لم تكن مقاصد شهر رمضان المبارك يوماً تعبر عن الامتناع عن الطعام والشراب بمعانيها الحرفية فقط، بل إن دلالات الشهر الفضيل تتجاوز حدود ذلك. عن فضائل شهر رمضان ومعانيه بين جفاف الحلق وصوت الجوع تخوض شخصيات دينية في حديثها مع "ے" في عمق غايات الصيام.
د. أسامة الربابعة: رمضان فجر صادق يشق عتمة الأرواح ومدرسة متكاملة لتهذيب النفس وتزكية القلوب
د. حسن خاطر: شهر رمضان يأتي ليمحو الكثير من آثار ما يفرضه الاحتلال على مدار 11 شهراً
د. خالد أَبو جمعة: الصيام عبادة عميقة المقاصد عظيمة الدلالات ومحطة سنوية لمراجعة النفس وتقويم السلوك
د. محمد سليم: أي صيام هذا لمن ترك طعامه وشرابه وشهوته في رمضان وتطاول على المسلمين؟!
نفحات قرآنية وقدسية الزمان
يقول عميد كلية الشريعة الأسبق بجامعة اليرموك د.أسامة الربابعة: إن شهر رمضان المبارك يطل علينا كفجرٍ صادق يشق عتمة الأرواح، فهو ليس مجرد محطة زمنية للصيام عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة ربانية متكاملة لتهذيب النفس وتزكية القلوب. في هذا الشهر، تفتح أبواب الجنان، وتُغلق أبواب النيران، وتتنزّل الرحمات لتغسل ما علق بالنفوس من أوزار العام.
ويؤكد الربابعة أن عظمة هذا الشهر تتجلى في كونه فرصة ذهبية لمحو الخطايا، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وفي رمضان، يرتقي المسلم بعباداته من حيز العادة إلى فضاء العبادة الخالصة، فتسمو الروح فوق الشهوات، ويتجسد التكافل الاجتماعي في أبهى صوره من خلال الصدقات وإفطار الصائمين، اقتداءً بنبينا الكريم الذي كان "أجود ما يكون في رمضان".
وختم د. الربابعة بالقول إن رمضان هو دعوة للتصالح مع الذات ومع الخالق، فالسعيد من أدرك الشهر فصامه وقامه، وخرج منه بقلب سليم وذنب مغفور.
رمضان في ظلال الخيام.. مدرسة الروح وميثاق الدم
يقول المختص في التربية القيمية د. محمد ربعي يعود إلينا شهر رمضان المبارك هذا العام، والقلوبُ يعتصرها الألم، والعيون ترنو نحو تلك البقعة الطاهرة من أرضنا، حيثُ يسطر أهلنا في غزة أسطورة الصبر بمعناها الحقيقي.
ويؤكد ربعي أن رمضان هذا العام ليس مجرد طقوس وعبادات، بل هو "امتحان للضمائر"، ودرس تربوي قاس وعميق. ويتساءل كيف لنا كآباء ومربين أن نتحدث عن "فضيلة الجوع والعطش" الاختياري، دون أن نربطها بـ "الجوع والعطش القهري" الذي يعيشه أحبابنا في الخيام؟
ويشير إلى أن "دورنا التربوي اليوم يفرض علينا أن نحول مائدة الإفطار إلى "منصة وعي". حين يشعر طفلنا بلسعة الجوع قبيل المغرب، علينا أن نقول له: "يا بني، هذا الشعور هو رفيق أطفال غزة الدائم". وحين يطلب جرعة الماء البارد، فلنذكره بشح المياه هناك، وبمن يقطعون الكيلومترات بحثاً عن قطرة ماء غير ملوثة. ويضيف علينا أن نُعلم أبناءنا أن "الاقتصاد في المأكل" هذا العام ليس توفيراً، بل هو "مواساة"، وأن الدعاء عند الإفطار ليس عادة، بل هو "سلاح".
ويرى ربعي أن رمضان فرصة لنعيد صياغة "إنسانية" أبنائنا، لنعلمهم أن المسلم للمسلم كالبنيان، إذا اشتكى منه عضو في الخيام تداعى له سائر الجسد في بيوتنا بالسهر والحمى. لا تجعلوا رمضان يمر وكأن شيئاً لم يكن، بل اجعلوه موسماً للتكافل، ومحطة للشعور بالآخر، وتذكيراً بأن لنا إخوة صيامهم لم ينقطع، وعيدهم لم يحن بعد.
القدس تتوق لقدوم شهر رمضان وتكون فيه أقرب للحرية
ويقول مؤلف موسوعة القدس والمسجد الاقصى د. حسن خاطر إن شهر رمضان المبارك هو المحطة الزمنية الأبرز في علاقة المسلمين بالله سبحانه وتعالى فهو شهر العبادة، ويشير إلى أن شهر الصيام والقيام والصدقة وأعمال الخير وهو شهر القرآن وشهر الانتصارات الحاسمة في مواجهة الظلم والظالمين، وشهر الفتوحات العظيمة في المشارق والمغارب. شهر حق لشعوب المسلمين أن ينتظروه من العام إلى العام لما يحمله من هذه المعاني العظيمة والأمل المتجدد رغم واقع الشعوب البائس.
ويؤكد خاطر أن القدس تتميز بانتظار قدوم شهر رمضان في كل عام لعلها تجد فيه خلاصها مما هي فيه، فالقدس في رمضان تكون أقرب ما تكون إلى الحرية، فهو شهر الذاكرة الحية لأمة الإسلام حيث تتجدد فيه مكانة القدس في وجدان المسلمين فيتوقون فيه إلى شد الرحال إلى الأقصى كما يشدون الرحال إلى توأميه المسجد الحرام والمسجد النبوي.
ويوضح خاطر أن القدس تعودت على مدار العقود الماضية أن يكون شهر رمضان هو شهر تجديد الهوية ونفض غبار الاحتلال عنها، ففي هذا الشهر تعج شوارع القدس وساحات الأقصى بمئات الآلاف من العرب المسلمين، الذين يشدون إليها الرحال.
ويضيف أيضاً أن رمضان يشكل للقدس خلاصاً اقتصادياً من خلال هذه الجموع الكبيرة التي تعيد إعمار أسواقها وتجدد نبض الحياة فيها. وينوه إلى أن القدس تستعيد روحها في شهر رمضان، هكذا كانت وهكذا يجب أن تبقى.
إلا أن خاطر يؤكد أن الاحتلال يخطط منذ زمن كي يفسد على القدس مزايا هذا الشهر المبارك، وأن يحرمها من خيراته إن استطاع. ويقول هنا يكمن التحدي الكبير بين سياسات الاحتلال والواقع الذي يصنعه رمضان في القدس.
ويشير إلى أن شهر رمضان يأتي ليمحو الكثير من آثار ما يفرضه الاحتلال على مدار 11 شهراً، ويعيد للقدس نبضها وهويتها، وحياتها. ويرى خاطر أن هذا ما دفع الاحتلال إلى تصعيد وتطوير سياساته خلال هذا العام بشكل غير مسبوق، وتقييد أعداد المصلين عند مستويات متدنية لا تتجاوز عشرة آلاف مصلي، وتشديد الإجراءات وفتح أبواب الأقصى أمام المستوطنين، إضافة إلى تفاصيل أخرى لا تقل أهمية، تجاوز فيها الاحتلال كل الخطوط الحمر مما يشكل اعتداء صارخاً على حرمة هذا الشهر، وعلى خصوصية القدس والمسجد الأقصى المبارك، الأمر الذي يفتح الأبواب على مصراعيها لكل الاحتمالات، بما فيها انفجار الأوضاع داخل القدس والأراضي الفلسطينية.
الصيام ليس مجرد تكليف جسدي بل منهج متكامل لبناء الإنسان
ويقول خطيب ومدرس المسجد الأَقصى المبارك د. خالد أَبو جمعة لقد خصَّ الله -عز وجل- شهر رمضان بأَن أنزل فيه القرآن الكريم، وأنزل فيه الوحي، هداية للناس، وفُرقاناً بين الحق والباطل، ونِبراساً يُنير دَياجير ظلمة المرء في سعيه في هذه الحياة بكل ما فيها من الآلام والأَحزان، وبكل ما فيها من الهموم والغموم والأنكاد، وبكل ما فيها من المخاطر والمكائد، كمكائد النفس والشيطان والمجرمين، وكل صاد عن سبيل رب العالمين.
وقد فرض الله -عز وجل- الصيام في شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة، بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
ويشير أبو جمعة إلى الآية الكريمة التي تؤكد أَن الصيام لم يُشرع عبثا، بل كُتب على المؤمنين كما فُرض على الأمم السابقة، في إشارة إلى وحدة المقصد الإلهي عبر الشرائع، وهو تهذيب النفس وضبط الشهوات الظاهرة والباطنة، فالصيام وسيلة عملية لتعويد الإنسان على المراقبة الداخلية لأَنه عبادة سرية بين العبد وربه، فلا يطلع عليها أحد، مما يُبعدها عن الرياء ويقربها من الإخلاص، أَضف إلى ذلك السمو الأخلاقي، والابتعاد عن الرذائل.
ويضيف أبو جمعة: إن الصيام عبادة عميقة المقاصد عظيمة الدلالات والغايات، فإذا استشعر المسلم مقاصد الصيام، أصبح الصيام له حياة لقلبه، ونوراً لعقله، وسكينة لروحه، مما يجعل من شهر الصيام محطة سنوية لمراجعة النفس، وتقويم السلوك، وتعميق الصلة بالله -تعالى-.
ويؤكد أبو جمعة أن عبادة الصيام ليست مجرد تكليف جسدي، بل منهج متكامل لبناء الإنسان، يبدأ بالإمساك وينتهي بالتقوى، فالغاية الروحية من الصيام هو تحقيق التقوى، لأَنها وسيلة لتطهير العقل والنفس والسلوك، فالتقوى فيه أَن تصوم عيناك وأُذناك ولسانك عن المعاصي.
