آخر الأخبار

إبادة المساجد في غزة: استشهاد 312 خطيباً وتدمير 1050 مسجداً

شارك

يحل شهر رمضان المبارك على قطاع غزة هذا العام بملامح حزينة ومختلفة تماماً عما اعتاد عليه الفلسطينيون، حيث يغيب عشرات الأئمة والخطباء الذين صدحت أصواتهم لسنوات في صلوات التراويح والقيام. وتأتي هذه الأجواء في ظل حرب مستمرة خلفت دماراً واسعاً طال البنية التحتية الدينية والاجتماعية، مما أجبر السكان على البحث عن بدائل لممارسة شعائرهم الدينية وسط الركام.

وأفادت مصادر رسمية في قطاع غزة بأن الاحتلال الإسرائيلي تسبب في تغييب 312 خطيباً وواعظاً وإماماً، بالإضافة إلى عدد كبير من محفظي القرآن الكريم الذين قضوا خلال أشهر الحرب. هؤلاء الرموز كانوا يشكلون ركيزة أساسية في تعزيز السلم المجتمعي وترسيخ القيم الروحية، وكان لرحيلهم أثر عميق في نفوس المصلين الذين افتقدوا دروسهم الدينية المؤثرة.

وعلى صعيد المنشآت الدينية، كشفت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية عن أرقام صادمة، حيث دمرت آلة الحرب الإسرائيلية 1050 مسجداً بشكل كلي، بينما تعرض 191 مسجداً لدمار جزئي. هذه الإحصائية تعني أن الغالبية العظمى من المساجد التي كانت قائمة قبل الحرب، والبالغ عددها 1275 مسجداً، أصبحت خارج الخدمة أو تحولت إلى ركام.

وأمام هذا الواقع القاسي، لم يجد أهالي غزة بداً من إقامة صلواتهم في خيام بسيطة مصنوعة من الخشب والنايلون، نصبت فوق أنقاض المساجد المدمرة أو بجوارها. كما يستغل المصلون الجدران المتصدعة للمساجد التي لم تنهدم بالكامل لأداء الصلوات، في مشهد يجسد الإصرار على ممارسة الشعائر الدينية رغم انعدام الإمكانيات.

وصرح مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بأن الاحتلال تعمد استهداف الرموز الدينية والاجتماعية التي تؤدي دوراً محورياً في توجيه المجتمع. وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني يفتقد في ليالي رمضان الحالية تلك الأصوات التي كانت تملأ المساجد بالخشوع والإيمان، مما أضفى مسحة من الحزن على الشهر الفضيل.

ولم تقتصر المعاناة على المسلمين فحسب، بل طالت الطوائف المسيحية في القطاع التي فقدت 20 من أبنائها جراء الاستهداف المباشر لدور العبادة المسيحية. هذا الاستهداف الممنهج يوضح أن العدوان لم يفرق بين المعتقدات، بل استهدف الهوية الحضارية والدينية الشاملة للمجتمع الفلسطيني في غزة.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر المادية المباشرة التي لحقت بالقطاع الديني تقدر بنحو مليار دولار أمريكي، تشمل المساجد والكنائس والمرافق التابعة لها. كما لم تسلم المقابر من آليات الاحتلال التي قامت بتجريفها واستهدافها، في انتهاك صارخ لحرمة الأموات والقوانين الدولية التي تحمي الأعيان الدينية.

رغم الخسائر الفادحة، يواصل الفلسطينيون أداء صلواتهم وإحياء شعائرهم في المساجد المتبقية أو في مراكز الإيواء والخيام، تأكيداً على تمسكهم بحقهم في العبادة.

ومن أبرز الشخصيات التي فقدتها غزة، الداعية يوسف سلامة، وزير الأوقاف الأسبق وأحد خطباء المسجد الأقصى المبارك، الذي استشهد في غارة استهدفت منزله بمخيم المغازي. كان سلامة قامة علمية ودينية مرموقة، وشغل مناصب إدارية وأكاديمية هامة، وترك رحيله فراغاً كبيراً في المشهد الديني الفلسطيني.

كما استشهد الداعية وائل الزرد، الذي اشتهر بإمامته للمسجد العمري الكبير وخطبه الحماسية التي كانت تجذب آلاف المصلين. الزرد الذي كان يحمل درجة الدكتوراه في علم الحديث، استشهد متأثراً بإصابته بعد قصف منزله، مخلفاً وراءه إرثاً من العلم الشرعي الذي كان يدرسه في الجامعات الفلسطينية.

وفي حي الصبرة، فقدت الساحة الدعوية الدكتور وليد عويضة، مدير عام التحفيظ بوزارة الأوقاف وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عويضة كان له بصمة واضحة في تربية الأجيال الناشئة على حفظ القرآن الكريم وتوجيههم نحو القيم الإسلامية السمحة قبل أن تنهي حياته غارة إسرائيلية غادرة.

أما في مدينة خان يونس، فقد استشهد الداعية نائل مصران رفقة عائلته داخل خيمتهم التي لجأوا إليها، بعد أن قضى مئات الأيام في حث الناس على الصبر والثبات. مصران كان يجمع بين العلوم الدنيوية والدينية، حيث كان مهندساً مدنياً وحاصلاً على الدكتوراه في أصول الفقه، مما جعله نموذجاً للمثقف الشامل.

وتؤكد المصادر أن استهداف رجال الدين ودور العبادة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يمنح حماية خاصة لهذه الأعيان في أوقات النزاع. ويرى مراقبون أن هذه السياسة تهدف إلى كسر الروح المعنوية للسكان وطمس المعالم الثقافية والدينية التي تميز قطاع غزة.

ورغم كل هذا الدمار، يصر الفلسطينيون على إحياء شعائر شهر رمضان بما يتوفر لديهم من إمكانيات بسيطة داخل مراكز الإيواء والخيام. هذا التمسك بالعبادة يبعث برسالة قوية حول صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على التكيف مع أقسى الظروف من أجل الحفاظ على هويته ودينه.

إن غياب هذه الأصوات الندية والوجوه الدعوية في رمضان الحالي يترك غصة في قلوب الغزيين، لكن ذكراهم تظل حاضرة في كل صلاة تقام فوق الركام. ويبقى الأمل معقوداً على إعادة إعمار ما دمره الاحتلال، لتعود المآذن من جديد وتصدح بالتكبير في أرجاء القطاع المحاصر.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا