آخر الأخبار

تصريحات هاكابي الدينية تثير جدلاً حول الهيمنة الإسرائيلية

شارك

د. حسن أيوب: إسرائيل لم تعد تخفي أطماعها الإقليمية أو خطط التهجير مستفيدة من نفوذ النخبة المؤثرة في واشنطن لتنفيذ ما تسعى إليه
خليل شاهين: هاكابي ينتمي للصهيونية المسيحية التي عارضت تاريخياً حل الدولتين واعتبرت أي انسحاب من الضفة وغزة "خيانة للنبوءات"
محمد الرجوب: تصريحاته تغادر قاموس الدبلوماسية التقليدية وتعيد تعريف الصراع من نزاع سياسي قانوني إلى "وعد إلهي" ما يعقّد فرص التسوية
د. حسين الديك: حديث هاكابي موجه لجمهور اليمين المسيحي في أمريكا ما يعني قبولاً صريحاً بفكرة امتداد إسرائيل "من النيل إلى الفرات"
فراس ياغي: غياب الإجراءات والاكتفاء فقط بالبيانات رغم الإجماع العربي على رفض تصريحات هاكابي يمنحان إسرائيل فرصة لتعزيز نفوذها
عريب الرنتاوي: تصريحات استفزازية وتتبنى بشكل صريح فكراً استيطانياً توسعياً لكنها تمنح الرواية الفلسطينية والمواقف العربية مصداقية أكثر



رام الله – خاص بـ"القدس"- لا تزال تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي تثير موجة واسعة من الانتقادات، بعد حديثه عن "أحقية تاريخية ودينية" لإسرائيل تمتد إلى فضاء إقليمي أوسع، في طرح اعتبره مراقبون خروجاً عن اللغة الدبلوماسية التقليدية وتبنياً لرؤية أيديولوجية صريحة وإظهار أطماع إسرائيل في الدول العربية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن مواقف هاكابي لا يمكن فصلها عن نفوذ تيار الصهيونية المسيحية داخل دوائر القرار في واشنطن، ولا سيما في ظل تقاطعها مع توجهات إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي اتخذت قرارات اعتُبرت داعمة للرؤية الإسرائيلية في ملفات القدس والاستيطان. ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن هذا الخطاب يمنح غطاءً معنوياً لمشاريع الضم وتوسيع المستوطنات، بل وإظهار أطماع ممتدة إلى الإقليم، ويعيد تعريف الصراع من نزاع سياسي قانوني إلى سردية دينية مغلقة.
ويحذر من أن توقيت التصريحات، في ظل تصعيد إقليمي وحراك استيطاني متسارع، يعكس مناخاً سياسياً يتعزز داخل إسرائيل والولايات المتحدة معاً، بينما يقتصر الرد العربي حتى الآن على بيانات إدانة دون خطوات عملية تتناسب مع خطورة الطرح.


الانتماء إلى "سلالة سياسية" داخل النخبة الأمريكية

يوضح أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسن أيوب أن تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي بشأن أحقية إسرائيل في فلسطين وعدد من الدول العربية لا يمكن التعامل معها بوصفها موقفاً عابراً أو تعبيراً دينياً فردياً، بل تعكس توجهاً متجذراً داخل نخبة أمريكية مؤثرة في صناعة القرار، ولا سيما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية تجاه إسرائيل.
ويشير أيوب إلى أن هاكابي، وإن لم يكن ضمن الدائرة الضيقة المباشرة لصنع القرار في البيت الأبيض، ينتمي إلى "سلالة سياسية" داخل النخبة الأمريكية ذات تأثير بنيوي على توجهات الإدارة، مشيراً إلى أن الرئيس دونالد ترمب أحاط نفسه، خلال ولايته الأولى والحالية، بشخصيات معروفة بانتمائها لما يُسمى تيار "المسيحيين-الصهاينة"، الذين يتبنون فكرة "الخلاص" ذات الجذور التوراتية.
ويشير أيوب إلى أن هذا التوجه سبق أن تجلى خلال الولاية الأولى لترمب عبر دور السفير الأمريكي الأسبق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، الذي عبّر عن قناعات مشابهة لما طرحه هاكابي في مقابلته معه.
ويلفت أيوب إلى مشاركة فريدمان في افتتاح نفق أسفل المسجد الأقصى برفقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حينها، وبدعم من شخصيات بارزة في الإدارة آنذاك، معتبراً أن هؤلاء "يتصرفون كصهاينة متحمسين أكثر من كونهم مسيحيين".
ويوضح أيوب أن ترمب يحيط نفسه أيضاً بدائرة مقربين مؤثرين في ملف إسرائيل، مثل الداعية لورا لومر، والمليارديرة ميريام أدلسون، أرملة قطب المال الصهيوني شيلدون أديلسون، وجميعهم من المؤمنين بعمق بالمواقف التي عبّر عنها هاكابي، الذي كان قد استهل مهمته بالقول إنه "لا وجود للضفة الغربية، بل يهودا والسامرة".

التقاء يميني أمريكي إسرائيلي متشدد

ويرى أيوب أن خطورة توقيت تصريحاته تكمن في التقاء إدارة أمريكية يمينية مسيحانية-بيضاء، بالمعنى الأيديولوجي المتشدد، مع حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، ما يمنح الأخيرة زخماً للمضي في مشروع "أرض إسرائيل الكبرى".
ويعتبر أيوب أن عدم صدور أي توضيح أو تعقيب من الإدارة الأمريكية على تصريحات هاكابي يمنح شرعية غير مسبوقة لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإعادة تسميتها رسمياً.

مواقف فلسطينية وعربية دون المطلوب

وعلى الصعيد الفلسطيني، يشدد أيوب على ضرورة تقييم الموقف العملي لا الخطابي، مشيراً إلى ضرورة عدم إجراء لقاءات بين هاكابي وقيادات في السلطة الفلسطينية، وإلى استمرار الإشادة بالرئيس ترمب ومجلس السلام مقابل السماح بإنشاء مكتب ارتباط بشأن غزة، من دون صيغة سياسية واضحة.
أما عربياً، فيعتبر أيوب أن إسرائيل لم تعد تخفي أطماعها الإقليمية أو خطط تهجير الفلسطينيين، بالتوازي مع استمرار عدوانها على غزة ولبنان، ودفعها نحو مواجهة مع إيران مستفيدة من نفوذ النخبة المؤثرة في واشنطن لتنفيذ ما تسعى إليه، محذراً من أن تصريحات هاكابي تعكس مناخاً سياسياً يتعزز داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء.

تاريخ من الطرح العقدي المنسجم مع إسرائيل

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن دعم سيطرة إسرائيل على المنطقة الممتدة "من النيل إلى الفرات"، لا تمثل طرحاً جديداً من حيث المضمون العقائدي، لكنها تكتسب خطورتها من صدورها عن دبلوماسي يمثل الإدارة الأمريكية رسمياً، وبأسلوب "فج ووقح" خلال مقابلة إعلامية.
ويوضح شاهين أن هاكابي، المعروف بانتمائه إلى تيار الصهيونية المسيحية، لطالما عبّر عن هذه المعتقدات، سواء في دعمه للاستيطان في الضفة الغربية أو في مواقفه المبررة للحرب على غزة.
إلا أن الجديد، بحسب شاهين، هو أنه يتحدث هاكابي بهذه اللغة وهو يشغل موقع السفير، ما يمنح تصريحاته بعداً سياسياً يتجاوز القناعة الشخصية.
ويشير شاهين إلى أن الصهيونية المسيحية ليست مجرد تيار ديني، بل تيار سياسي يمزج بين تفسيرات لاهوتية للعهدين القديم والجديد وبين موقف سياسي داعم لإسرائيل وتوسّعها. ويلفت شاهين إلى أن هذا التيار، الذي برز بقوة في الكنائس البروتستانتية الإنجيلية في الولايات المتحدة، سبق أن دعم فكرة إقامة إسرائيل حتى قبل أن يتبلور الدعم اليهودي السياسي لها، انطلاقاً من اعتقاد بأن قيامها وتوسعها تجسيد لوعد إلهي بعودة اليهود إلى "الأرض الموعودة".
ويبيّن شاهين أن أنصار هذا التيار اعتبروا ما جرى عام 1948 ثم عام 1967 محطات تحقق لنبوءات دينية، واحتفلوا بما وصفوه بـ"انتصارات إسرائيل" باعتبارها تمهيداً لعودة المسيح وحكمه الألفي وفق معتقداتهم.
ويؤكد شاهين أن هذه الرؤية انتقلت من الحقل اللاهوتي إلى الممارسة السياسية، وأصبحت مؤثرة في دوائر صنع القرار الأمريكية.