ويرى أننا بحاجة إلى صيام فوق صيام الجوارح، وهو أَن نلتفت إِلى قلوبنا، فالقلب الصائم هو قلب مشغول بالفكر في الآخرة، والقدوم على الله عز وجل، مخلص لا يريد غير وجه الله، ولا يطلب إلا رضى الله، ولا يلتذ بغير محبة الله وذكره وشكره وحسن عبادته، فهو متحرر من حب الدنيا والتعلق بشهواتها وملذاتها.
ويضيف أبو جمعة: إن القلب الصائم، قلب ساكن مُخبت متواضع ليس فيه شئ من الكبر والغرور والعلو في الأرض، فهو سليم وسالم من الأحقاد والضغائن، لا يُضمر لأحد من المسلمين غلاًّ ولا شراً ولا حسداً، بل يعفو ويصفح ويغفر ويتسامح، ويحتمل أذى الناس وجهلهم.
ويختم أبو جمعة بالقول: علينا أن نستقبل هذا الشهر الكريم المبارك بالتوبة النصوحِ والنية الصادقة والاستغفار والذكر، مع اغتنام ليله ونهاره بالعبادة، بالصيام والقيام، وتلاوة القرآن والذكر والجود والعطاء والبر، وبكل أَنواع الخصال الحميدة، فإذا فُعلت إيماناً واحتساباً، يكون الشهر مُكفِّراً لما بينه وبين الشهر الذي بعده، كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ).
عن معاني "اللهم إني صائم"
يقول خطيب المسجد الأقصى المبارك الشيخ الدكتور محمد سليم: إن رمضان شهر لتحصيل جماع الدين كله وهو التقوى، التي تعني: أن يفعل المسلم ما يأمره الله به، وأن ينتهي عما نهاه الله عنه، وأن يحرص على فعل النوافل والمستحبات مع أداء الفرائض، وأن يحجم عن فعل المعاصي والمنكرات، هذه هي التقوى، التي جعلها الله -سبحانه- العلة والحكمة والمقصد من صيامنا في شهر رمضان، وهذه الحكمة يتفرع منها حكم عديدة، يجب على المسلم أن يحققها من خلال صيامه، وفي مقدمتها أن يجعل شعاره في رمضان "اللهم إني صائم"، وأن يتصف بهذا الشعار، ويتخذه لباساً وزينة تزين به، وبدونه لا يمكن أن يكون تقياً حقاً.
ويضيف: إن "اللهم إني صائم" تعني أن يكظم غيظه، ويحبس غضبه في صدره، وأن يكون حسن الخلق والتعامل مع كل الناس حوله، مع زوجته وأولاده، ومع جيرانه وأصدقائه وأقاربه.
ويؤكد سليم أنه إذا كان الصيام في صورته امتناع عن المفطرات الثلاثة: الطعام والشراب ومعاشرة الزوجات، فإن هذه الصورة ما هي إلا مجرد صورة للصيام الحقيقي، وهو امتناع الرأس وما حوى، وامتناع البطن وما حوى عن كل ما حرم الله ونهى عنه، بل إمساك كل جوارح الإنسان وصيامها عن الجرأة على المعصية وعن التقصير فيما أوجب الله عليه.
ويشير سليم إلى أن العديد من الأحاديث الشريفة وردت عن رسولنا محمد ﷺ، تُنبه المسلم في رمضان إلى حقيقة الصوم المقبول، وهو الصوم الذي يحصل به التكافل بين المسلمين في صوره العديدة، والتي منها الصدقات، ويُفطِّر الصائمين، والزكاة، والعفو عن الزلات، وصلة الأرحام.
ويتساءل: كيف يكون المسلم صائماً في رمضان، ويقف بجوار أخيه المسلم في الصلوات الخمس وفي صلاة التراويح، وهو في خصومة معه؟ وكيف يتحقق اجتماع المسلمين في البلد الواحد على صوم الشهر الكريم، وقلوبهم شتى، وهم كالجسد المقطّع، قطع وأوصال؟
ويضيف الشيخ سليم: إن أي صوم هذا لمن ترك طعامه وشرابه شهوته في رمضان، وتطاول على المسلمين، فقاتلهم، ولم يسلموا من شرسانه وأذاه؟ ولم يسلموا من لسانه ويده؟
ويؤكد سليم في ختام حديثه إلى أن صيام شهر رمضان الحقيقي هو الصيام الذي يصوم فيه المسلمون عن الفرقة والخصومات، وعن البغض والكره والحسد، وهو الصيام الذي تجتمع فيه قلوبهم على مائدة واحدة، قبل أن تجتمع أبدانهم على قصعة واحدة يأكلون منها، وأما الجوع والعطش فما أهون من صومه. وإما أحرى من صوم ألا يكون مقبولاً عند الله رب العالمين وعند صالح المؤمنين، إن كان صيام بطن عن الطعام والشراب فحسب.
المصدر:
القدس