فتحت حكومة الاحتلال الإسرائيلي جبهة جديدة تستهدف أجساد الأسرى الفلسطينيين، حيث تحول التنكيل من ممارسات معزولة خلف الجدران إلى مادة استعراضية تبثها القنوات العبرية. يأتي هذا الضخ الإعلامي التحريضي بالتزامن مع مساعٍ حثيثة لاعتماد قوانين إعدام الأسرى، ومحاكمات استثنائية لمقاتلي نخبة كتائب القسام.
تشير المعطيات الحالية إلى أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وصل إلى نحو 10 آلاف أسير، ينحدر غالبيتهم من الضفة الغربية والقدس. وفي المقابل، تواصل سلطات الاحتلال تصنيف أسرى قطاع غزة كـ 'مقاتلين غير شرعيين'، محتفظة بهم في مسارات احتجاز غامضة تفتقر لأدنى معايير الشفافية الدولية.
تدرج إسرائيل رسمياً 1249 أسيراً تحت تصنيف المقاتلين غير الشرعيين وفق إحصاءات فبراير 2026، إلا أن هذا الرقم لا يعكس الواقع الفعلي. فهناك مئات المفقودين من قطاع غزة الذين ترفض سلطات الاحتلال الإفصاح عن مصيرهم، وسط مخاوف من تعرضهم للإعدام الميداني أو الإخفاء القسري في مراكز احتجاز عسكرية.
أكدت تقارير حقوقية صادرة عن منظمة 'هموكيد' اختفاء مئات الغزيين بعد اعتقالهم من قبل جيش الاحتلال، حيث قوبلت التماسات قضائية بإنكار وجود سجلات اعتقال لهم. هذا الغموض يلف مصير المعتقلين في مرافق مثل 'سديه تيمان'، التي شهدت حالات وفاة ناتجة عن التعذيب الشديد وظروف الاحتجاز القاسية.
سجلت الحركة الأسيرة ارتقاء 88 شهيداً داخل السجون وأماكن الاحتجاز منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى منتصف فبراير 2026. ومن بين هؤلاء الشهداء، قضى 52 أسيراً من قطاع غزة نتيجة التعذيب الممنهج، والحرمان من الرعاية الطبية، وسياسة التجويع المفرط التي تتبعها إدارة السجون.
يقود وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير حملة شرسة لإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، مستخدماً مشاهد القمع كأداة للدعاية السياسية. وتظهر المقاطع المسربة وحدات القمع وهي تجبر الأسرى على الركوع والإذلال تحت تهديد القتل، في محاولة لترميم صورة الردع الإسرائيلية التي تهشمت في أكتوبر.
لم يعد قانون الإعدام مجرد مطلب لليمين المتطرف، بل بات يحظى بإجماع واسع داخل الكنيست الإسرائيلي، حيث مر بالقراءة التمهيدية في نوفمبر الماضي. يهدف هذا القانون إلى تحويل القضاء إلى ذراع انتقامية تشرعن قتل الفلسطينيين تحت غطاء قانوني يتجاوز كافة الإجراءات والأدلة المعتادة.
بالتوازي مع ذلك، أقر الاحتلال قانون محاكمة 'نخبة القسام' الذي يمثل تحولاً قضائياً خطيراً يؤسس لمنظومة استثنائية تدمج بين الأمن والعقيدة السياسية. ستتم هذه المحاكمات أمام محاكم خاصة مع بث الجلسات علنياً، مما يحول العملية القضائية إلى جزء من الحرب النفسية ضد الشعب الفلسطيني.
يرى مراقبون أن التنافس الانتخابي داخل الكيان الإسرائيلي بات يتغذى على التنكيل بالأسرى، حيث يتسابق الائتلاف والمعارضة لإثبات الأكثر حزماً وتطرفاً. ويستخدم بن غفير ملف الأسرى لتعويض فشله في ملفات الأمن الداخلي، محققاً مكاسب شعبوية سريعة في استطلاعات الرأي على حساب معاناة المعتقلين.
بات الأسير الفلسطيني في الوعي الإسرائيلي رمزاً لعملية إعادة ترميم 'الهيبة القومية' التي تحطمت في السابع من أكتوبر. وتسعى القيادة الإسرائيلية عبر ضخ مشاهد القسوة إلى شحن حالة الانتقام الجمعية، وتوجيه أنظار الجمهور بعيداً عن الإخفاقات العسكرية والسياسية التي منيت بها الدولة العبرية.
بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 ضمن خطة دولية، تعقدت آمال إطلاق سراح الأسرى ضمن صفقات تبادل قريبة. وأصبح مصير آلاف المعتقلين، خاصة من قطاع غزة، رهيناً للإجراءات الإسرائيلية الأحادية التي تتجه نحو تشديد العقوبات وتفعيل أحكام الإعدام بشكل فعلي.
تخلى النظام القضائي الإسرائيلي عن الحد الأدنى من النزاهة الإجرائية، حيث رفضت المحكمة العليا عشرات الالتماسات لتحسين ظروف المعيشة داخل السجون. وأصبح المحامون والمؤسسات الحقوقية عاجزين عن انتزاع أي حقوق أساسية للأسرى في ظل سيطرة روح الانتقام على المؤسسة القضائية برمتها.
تصف تقارير أممية ما يحدث في السجون بأنه 'إساءة ممنهجة تستوجب الوقف الفوري'، محذرة من تداعيات غياب الشفافية في مراكز الاحتجاز العسكرية. إن تحويل شهداء الحركة الأسيرة إلى أرقام في سجلات الإخفاء القسري يعقد جهود المحاسبة الدولية ويطمس معالم الجرائم المرتكبة بحقهم.
تحذر مؤسسات حقوقية فلسطينية من أن استمرار سياسات القمع والتجويع قد يدفع الأوضاع داخل السجون إلى انفجار وشيك. ومع تحول المعتقلات إلى 'مراكز إعدام صامتة'، يجد الأسرى أنفسهم أمام خيارات صفرية للدفاع عن كرامتهم وحياتهم في مواجهة آلة القمع الإسرائيلية المتصاعدة.
المصدر:
القدس