تصريحات منسجمة مع رؤية ترمب

ويرى شاهين أن تعيين هاكابي من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم يكن مفاجئاً، إذ إن ترمب يدرك تماماً خلفياته الأيديولوجية.
ويذكّر شاهين بتصريحات سابقة لترمب شبّه فيها إسرائيل برأس قلم صغير في محيط الشرق الأوسط، معتبراً أنها "صغيرة جداً" مقارنة بمحيطها، في إشارة فُهمت على أنها تبرير لرؤية توسعية.
ويشير شاهين إلى مواقف ترمب الداعمة لتهجير الفلسطينيين من غزة، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان، معتبراً أن رؤية هاكابي تنسجم مع توجهات إدارة ترمب، كما تصريحات مسؤولين أمريكيين آخرين، معتبراً أن هذه المواقف تندرج ضمن التزام عقائدي تجاه ما يسمونه "شعب الله المختار".

التيار الأكثر أصولية وتطرفاً في البيت الأبيض

ويشدد شاهين على ضرورة عدم تعميم موقف الصهيونية المسيحية على جميع الكنائس الإنجيلية، إذ توجد تيارات إنجيلية تعارض الاحتلال وتدعم الحقوق الفلسطينية.
لكن شاهين يؤكد أن التيار الأكثر أصولية وتطرفاً هو الأكثر تأثيراً حالياً في البيت الأبيض والكونغرس.
ويؤكد شاهين أن هذا التيار يلتقي مع مواقف شخصيات إسرائيلية من التيار الديني القومي، بل ويتقاطع مع توجهات عبّر عنها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ورفض قيام دولة فلسطينية.

معارضة حل الدولتين تاريخياً

ويوضح شاهين أن هاكابي ينتمي للصهيونية المسيحية التي عارضت تاريخياً حل الدولتين، واعتبرت أي انسحاب إسرائيلي من غزة أو الضفة الغربية "خيانة للنبوءات"، بل عارضت خطة فك الارتباط التي نفذها ارائييل شارون عام 2005، واعتبرت إصابته بجلطة لاحقاً "عقاباً إلهياً" على إزالة المستوطنات.
ويلفت شاهين إلى أن هذا التيار ينشط بقوة عبر اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة، ويمول حملات انتخابية، ويعمل على إسقاط مرشحين داعمين للقضية الفلسطينية في الانتخابات النصفية، وينفق ملايين الدولارات لدعم مرشحين يتبنون رؤيته، كما ينظم حملات تبرعات لدعم الاستيطان والاقتصاد الإسرائيلي، ويشجع "السياحة المسيحية" لإغداق الأموال على إسرائيل.

بيانات الشجب لا تكفي

أما بشأن الموقف العربي، فيرى شاهين أن بيانات الشجب لا تكفي، مشيراً إلى أن السعودية طالبت بتوضيح من الخارجية الأمريكية، رغم أن التصريحات "واضحة وضوح الشمس".
ويدعو شاهين إلى الانتقال من الإدانة اللفظية إلى الضغط السياسي الفعلي على واشنطن لدعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ومنع تمرير رؤى تتعامل مع غزة كمشروع استثماري، وبلورة استراتيجية عربية وإسلامية لمواجهة نفوذ الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، بما يشمل دعم مرشحين معارضين لهذا التيار، ومواجهة الرواية التوراتية سياسياً وإعلامياً على المستوى الدولي.

خطاب محمّل بإشارات أيديولوجية وسياسية

يعتبر الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بشأن "الأحقية التاريخية والدينية لإسرائيل" في فلسطين وما ألمح إليه حول المجال العربي الأوسع، لا يمكن فهمها باعتبارها زلة لسان أو موقفاً شخصياً معزولاً، بل خطاباً محمّلاً بإشارات أيديولوجية وسياسية، صدر في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية.
ويوضح الرجوب أن هاكابي، المنتمي إلى التيار الإنجيلي المحافظ في الولايات المتحدة، يستند في مقاربته إلى سردية دينية ترى في قيام إسرائيل وتحولاتها الجغرافية جزءاً من رؤية عقائدية كبرى.

مغادرة قاموس الدبلوماسية التقليدية

وعندما يتحدث هاكابي بلغة "الحق التاريخي والديني"، فإنه – بحسب الرجوب – يغادر قاموس الدبلوماسية التقليدية القائم على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويستحضر خطاباً يعيد تعريف الصراع من نزاع سياسي قانوني قابل للتفاوض، إلى مسألة "وعد إلهي" واستحقاق تاريخي، ما ينقل الجدل إلى أرضية مغلقة تعقّد فرص التسوية.

تصريحات موجهة للداخل الأمريكي

ويشير الرجوب إلى أن التصريحات تحمل أيضاً رسالة داخلية موجهة إلى القاعدة المحافظة في واشنطن، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي الأمريكي، حيث يشكل الدعم غير المشروط لإسرائيل أداة تعبئة انتخابية مهمة، وفي هذا السياق، يمكن قراءة خطاب هاكابي كرسالة طمأنة بأن التيار الذي يمثله لن يتراجع أمام الضغوط الدولية.
ويرى الرجوب أن التوقيت ينطوي كذلك على اختبار لردود الفعل العربية، في ظل حالة تفكك استراتيجي وانشغالات داخلية وأزمات اقتصادية وتحولات في أولويات الأمن القومي انعكست على موقع القضية الفلسطينية.

غطاء معنوي لمسار الضم وتوسيع المستوطنات

ويعتبر الرجوب أن الحديث عن "أحقية تاريخية ودينية" يوفر غطاءً معنوياً لمسار الضم وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، ويتجاوز حدود عام 1967، بما يمس جوهر فكرة الدولة الفلسطينية ويهمش مرجعيات القانون الدولي، بما في ذلك القراران 242 و338.
وفي ما يتعلق بإمكانية بلورة موقف عربي موحد، يشكك الرجوب في تبلور موقف فعّال، مستنداً إلى تباين المصالح والتحالفات بعد اتفاقيات التطبيع، وأولوية الاستقرار الداخلي لدى العديد من الدول، فضلاً عن محدودية فاعلية النظام العربي الجمعي.
ويشير الرجوب إلى فجوة بين المزاج الشعبي الغاضب وحسابات الحكومات، التي قد تكتفي ببيانات شجب دون ترجمة سياسية عملية، معتبراً أن جوهر المسألة يكمن في غياب رؤية عربية استراتيجية مشتركة تعيد تعريف القضية الفلسطينية كملف أمن قومي جامع.

استبطان مفهوم "إسرائيل الكبرى"

يعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسين الديك أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بشأن ما وصفه بـ"حق إسرائيل من النيل إلى الفرات"، تنطوي على دلالات سياسية ودينية عميقة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها رأياً شخصياً أو تعبيراً فردياً عن قناعات دينية.
ويوضح الديك أن هاكابي، بصفته الممثل الدبلوماسي الأول للولايات المتحدة في إسرائيل، لا يتحدث بصفته قسيساً سابقاً أو حاكماً سابقاً لولاية أركنساس، بل بصفته ممثلاً لوزارة الخارجية والبيت الأبيض والحكومة الأمريكية، ما يضفي على تصريحاته طابعاً سياسياً رسمياً حتى وإن لم تصدر ضمن إعلان مكتوب.
ويتساءل الديك عمّا إذا كان السفير الأمريكي قد تحدث بدافع قناعاته الشخصية أم استناداً إلى تصور سياسي يعكس توجهاً داخل دوائر صنع القرار.
ويشير الديك إلى أن حديث هاكابي في مقابلته مع إعلامي أمريكي، والموجهة بالأساس إلى جمهور اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، تضمّن قبولاً صريحاً بفكرة امتداد إسرائيل "من النيل إلى الفرات"، بما يشمل أراضي دول عدة هي: مصر، وفلسطين، والأردن، ولبنان، وسوريا، والعراق وأجزاء من السعودية، لافتاً إلى أن هذا الطرح يستبطن مفهوم "إسرائيل الكبرى" بدلالاته الدينية والسياسية.

استناد إلى نصوص الكتاب المقدس

ويبيّن الديك أن الأساس الديني لهذا الموقف يستند إلى نص في الكتاب المقدس، الذي يرد فيه وعد إلهي لإبراهيم بأرض تمتد "من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"، وهو نص يفسره بعض الإنجيليين باعتباره تفويضاً إلهياً بملكية تلك الأرض.
ويلفت الديك إلى أن هاكابي يُعد من أبرز الداعمين لما يُعرف بالصهيونية المسيحية، التي ترى في قيام إسرائيل وتحقيق ازدهارها جزءاً من خطة إلهية تمهد للمجيء الثاني للمسيح، ما يحوّل الصراع من نزاع سياسي إلى قضية خلاصية دينية.
سياسياً، يؤكد الديك أن هذا التوجه يعكس تحالفاً بين التيار الإنجيلي الصهيوني والحزب الجمهوري، حيث يشكل الإنجيليون نحو ربع القاعدة الانتخابية الأمريكية، ويعدّون خزاناً انتخابياً مهماً.

ترجمة البعد الديني إلى قرارات سياسية

ويوضح الديك أن إدارة ترمب ترجمت هذا البعد الديني إلى قرارات سياسية، من بينها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتوفير دعم غير مشروط لإسرائيل في المحافل الدولية.
ويعتبر الديك أن خطورة التصريحات تتضاعف في ظل خطوات إسرائيلية متسارعة لشرعنة الضم وتسجيل الأراضي في المناطق المصنفة "C"، والسماح بتملك إسرائيليين في مناطق "A" و"B" في الضفة الغربية، ما يمنح هذه الأقوال بعداً عملياً يتجاوز الإطار النظري.
ويرى الديك أن تلك التصريحات تشكل انتهاكاً للقانون الدولي ولسيادة الدول العربية المذكورة، وتكرس خطاباً يهدد الأمن الإقليمي.
ويشير الديك إلى صدور إدانات رسمية من جامعة الدول العربية ووزارات خارجية فلسطين ومصر والأردن والعراق، مرجحاً أن تشهد المرحلة المقبلة توضيحات من وزارة الخارجية الأمريكية أو من هاكابي نفسه لتخفيف حدة الجدل، خاصة أن الدول المعنية تُعد حليفة تقليدية لواشنطن، ما يجعل استمرار الغموض عاملاً ضاغطاً على العلاقات الدبلوماسية في المنطقة.

طبيعة الرؤية الأيديولوجية في البيت الأبيض

يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، تعبّر بوضوح عن جوهر الصهيونية المسيحية الداعمة لإسرائيل الحالية، بل لإسرائيل التي "توسعت وستتوسع"، معتبراً أن مواقفه تكشف بصورة مباشرة طبيعة الرؤية الأيديولوجية الحاكمة داخل البيت الأبيض تجاه ما يجري في الضفة الغربية والقدس.
ويشير ياغي إلى أن هاكابي لا يكتفي بتبرير السياسات الإسرائيلية، بل يمنحها غطاءً دينياً صريحاً، إذ ينطلق من قناعة تعتبر أن الأرض الممتدة في فلسطين التاريخية "وعد إلهي" لنسل إبراهيم من بني إسرائيل، ما يعني – وفق هذا المنظور – أحقية المستوطنين في السيطرة على الأرض والتصرف بها، بما في ذلك طرد سكانها الأصليين.
ويرى ياغي أن هذا الطرح ينسجم مع الممارسات الاستيطانية المتصاعدة في الضفة الغربية والقدس، ويعكس قبولاً أمريكياً ضمنياً بفرض وقائع ميدانية بالقوة.
ويشير ياغي إلى أن هاكابي يُعد، من الناحية العقائدية، أكثر تطرفاً من وزراء في الحكومة الإسرائيلية مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش، لأنه ينطلق من اعتقاد ديني يرى أن قوة إسرائيل وجبروتها يسرّعان من ظهور "المخلّص" وفق الرؤية الإنجيلية الصهيونية. وبحسب ياغي، فإن هذه العقيدة تضع شروطاً لعودة المخلّص، من أبرزها سيطرة اليهود على الضفة الغربية والقدس، وبناء "الهيكل" مكان المسجد الأقصى، إضافة إلى فرض نفوذ إسرائيلي واسع على منطقة المشرق العربي.

