آخر الأخبار

النموذج السوري مقابل الأفغاني: لماذا اختار أحمد الشرع الانفت

شارك

في الوقت الذي اتجهت فيه الأنظار الدولية نحو كابول كنموذج لحكم يعتمد على العزلة والانغلاق، سلك أحمد الشرع في دمشق مساراً مغايراً تماماً. فقد اختار الانخراط الكامل مع المجتمع الدولي، فاتحاً قنوات التواصل مع البيت الأبيض والأمم المتحدة والقوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

تطرح هذه التحولات تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي منعت استنساخ النموذج الأفغاني في الحالة السورية. ويبدو أن الإجابة تكمن في قدرة القيادة الجديدة على التكيف مع التحولات الدراماتيكية التي شهدتها البلاد على مدار السنوات الماضية، من العمل العسكري إلى رئاسة الدولة.

تُعد الجغرافيا السورية عاملاً حاسماً في صياغة هذا التوجه، فهي مساحة محدودة لكنها مزدحمة بتنوع ديني وعرقي فريد. ويضم النسيج السوري السنة والعلويين والدروز والمسيحيين والأكراد والتركمان والآشوريين، مما يجعل حكم اللون الواحد خياراً مستحيلاً.

إن التداخل الاجتماعي المعقد في سوريا يفرض على أي سلطة سياسية البحث عن توازنات دقيقة لضمان الاستقرار الداخلي. وبناءً على ذلك، فإن الانفتاح على الخارج لم يعد ترفاً، بل ضرورة لضمان مظلة حماية دولية لهذا التنوع المجتمعي.

تسلّم الشرع مقاليد الحكم في دولة مثقلة بتركة ثقيلة من الفساد الإداري وتآكل المؤسسات الذي استمر لستة عقود. هذا الواقع الاقتصادي المتردي جعل من البحث عن روافع مالية واستثمارات خارجية أولوية قصوى لإعادة ترميم ما دمرته سنوات الحرب.

إلى جانب التحديات الداخلية، يبرز التهديد الأمني المتمثل في الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي السورية كدافع رئيسي للتحرك الدبلوماسي. وتسعى دمشق من خلال حضورها في المحافل الدولية إلى بناء شرعية قانونية تشكل رادعاً سياسياً يحمي سيادتها.

شهدت المرحلة الأخيرة تحولاً جذرياً في الموقف الدولي تجاه دمشق، حيث لم تكتفِ القوى الكبرى بتخفيف العقوبات بل رفعتها بالكامل. هذا التطور يعكس قبولاً دولياً بالتعامل مع الدولة السورية الجديدة كشريك فاعل في المنطقة.

إن حكم الشام يتطلب توازنات دقيقة ومظلات استقرار لا تقتصر على الداخل بل تمتد إلى الخارج أيضاً.

من منظور الفكر السياسي الإسلامي، يمكن قراءة هذا المسار كتطبيق عملي لمفاهيم 'فقه الضرورة' و'المصالح المرسلة'. حيث يتم تقديم الحفاظ على كيان الدولة واستقرار المجتمع على التمسك بأنماط فكرية قد تؤدي إلى الانغلاق والانهيار.

رغم النجاحات الدبلوماسية، لا تخلو التجربة من مخاوف مشروعة تتعلق باحتمالية فرض اشتراطات دولية ثقيلة تمس القرار السيادي. وهناك قلق من حدوث فجوة بين القيادة والحاضنة الشعبية التي تشكلت في ظروف ثورية مغايرة تماماً للواقع الحالي.

يرى أنصار التوجه الجديد أن ما يحدث هو صياغة لـ 'طريق سوري ثالث' يجمع بين الهوية الوطنية والشرعية الدولية. ويهدف هذا الطريق إلى منح البلاد فرصة حقيقية للخروج من عزلتها التاريخية والاندماج في المنظومة العالمية.

في المقابل، يحذر الخصوم من أن سرعة التحولات قد تؤدي إلى ذوبان الهوية السياسية في الشروط الخارجية. ويخشى هؤلاء أن يكون التغيير قد طال الشكل الخارجي فقط دون المساس بجوهر الممارسات السلطوية في الداخل.

إن المقارنة بين النموذجين السوري والأفغاني تظهر اختلاف السياقات الجغرافية والاجتماعية بشكل جذري. فما قد ينجح في جبال أفغانستان الوعرة وتركيبتها القبلية، لا يمكن تطبيقه في بيئة الشام المنفتحة تاريخياً على المتوسط والعالم.

يتجاوز الفعل السياسي السوري الجديد حدود البندقية ليمتد إلى ميادين الاقتصاد وبناء المؤسسات الحديثة. وهي محاولة جادة لصياغة أسلوب حكم يتجاوز النظريات الجامدة ليحاكي تعقيدات الواقع السوري الراهن وطموحات شعبه.

في الختام، يظل الانخراط الدولي لدمشق خياراً استراتيجياً فرضته الضرورات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وهو مسار يهدف في جوهره إلى حماية الدولة من التحلل وضمان بقائها كلاعب أساسي في الخارطة السياسية للشرق الأوسط.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا