آخر الأخبار

مجلس حقوق الإنسان يحذر من انهيار منظومة الحماية في الأراضي الفلسطينية المحتلة

شارك

واشنطن – سعيد عريقات – 24/2/2026

في تقريره المعنون A/HRC/61/26، قدّم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقييماً قاتماً للأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، مؤكداً أن حجم الانتهاكات واتساع نطاقها يفرضان أولوية عاجلة للمساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب، إلى جانب ضمان حماية المدنيين وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.

ويرصد التقرير تصعيداً غير مسبوق في الأعمال القتالية، لا سيما منذ تشرين الأول 2023، وما أعقب ذلك من عمليات عسكرية واسعة في غزة وتوترات متصاعدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ويشير إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، ودمار واسع للبنية التحتية والمنازل، ونزوح جماعي، وانهيار الخدمات الأساسية، في مشهد إنساني وصفه التقرير بأنه بالغ الخطورة.

وفي قطاع غزة، يوثق التقرير تدميراً واسع النطاق لأحياء سكنية، ومستشفيات، ومدارس، وشبكات مياه وكهرباء. كما يسلط الضوء على القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والوقود والإمدادات الطبية، وما ترتب على ذلك من تفاقم أزمة الصحة العامة وانتشار الأمراض وسوء التغذية. ويؤكد أن المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني—التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات—تظل ملزمة في جميع الظروف، محذراً من أن بعض الأفعال قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف.

أما في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، فيوثق التقرير ارتفاعاً في عنف المستوطنين، وعمليات الهدم والإخلاء القسري، والمداهمات العسكرية المتكررة. ويعرب عن قلقه إزاء الاستخدام المفرط للقوة خلال عمليات إنفاذ القانون، بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية في مناطق مكتظة بالسكان. كما يشير إلى استمرار التوسع الاستيطاني، معتبراً أنه يقوض حق الفلسطينيين في تقرير المصير ويعمّق واقع التجزئة الجغرافية.

ويؤكد التقرير أن المساءلة تمثل حجر الزاوية في أي مسار نحو الاستقرار. إذ يرى أن استمرار الإفلات من العقاب، "سواء في ما يتعلق بانتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلية أو أفعال الجماعات المسلحة الفلسطينية"، أسهم في ترسيخ دوامة العنف. ويدعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وفعالة في جميع الادعاءات المتعلقة بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، مع ضمان شفافية الإجراءات ومحاسبة المسؤولين.

كما يتناول التقرير الانتهاكات المنسوبة إلى جماعات فلسطينية مسلحة، بما في ذلك إطلاق صواريخ عشوائية باتجاه مناطق مدنية إسرائيلية واحتجاز رهائن، مؤكداً أن هذه الأفعال تنتهك القانون الدولي الإنساني بشكل واضح. ويشدد على أن المساءلة يجب أن تكون شاملة وغير انتقائية، وأن حماية المدنيين واجب يقع على عاتق جميع الأطراف.

ويتجاوز التقرير توصيف الوقائع الميدانية إلى تحليل العوامل البنيوية التي تغذي النزاع، مشيراً إلى طول أمد الاحتلال، ونظم قانونية وإدارية تمييزية، وقيود على الحركة، وسياسات إغلاق وحصار، باعتبارها عناصر تسهم في هشاشة الوضع وتكرار الانفجارات الدورية. ويؤكد أن الأزمة الإنسانية في غزة ليست حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكم سنوات من القيود والانقطاعات المتكررة.

وفي ما يتعلق بالدول الثالثة، يذكّر التقرير بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك واجب عدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن انتهاكات جسيمة، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمرارها. كما يدعو الدول إلى مراجعة سياسات نقل الأسلحة والتعاون الاقتصادي بما يضمن عدم الإسهام في ارتكاب انتهاكات، ويشير إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية كأداة محتملة لملاحقة الجرائم الخطيرة عند تعذر المساءلة المحلية.

ويولي التقرير أهمية خاصة للآليات القضائية الدولية، داعياً إلى التعاون الكامل مع التحقيقات الجارية أمام الهيئات المختصة، ومعتبراً أن العدالة ليست مطلباً قانونياً فحسب، بل شرطاً ضرورياً لتحقيق سلام مستدام. كما يشدد على ضرورة ضمان وصول إنساني آمن ودون عوائق، وحماية العاملين في المجال الطبي والإنساني والصحافيين، والعمل على إعادة إعمار تتماشى مع القانون الدولي.

ويخلص التقرير إلى أن استمرار تجاهل القواعد القانونية الدولية يهدد بمزيد من التدهور، وأن وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، وحماية المدنيين، واستعادة الخدمات الأساسية، تمثل خطوات عاجلة لا تحتمل التأجيل. ويؤكد أن احترام الكرامة الإنسانية المتساوية لجميع الأطراف هو الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه أي حل سياسي مستقبلي.

وتكمن أهمية التقرير في أنه يعيد تأطير الأزمة باعتبارها مسألة قانونية دولية قبل أن تكون سياسية. فبدلاً من الاكتفاء بإدانة متبادلة، يضع معايير واضحة للمساءلة تستند إلى قواعد ملزمة، ما يعزز إمكانية تحريك أدوات قانونية خارج السياق التفاوضي التقليدي. غير أن فعالية هذه المقاربة تبقى رهناً بإرادة الدول في ترجمة الالتزامات النظرية إلى سياسات عملية، خاصة في ما يتعلق بتقييد تصدير السلاح.

ويربط التقرير بين الانتهاكات الآنية والجذور البنيوية للصراع ، في إشارة إلى أن المعالجة الأمنية وحدها لن تفضي إلى استقرار دائم. فغياب أفق سياسي قائم على الحقوق المتساوية وتقرير المصير يخلق بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة. ومن دون معالجة قضايا الاستيطان، والحصار، والقيود على الحركة، ستظل أي هدنة مؤقتة عرضة للانهيار تحت وطأة اختلالات هيكلية عميقة.

ويطرح التقرير تحدياً مباشراً أمام المجتمع الدولي، لا سيما الدول المؤثرة، بشأن مدى التزامها الفعلي بمبادئ القانون الدولي. فالدعوة إلى عدم الإسهام في أوضاع غير مشروعة تعني عملياً مراجعة شاملة لعلاقات سياسية وعسكرية قائمة. وإذا ما تم تجاهل هذه الدعوات، فإن فجوة الثقة في النظام الدولي ستتسع، بما يضعف منظومة حقوق الإنسان ويقوض مصداقيتها عالمياً.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا