آخر الأخبار

حديث في الاقتصاد (2): هيكل الإنفاق العام في فلسطين بين عبء الرواتب وضيق الوعاء الإيرادي/ بقلم: علي الحمد لله

شارك

الملخص التنفيذي

تشير بيانات نشرة الاقتصاد الفلسطيني الصادرة عن معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) في كانون ثاني 2026 إلى أنّ فاتورة رواتب الموظفين العموميين العاملين تبلغ نحو 690 مليون شيكل شهرياً لما يقارب 172 ألف موظف وموظفة، أي ما يعادل قرابة نصف إجمالي الإنفاق العام الشهري. وترتفع الكلفة إلى أكثر من مليار شيكل عند إضافة رواتب نحو 119 ألف متقاعد ومتلقي أشباه الرواتب. تبدو (نسبة الإنفاق على الرواتب إلى إجمالي الإنفاق العام) مرتفعة مقارنة بالمتوسطات الدولية التي تتراوح عادة بين 25 و35 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي. غير أنّ تحليل هذه النسبة بمعزل عن بنية سوق العمل وحجم الإيرادات العامة قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة . تظهر المقارنة أنّ نسبة العاملين في القطاع العام إلى إجمالي القوة العاملة في فلسطين تقارب 11 إلى 12 في المئة، وهي نسبة قريبة من المتوسط العالمي وأقل من متوسط العديد من الدول المتقدمة. وعليه فإنّ ارتفاع نسبة الرواتب من الإنفاق يعكس في جانب كبير منه ضيق الوعاء الإيرادي وضعف القاعدة الاقتصادية أكثر مما يعكس تضخماً كمياً استثنائياً في الجهاز الحكومي.

الخلفية والسياق

يعاني الاقتصاد الفلسطيني من قيود هيكلية مرتبطة بضعف السيادة على الموارد والمعابر والتجارة، ومن تقلبات حادة في تدفق إيرادات المقاصة، إضافة إلى انكماشات متكررة في النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة. في هذا السياق تصبح الرواتب العامة بنداً صلباً يصعب تخفيضه سريعاً لأسباب اجتماعية وسياسية، فيما تتسم الإيرادات بعدم الاستقرار. وعندما تنخفض الإيرادات يبقى بند الرواتب ثابتاً نسبياً، فتزداد نسبته من إجمالي الإنفاق حتى لو لم يطرأ توسع كبير على حجم الجهاز الحكومي.

تحليل المؤشر في ضوء المقارنات الدولية

تظهر البيانات المقارنة أنّ متوسط حصة تعويضات العاملين من الإنفاق الحكومي في معظم الدول يتراوح بين ربع وثلث الإنفاق العام، مع ارتفاع النسبة في بعض الدول منخفضة الدخل بسبب محدودية الإيرادات، وارتفاعها أيضاً في دول الرفاه ضمن موازنات كبيرة وإيرادات مرتفعة. في المقابل تبلغ نسبة العاملين في القطاع العام من إجمالي العمالة في العالم نحو 11 في المئة تقريباً، وترتفع في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى نحو 18 في المئة، وتصل في بعض الدول الإسكندنافية إلى 25 أو 30 في المئة. بالمقارنة، فإنّ نسبة العاملين في القطاع العام في فلسطين، المقدرة بنحو 11 إلى 12 في المئة من القوة العاملة، لا تمثل حالة تضخم استثنائية قياساً بالمتوسطات الدولية. هذا التباين بين ارتفاع نسبة الرواتب من الإنفاق العام واعتدال نسبة التوظيف إلى القوة العاملة يشير إلى أنّ الاختلال يكمن في ضعف المقام، أي حجم الإنفاق الكلي الممكن المرتبط مباشرة بحجم الإيرادات الكلّي، أكثر مما يكمن في تضخم البسط، أي عدد الموظفين.

