تتفاقم المأساة الإنسانية في قطاع غزة مع استمرار الحرب الإسرائيلية التي حولت حياة الأطفال إلى جحيم يومي، حيث بات الصغار ضحايا مباشرين لعمليات التدمير الممنهج وفقدان مقومات الحياة الأساسية. وفي ظل الحصار المشدد وغياب أي أفق لإعادة الإعمار، يجد آلاف الأطفال أنفسهم مجبرين على ترك مقاعد الدراسة والتوجه نحو الشوارع المدمرة للبحث عن لقمة العيش.
ورصدت مصادر ميدانية مشهداً قاتماً لعشرات الأطفال وهم يصطفون على جوانب الطرقات بانتظار مرور الشاحنات المحملة بركام المنازل المدمرة. هؤلاء الأطفال يلاحقون الحطام المتطاير بحثاً عن بقايا معادن أو مواد يمكن بيعها، مخاطرين بحياتهم وسط السرعة العالية للشاحنات وتكدس الأنقاض غير المستقرة التي قد تنهار عليهم في أي لحظة.
ويأتي هذا التدهور في وقت أدى فيه تدمير معظم المنشآت التعليمية في القطاع إلى غياب الأطفال عن مدارسهم، مما جعل التركيز ينصب كلياً على البقاء على قيد الحياة بدلاً من التحصيل العلمي. وقد تحولت المدارس المتبقية إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين، مما حرم الجيل الناشئ من حقه في التعليم النظامي للعام الثالث على التوالي.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن نسبة عمالة الأطفال في غزة قفزت إلى مستويات قياسية تجاوزت 80%، وهي زيادة هائلة مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب. ويضطر هؤلاء الصغار للقيام بأعمال شاقة تفوق قدراتهم البدنية، مثل جمع الحطب والمواد البلاستيكية من مكبات النفايات، لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم النازحة.
وعلى الصعيد الصحي، يعيش أطفال القطاع في بيئة موبوءة تفتقر للنظافة والمياه الصالحة للشرب، مما أدى لامتلاء المستشفيات بحالات الإصابة بالأمراض الجلدية والمعوية. وتؤكد التقارير الطبية أن سوء التغذية الحاد بدأ يفتك بأجساد الصغار، في ظل نقص حاد في المكملات الغذائية والأدوية الضرورية لعلاج الأوبئة المنتشرة في مخيمات النزوح.
وتكشف بيانات الأمم المتحدة عن أرقام صادمة، حيث يوجد حالياً نحو 660 ألف طفل خارج المنظومة التعليمية تماماً، مما يهدد بضياع مستقبل جيل كامل. كما سجلت الإحصائيات استشهاد وإصابة أكثر من 50 ألف طفل منذ اندلاع المواجهات وحتى منتصف عام 2025، وهي حصيلة تعكس حجم الاستهداف المباشر للمدنيين.
وفي سياق متصل، ينتظر نحو 1500 طفل مصاب بجروح خطيرة أو أمراض مزمنة فرصة السفر للعلاج في الخارج، إلا أن إغلاق المعابر ونقص الإمكانات الطبية يحول دون ذلك. هؤلاء الأطفال يواجهون خطر الموت البطيء داخل المستشفيات التي تعاني من تهالك المعدات وانقطاع التيار الكهربائي المستمر ونقص الكوادر المتخصصة.
من جانبه، أوضح أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أن ظاهرة عمالة الأطفال باتت تشمل كافة مناطق القطاع دون استثناء نتيجة الانهيار الاقتصادي الشامل. وأكد الشوا في تصريحات لمصادر إعلامية أن الأطفال هم الحلقة الأضعف في هذه الكارثة، حيث تبدأ معهم سلسلة الإصابات بالأمراض والأزمات النفسية العميقة.
ويمثل الأطفال نحو 47% من إجمالي سكان قطاع غزة، مما يجعلهم الفئة الأكثر تضرراً من حرب الإبادة التي خلفت دماراً هائلاً في البنية التحتية والمنازل. ويعيش حالياً نحو 1.9 مليون نازح في خيام مهترئة تفتقر لأبسط معايير الكرامة الإنسانية، حيث يواجه الأطفال برد الشتاء وحر الصيف دون غطاء أو مأوى يحميهم.
وإلى جانب المعاناة الجسدية، تبرز الأزمة النفسية كأحد أخطر تداعيات الحرب، حيث أشار تقرير أممي صدر في نوفمبر 2025 إلى أن 93% من أطفال غزة يعانون من اضطرابات سلوكية وعدوانية. هذه الصدمات النفسية الناتجة عن مشاهد الموت والدمار تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لإنقاذ ما تبقى من الطفولة الفلسطينية قبل فوات الأوان.
المصدر:
القدس