لحظة إقليمية شديدة الحساسية

ويشير ياغي إلى أن تصريحات هاكابي تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تقود حكومة الاحتلال الإسرائيلي عمليات عسكرية واسعة في غزة، وتواصل سياسات الإبادة والتطهير العرقي، بالتوازي مع تكريس واقع استيطاني في الضفة والقدس دون رادع دولي. ويلفت ياغي إلى حالة الترقب الإقليمي لاحتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران، معتبراً أن طهران تمثل العقبة الأبرز أمام تحقيق الرؤية التي يتبناها تيار الصهيونية المسيحية.
ويؤكد ياغي أن هاكابي يُعد من أبرز قيادات هذا التيار في الولايات المتحدة، وهو من الداعمين الرئيسيين للرئيس دونالد ترمب، ما يعني أن تصريحاته لا يمكن فصلها عن السياسة الرسمية للإدارة الأمريكية، خاصة في ظل غياب أي موقف تنصلي من البيت الأبيض.
وفي ما يتعلق بالموقف العربي، يشير ياغي إلى صدور بيانات إدانة وتحذير من عدة عواصم، لكنه يتساءل عن جدواها العملية، معتبراً أن الإدانة أفضل من الصمت لكنها غير كافية.
ويدعو ياغي إلى خطوات أكثر جرأة، مثل تجميد المشاركة في أي أطر سياسية ترعاها واشنطن، وربط العودة إليها بتغيّر عملي في الموقف الأمريكي، يشمل وقف الاستيطان وفرض عقوبات على المنظمات الاستيطانية التي تمارس العنف ضد الفلسطينيين.
ويشكك ياغي في استعداد الدول العربية لاتخاذ إجراءات تتجاوز سقف البيانات، رغم وجود شبه إجماع على رفض تصريحات هاكابي، معتبراً أن استمرار هذا الواقع يمنح إسرائيل فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي تدريجياً بدعم أمريكي مباشر.

هاكابي المنتمي إلى مدرسة الاستيطان

يرى مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن التصريحات التي أدلى بها السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، تكشف عن توجه راسخ داخل تيار عميق في الإدارة والمجتمع الأمريكيين، يتمثل في ما يُعرف بالصهيونية الدينية أو المسيحية الصهيونية، معتبراً أن السفير عبّر بصورة صريحة وغير مسبوقة عن مضامين مشروع استيطاني توسعي يستند إلى روايات توراتية حول "إسرائيل الكبرى".
ويوضح الرنتاوي أن هاكابي، المعروف بانتمائه إلى مدرسة الاستيطان سياسياً وفكرياً، سبق أن عبّر عن مواقف مشابهة حيال القضية الفلسطينية، إلا أن تصريحاته الأخيرة جاءت أكثر فجاجة وصراحة، إذ تضمنت تبريراً لحق إسرائيل في التوسع واحتلال أراضٍ تمتد لتشمل كامل فلسطين والأردن وصحراء سيناء، وربما ما بعدها وصولاً إلى حدود النيل، فضلاً عن أجزاء من السعودية وسوريا ولبنان والعراق.

انحياز كامل لأكثر التيارات اليمينية في إسرائيل

ويعتبر الرنتاوي أن هذه المواقف تمثل خروجاً على مقتضيات العمل الدبلوماسي، وتعكس انحيازاً كاملاً لأكثر التيارات اليمينية تطرفاً في إسرائيل، مشدداً على أن السفير بدا وكأنه "سفير لليمين الإسرائيلي – الأمريكي المتشدد" أكثر من كونه ممثلاً رسمياً لسياسات الإدارة الأمريكية المعلنة، التي وإن اتسمت بالانحياز لإسرائيل، إلا أنها لم تبلغ هذا الحد من الطرح التوسعي العلني.

تصريحات ذات طابع استفزازي

ويرى الرنتاوي أن خطورة التصريحات تكمن في طابعها الاستفزازي وما تنطوي عليه من تبنٍ صريح لفكر استيطاني توسعي، لكنه يشير في المقابل إلى أنها تمنح الرواية الفلسطينية، وكذلك مواقف قوى عربية طالما حذّرت من طبيعة المشروع الصهيوني، قدراً أكبر من المصداقية، إذ تؤكد أن المخاوف لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل تطال المنطقة برمتها.

ضرورة التحرك العربي الفاعل

ويدعو الرنتاوي إلى تحرك عربي يتجاوز بيانات الشجب والتنديد التقليدية، مطالباً باستدعاء سفراء الولايات المتحدة في الدول المعنية لمساءلتهم وطلب توضيحات رسمية، والضغط على الإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات واضحة، بما في ذلك عزل السفير أو استبداله بشخص يعبر عن الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية، لا عن توجهات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.
ويتساءل الرنتاوي عن جدوى الشراكة مع الولايات المتحدة في مسارات السلام الإقليمية في ظل صدور مثل هذه التصريحات عن ممثلها الدبلوماسي في إسرائيل، معتبراً أن المرحلة تتطلب موقفاً عربياً مشتركاً أكثر صلابة.
ويشكك الرنتاوي في قدرة الدول العربية على بلورة موقف موحد يتجاوز حدود البيانات الدورية، ويصل إلى مستوى سياسي قادر على إحداث تأثير فعلي في الموقف الأمريكي.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا