تتفاقم المعاناة الإنسانية في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث أجبرت أزمة انقطاع غاز الطهي المتواصلة العائلات والنازحين على العودة إلى الوسائل البدائية لإعداد الطعام. ولم يعد مشهد النيران المشتعلة مقتصرًا على مخيمات اللجوء، بل امتد ليشمل الأسواق العامة حيث يضطر الباعة لاستخدام الحطب والمواد البلاستيكية لطهي الوجبات الشعبية. هذا التحول القسري جاء نتيجة إغلاق المعابر المستمر وارتفاع أسعار المحروقات إلى مستويات غير مسبوقة تفوق قدرة المواطنين الشرائية.
وأفادت مصادر محلية بأن الاعتماد الكلي على الحطب في طهي الأطعمة مثل الفلافل والقطايف بات يهدد الصحة العامة بشكل مباشر. وأوضح المواطن ياسر السطري أن الدخان الكثيف المنبعث من عمليات الحرق تسبب في انتشار الأزمات الصدرية والتنفسية، لا سيما بين فئة الأطفال. وأكد السطري أن غياب السيولة النقدية وصعوبة الحصول على الأدوية اللازمة يجعل من هذه الأزمة الصحية عبئاً إضافياً لا يطاق على كاهل الأسر المنكوبة.
من جانبه، أشار المواطن عمر تنيرة إلى أن تكلفة الحصول على الطاقة البديلة أصبحت تستنزف ميزانية العائلات المحدودة بشكل يومي. ويضطر تنيرة لإنفاق ما يقارب 25 شيكلاً يومياً لشراء كميات محدودة من الخشب، مع حرصه الشديد على اختيار الأنواع التي تدوم طويلاً لتجنب الخسائر المالية. ووصف تنيرة غياب الغاز بأنه فقدان لأهم مصدر للطاقة الأساسية، مما ضاعف من الأعباء اليومية في ظل تدهور المستوى المعيشي العام.
وفي سياق متصل، حذر التاجر مشهور الشنباري من أن الخشب نفسه قد يدخل في أزمة ندرة قريبة بسبب الارتفاع الهائل في الطلب عليه. وأوضح الشنباري أن أسعار الجملة شهدت قفزات متتالية لتصل إلى 8 شيكلات لبعض الأنواع الجيدة، بينما يدفع المستهلك النهائي ثمناً باهظاً يتراوح بين 75 و80 شيكلاً للكيلو الواحد. ويرى التاجر أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى حرمان شريحة واسعة من النازحين حتى من هذا البديل البدائي والملوث.
وتزداد قسوة الظروف مع حلول شهر رمضان المبارك، حيث تجد الأسر الفلسطينية نفسها مضطرة لإعداد وجبات السحور والإفطار على نيران الحطب. وقالت المواطنة إكرام نصار إن غياب الغاز ضاعف من مشقة الصيام، خاصة وأنها تضطر لتسخين المياه للأطفال وإعداد الطعام وسط الدخان. وأشارت نصار، التي تعاني من تبعات زراعة الكلى، إلى أن تكلفة الحطب اليومية تصل أحياناً إلى 50 شيكلاً، وهو مبلغ ضخم لأسرة فقدت معيلها ومصادر دخلها.
وتشكل الحالة الصحية للنازحين مصدر قلق متزايد للفرق الطبية العاملة في الميدان، حيث يرتبط استنشاق الأدخنة الناتجة عن حرق البلاستيك والخشب بأمراض مزمنة. وتؤكد المصادر أن الأطفال وكبار السن هم الفئات الأكثر تضرراً من هذه الممارسات الاضطرارية التي فرضها الحصار الخانق. ومع استمرار إغلاق المنافذ البرية، تظل خيارات السكان محدودة بين الجوع أو التعرض لمخاطر صحية جسيمة ناتجة عن التلوث الهوائي داخل الخيام المكتظة.
إن المشهد في أسواق خان يونس يعكس حجم الكارثة، حيث تحولت المطاعم الشعبية إلى بؤر للدخان الكثيف الذي يغطي الشوارع المحيطة. ويؤكد الباعة أنهم لا يملكون خياراً آخر للاستمرار في تقديم خدماتهم للناس سوى استخدام ما يتوفر من أخشاب ومخلفات. هذا الواقع المرير يفرض تحديات لوجستية وصحية هائلة، حيث تفتقر المنطقة إلى أدنى مقومات السلامة العامة في التعامل مع النيران المفتوحة وسط التجمعات السكنية والخيام القماشية.
ختاماً، يبقى الأمل معلقاً على فتح المعابر وإدخال كميات كافية من غاز الطهي لإنهاء هذه المأساة المتجددة التي تفتك بصحة الغزيين. إن استمرار الاعتماد على الحطب ليس مجرد أزمة طاقة، بل هو تراجع حاد في جودة الحياة يهدد بانتشار أوبئة تنفسية طويلة الأمد. وتناشد العائلات في قطاع غزة الجهات الدولية بالتدخل الفوري لتوفير الوقود والغاز المنزلي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من واقع إنساني يزداد قتامة يوماً بعد يوم.
المصدر:
القدس