سوق العمل والبطالة

يتسم سوق العمل الفلسطيني بارتفاع معدلات البطالة وانخفاض معدل المشاركة الاقتصادية وضعف قدرة القطاع الخاص على توليد فرص عمل كافية. في مثل هذا السياق يؤدي القطاع العام دوراً مزدوجاً، فهو مزود للخدمات العامة ومصدر رئيسي للاستقرار الاجتماعي عبر توفير دخل منتظم لشريحة واسعة من الأسر. أي تخفيض حاد في كتلة الرواتب دون بدائل إنتاجية قد يؤدي إلى انكماش الطلب المحلي وتعميق الركود وزيادة البطالة. لذلك فإن معالجة نسبة الرواتب المرتفعة لا يمكن أن تنحصر في مقاربة تقشفية تقليدية، بل يجب أن ترتبط بإعادة تنشيط القاعدة الإنتاجية وتوسيع الإيرادات.

تشخيص جوهر الأزمة

يمكن تلخيص جوهر الإشكالية في ثلاثة عناصر مترابطة. أولاً، ضيق القاعدة الضريبية نتيجة ضعف النمو وانكماش القطاعات الإنتاجية. ثانياً، عدم استقرار الإيرادات العامة بسبب احتجاز أو تأخير أموال المقاصة وتقلب التدفقات الخارجية. ثالثاً، محدودية الإنفاق الرأسمالي والاستثماري نتيجة أولوية تغطية النفقات الجارية، علماً أنّ محدودية الأنفاق الرأسمالي والاستثماري مرتبطة مباشرة بمحدودية الإيرادات. بناء على ذلك، فإن ارتفاع نسبة الرواتب من الإنفاق يعكس هشاشة مالية وإيرادية أكثر مما يعكس تضخماً وظيفياً بحتاً.

خيارات السياسة العامة

المسار الأول يتمثل في إصلاح إداري ومالي يركز على تحسين كفاءة الجهاز الحكومي دون توسيعه، من خلال ضبط التعيينات الجديدة، وإعادة توزيع الكوادر، ومراجعة هياكل الرواتب العليا، وتعزيز الرقمنة للحد من الهدر.
المسار الثاني يقوم على توسيع الوعاء الإيرادي عبر تعميق الضرائب المباشرة العادلة، ومكافحة التهرب الضريبي، وتحفيز القطاعات ذات القيمة المضافة العالية مثل التكنولوجيا والزراعة المتقدمة والطاقة المتجددة.
المسار الثالث يركز على دور استثماري إنتاجي للدولة، لا من خلال زيادة التوظيف البيروقراطي، بل عبر إنشاء أو تطوير أذرع استثمارية عامة وشراكات مدروسة مع القطاع الخاص، والاستثمار في أصول مدرة للدخل تسهم في تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على التحويلات غير المستقرة، سنتناول المسار الثالث بمزيد من التفصيل في مقال لاحق.

دلالة النموذج الاقتصادي

لا تشير المعطيات إلى ضرورة استبدال نموذج السوق بنموذج دولة متضخمة، بل إلى الحاجة إلى صيغة أكثر توازناً تقوم على دور تنموي نشط للدولة في اقتصاد محدود السيادة والموارد. في مثل هذا السياق لا يكفي الاعتماد على آليات السوق الحرة التقليدية لتوليد استثمارات واسعة، إذ يتردد القطاع الخاص في بيئة عالية المخاطر وغير مستقرة. المطلوب هو نموذج دولة تنموية محدودة يركز على تحفيز الإنتاج المحلي، وتعزيز القيمة المضافة، وتطوير أصول عامة منتجة، بما يوسع القاعدة الإيرادية ويخفض تدريجياً نسبة الرواتب من الإنفاق عبر زيادة المقام لا عبر تقليص البسط فقط.

الخلاصة
إن قراءة نسبة الرواتب البالغة نحو نصف الإنفاق العام بمعزل عن السياق قد تقود إلى استنتاج بوجود تضخم هيكلي في التوظيف العمومي. غير أن المقارنة الدولية ونسبة الموظفين إلى القوة العاملة تشير إلى أن حجم الجهاز الحكومي ليس استثنائياً قياساً بالمعايير العالمية. تكمن المشكلة الأساسية في ضعف الإيرادات وهشاشة البنية الاقتصادية. وعليه فإن أي إصلاح مستدام يجب أن يركز على توسيع القاعدة الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل العام وتعزيز الدور الاستثماري المنتج للدولة، بدلاً من الاقتصار على سياسات انكماشية قد تعمق الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا