تُعد الأحزاب السياسية في أي نظام ديمقراطي الرافعة الأساسية لتنظيم التمثيل الشعبي وصياغة البرامج الوطنية، إلا أن التجربة اللبنانية تظهر تعقيداً مختلفاً. فقد تحولت الأحزاب في كثير من المحطات إلى قنوات نفوذ ومصالح ترتبط بالهوية الطائفية أو المشاريع الخارجية، مما جعل العمل الحزبي يواجه تحديات بنيوية في تجاوز الانقسامات الأهلية.
وسط هذا المشهد، برز الحزب السوري القومي الاجتماعي كأحد أقدم القوى السياسية وأكثرها إثارة للجدل، حيث تأسس في بيروت عام 1932 على يد أنطون سعادة. قدم الحزب نفسه كحركة علمانية عابرة للحدود الوطنية اللبنانية، متبنياً مشروعاً قومياً يرى في 'سورية الطبيعية' الإطار الجغرافي والتاريخي للأمة، بعيداً عن التقسيمات التي فرضها الانتداب.
جاءت نشأة الحزب في ظل ظروف استثنائية تميزت بصعود القوميات الحديثة في المشرق العربي تحت وطأة الانتدابين الفرنسي والبريطاني. وقد شكل رفض ترسيم الحدود الجديدة، مثل 'دولة لبنان الكبير'، الركيزة الأساسية لفكر سعادة الذي اعتبر أن بناء الدول على أسس طائفية سيجعلها عاجزة عن مواجهة مشاريع التفتيت، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني.
لُقب أنطون سعادة بـ 'الزعيم' داخل الحزب، ليس كزعيم طائفة بل كمؤسس لنهضة فكرية وعقائدية شاملة تهدف لبناء مجتمع جديد. وقد ترك سعادة إرثاً كبيراً من النصوص والمحاضرات التي تُعد مرجعاً دستورياً للقوميين، ركز فيها على فصل الدين عن الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية ومواجهة الإقطاع والاحتكار كضرورات لبناء الدولة الحديثة.
انتهت مسيرة سعادة بشكل مأساوي في صيف عام 1949، حين أُعدم رمياً بالرصاص بعد محاكمة عسكرية وصفت بالصورية والسريعة عقب فشل تحرك مسلح نُسب للحزب. شكل هذا الإعدام لحظة فاصلة في تاريخ لبنان السياسي، حيث لم يُنظر إليه كإجراء قضائي فحسب، بل كحدث أخلاقي أثار جدلاً طويلاً حول عدالة الدولة في التعامل مع خصومها.
تقوم عقيدة الحزب على مستويين؛ الأول مبادئ أساسية تُعرف الهوية القومية المستقلة والولاء المطلق لمصلحة الأمة، والثاني مبادئ إصلاحية ترسم شكل الدولة المدنية. ويرى الحزب أن العلمانية ليست مجرد خيار، بل هي شرط وجودي لتوحيد المواطنين تحت قانون واحد ينهي الانقسامات المذهبية التي تضعف النسيج الاجتماعي.
تاريخياً، تنقل الحزب بين معارضة السلطة والتحالف معها، حيث سجلت محطة عام 1958 تموضعاً لافتاً له بجانب الرئيس كميل شمعون ضد التيارات الناصرية. هذا التموضع عكس حينها حجم الخصومة الفكرية مع القومية العربية، وأظهر قدرة الحزب على الانخراط في الحسابات السياسية الداخلية رغم منطلقاته العقائدية العابرة للكيانات.
في عام 1961، واجه الحزب ضربة تنظيمية كبرى بعد محاولة انقلاب فاشلة ضد حكم الرئيس فؤاد شهاب، مما أدى إلى حظره وزج قياداته في السجون. هذه المحطة طبعت صورة الحزب لدى أجهزة الدولة لعقود كـ 'عدو للكيان'، وأدخلته في مرحلة من الانكفاء والعمل السري لم تنتهِ إلا بصدور عفو عام في أواخر الستينيات.
خلال الحرب الأهلية اللبنانية، تحول الحزب إلى لاعب عسكري ميداني ضمن تحالف الحركة الوطنية، وانخرط بقوة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بعد عام 1982. برز اسم الحزب في عمليات نوعية مثل عملية 'الويمبي' التي نفذها خالد علوان، وعملية سناء محيدلي، مما عزز حضوره ضمن ما يُعرف اليوم بـ 'محور المقاومة'.
ارتبط اسم الحزب أيضاً بواحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيداً في لبنان، وهي اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل عام 1982. فقد نسب القضاء اللبناني تنفيذ العملية لشبكة تابعة للحزب ضمت حبيب الشرتوني، وهو ما جعل الحزب في صدام دائم مع القوى السياسية التي تمثل 'القومية اللبنانية' والكتائب والقوات.
بعد اتفاق الطائف عام 1990، دخل الحزب في شرعية النظام الجديد مستفيداً من الوجود السوري في لبنان لتعزيز حضوره السياسي والبرلماني. انتقل الحزب من مرحلة المواجهة مع الدولة إلى مرحلة الاندماج والمشاركة في الحكومات، وأصبح جزءاً أساسياً من تحالف 8 آذار بعد خروج القوات السورية من لبنان عام 2005.
رغم هذا الاندماج، واجه الحزب تحديات في الحفاظ على استقلالية قراره السياسي وسط تداخل الملفات الإقليمية بين لبنان وسوريا وإيران. وقد أدى هذا التداخل أحياناً إلى تناقضات بين خطابه الداعي لبناء دولة مدنية حديثة، وبين ممارساته السياسية التي تفرضها التحالفات البراغماتية داخل منظومة المحاصصة الطائفية اللبنانية.
يعيش الحزب اليوم أزمة شرعية داخلية حادة، حيث انقسم إلى جناحين متنازعين يتبادلان قرارات الطرد والاتهامات بعد خسارة التمثيل النيابي في انتخابات 2022. هذا الانقسام ليس مجرد خلاف على الأسماء، بل هو انعكاس لأزمة عميقة تتعلق بآليات الحكم الحزبي وفقدان القدرة على إنتاج موقف موحد يلبي تطلعات قاعدته الشعبية.
في الختام، يبقى الحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجاً للحزب العقائدي الذي يصطدم بواقع سياسي واجتماعي شديد التعقيد. وبين طموحات 'النهضة' وبين قيود الممارسة اليومية، يجد الحزب نفسه أمام تساؤلات مصيرية حول قدرته على استعادة دوره كقوة تغييرية مدنية، أو البقاء أسيراً لصراعات الأجنحة والتحالفات الإقليمية.
المصدر:
القدس