يظل محاولة فنية جادة لتخليد صمود 'صحاب الأرض' في وجه آلة الحرب، تماماً كما فعل بيكاسو في 'غورنيكا'.
المصدر:
القدس