صادق وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، على أمر عسكري يقضي بتصنيف مجموعة من المنصات الإعلامية الإلكترونية الفلسطينية كـ 'منظمات إرهابية'، وذلك بموجب قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي. وجاء هذا التحرك القانوني بناءً على توصيات رفعتها أجهزة الأمن العام (الشاباك)، التي ادعت وجود محاولات لتحريك الشارع المقدسي خلال شهر رمضان المبارك عبر هذه الواجهات الإعلامية.
وأفادت مصادر إعلامية بأن القرار يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحيات واسعة لإغلاق هذه المنصات وحظر محتواها الرقمي بشكل كامل، بالإضافة إلى ملاحقة العاملين فيها. وتزعم الأجهزة الأمنية للاحتلال أن هذه الشبكات تعمل كأدوات توجيهية لصالح فصائل فلسطينية من خارج الأرض المحتلة، بهدف تصعيد الأوضاع الميدانية في القدس والأقصى.
وفي أولى التداعيات الميدانية لهذا القرار، أعلنت شبكة 'العاصمة' الإعلامية عن توقف كافة أنشطتها الصحفية قسراً، مؤكدة أن هذا المنع يأتي في سياق محاولات عزل العاصمة المحتلة عن محيطها العربي والدولي. وشددت الشبكة في بيان لها على أن الرسالة الإعلامية لن تتوقف رغم القمع، وأن استهداف الكاميرا لن يطمس الحقيقة التاريخية للمدينة المقدسة.
من جانبه، اعتبر الباحث في شؤون القدس، عبد الله معروف أن حظر الوكالات الإعلامية يعد مؤشراً خطيراً على نية الاحتلال تنفيذ تصعيد واسع النطاق في المسجد الأقصى خلال الأسابيع القادمة. وأشار معروف إلى أن سلطات الاحتلال تسعى من خلال هذه القرارات إلى كتم الأصوات المقدسية التي توثق الانتهاكات اليومية، لضمان عدم وصول الصورة الحقيقية للعالم.
وبالتزامن مع هذه الإجراءات، أفرجت محكمة إسرائيلية عن الصحفية المقدسية نسرين سالم العبد، لكن بفرض شروط مقيدة قاسية شملت الحبس المنزلي لمدة عشرة أيام. وتضمن قرار الإفراج أيضاً إبعاد الصحفية عن المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر كاملة، ومنعها من استخدام الهاتف المحمول أو منصات التواصل الاجتماعي طوال فترة احتجازها المنزلي.
وأوضح محامي مركز معلومات وادي حلوة، محمد محمود أن هذه القيود تهدف إلى شل القدرة المهنية للصحفيين المقدسيين ومنعهم من ممارسة دورهم في تغطية الأحداث الميدانية. وتأتي هذه الملاحقات في وقت يكثف فيه الاحتلال حملات الإبعاد عن الأقصى بحق المصورين والنشطاء الإعلاميين الذين يتصدرون مشهد التوثيق في الساحات.
بدوره، أدان منتدى الإعلاميين الفلسطينيين القرار الإسرائيلي، واصفاً إياه بالانتهاك الصارخ لحرية الصحافة والتعبير التي تكفلها المواثيق الدولية. وأكد المنتدى أن تصنيف وكالات مثل 'البوصلة' و'قدس بلس' و'معراج' كأذرع إرهابية هو محاولة لتشويه الرواية الفلسطينية المستقلة أمام الرأي العام العالمي.
وفي سياق متصل بحرب الاحتلال على الإعلام، أعلنت السلطات الإسرائيلية تمديد إغلاق مكتب قناة الجزيرة في مدينة رام الله لمدة 90 يوماً إضافية، في تمديد هو الثاني عشر من نوعه. وتستند السلطات في هذا الإغلاق المتكرر إلى أنظمة الطوارئ الموروثة عن الانتداب البريطاني عام 1945، والتي تمنح القائد العسكري صلاحيات مطلقة.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد فعلت ما يعرف بـ 'قانون الجزيرة' في مايو الماضي، والذي يتيح لرئيس الوزراء ووزير الاتصالات إغلاق مكاتب القنوات الأجنبية التي تُصنف كخطر على أمن الدولة. ويأتي هذا التمديد الجديد ليؤكد استمرار النهج الإسرائيلي في محاصرة التغطية الإعلامية التي تنقل تفاصيل العدوان المستمر في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويرى مراقبون أن توقيت هذه القرارات قبيل شهر رمضان يعكس مخاوف إسرائيلية من التأثير الكبير للمحتوى الرقمي الذي ينتجه المصورون المقدسيون. فالمقاطع المصورة التي تنقل الأجواء الروحانية والاعتداءات في آن واحد، تحظى بتفاعل عالمي واسع، وهو ما يسعى الاحتلال لخنقه عبر حظر المنصات التي تنشر هذا المحتوى.
إن سياسة 'تكميم الأفواه' الرقمية التي ينتهجها الاحتلال حالياً، تتجاوز مجرد الحظر الإداري إلى الملاحقة الجنائية للعاملين في الحقل الإعلامي تحت غطاء قوانين الإرهاب. وهذا التحول يضع الصحفيين الفلسطينيين أمام تحديات وجودية، حيث يصبح مجرد نقل الخبر أو الصورة سبباً للاعتقال أو الحرمان من دخول المدينة المقدسة.
وعلى الرغم من هذه الإجراءات القمعية، تؤكد الهيئات الإعلامية في القدس أن البدائل الرقمية والنشاط الفردي للصحفيين سيستمر في نقل الحقيقة. فالمجتمع المقدسي أثبت في محطات سابقة قدرته على تجاوز الحظر العسكري عبر المبادرات الشعبية والإعلام المجتمعي الذي يصعب السيطرة عليه بالكامل.
ختاماً، يبقى المشهد الإعلامي في فلسطين ساحة مواجهة مفتوحة، حيث يسعى الاحتلال لفرض تعتيم شامل على ممارساته، بينما يصر الإعلاميون على الوفاء بعهدهم المهني. إن المعركة الحالية ليست مجرد صراع على منصات إلكترونية، بل هي صراع على الرواية والوجود في قلب القدس المحتلة.
المصدر:
القدس