شهد الاجتماع الافتتاحي لما يُعرف بـ 'مجلس السلام' تحت رئاسة دونالد ترامب، الإعلان عن خطة مالية ضخمة تهدف لتجميع سبعة مليارات دولار. وقد جرى إيداع هذه المبالغ في صندوق النقد الدولي، مع وضع شرط صريح يربط تدفقها لإعادة إعمار قطاع غزة بعملية نزع سلاح المقاومة الفلسطينية بشكل كامل.
تبدو هذه المبادرة في ظاهرها كطوق نجاة لمدينة دمرتها الحرب، إلا أنها تحمل في طياتها مقايضة سياسية وأخلاقية معقدة تضع الاحتياجات الإنسانية الأساسية في كفة، والحقوق الوطنية والسيادية في كفة أخرى. إنها محاولة لفرض معادلة 'الخبز مقابل الكرامة' على شعب يرفض التنازل عن ثوابته رغم حجم المعاناة.
المثير للجدل في تشكيل هذا المجلس هو غياب التمثيل الفلسطيني الحقيقي الذي يعبر عن إرادة أهل غزة وأوجاعهم فوق ركام منازلهم. فقد جرى اختيار شخصيات محددة لتكون شاهدة على صياغة معادلات جديدة تفرضها القوة والغطرسة، بعيداً عن مبادئ العدالة والإنصاف الدولية.
وتشير المعطيات إلى أن الجزء الأكبر من هذه المليارات السبعة مصدره خزائن دول عربية وإسلامية، مما يضفي مرارة إضافية على المشهد. فبدلاً من أن تُنفق هذه الأموال لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، جرى ربطها بإملاءات سياسية تمس جوهر القضية الفلسطينية وحق الدفاع عن النفس.
تتجاوز الخطة الجانب المالي لتصل إلى الترتيبات الأمنية، حيث تبرز مقترحات لاستدعاء قوات عربية وإسلامية لتولي مهام الإدارة أو التدريب الأمني في القطاع. هذا التوجه يثير مخاوف من تحويل أبناء الأمة إلى حراس على جراح إخوتهم، ضمن رؤية استعمارية جديدة بوجوه مألوفة.
إن أي سلام يُطبخ في غياب الضحية الحقيقية هو سلام منقوص ولا يملك مقومات الاستدامة على أرض الواقع. ففي غزة، لا تُقاس الأمور بلغة الأرقام والمصارف، بل بنبض الناس الذين يتمسكون بتراب أرضهم كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة الأخيرة وسط أمواج متلاطمة.
تظهر الصور القادمة من القطاع نساءً يجلسن فوق أنقاض بيوتهن، يحملن مفاتيح قديمة وذاكرة عصية على النسيان رغم هول الدمار. هؤلاء الأطفال الحفاة الذين تلمع عيونهم بعناد الحياة، يمثلون الرد الحقيقي على كل المحاولات الرامية لاختزال قضيتهم في بنود مالية أو صفقات تقنية.
يستحضر التاريخ دروساً قاسية للإمبراطوريات التي ظنت أن الحديد والنار يكفيان لإخضاع الشعوب، من فرنسا في الجزائر إلى بريطانيا في الهند. كانت الخاتمة دوماً هي رحيل المحتل وبقاء الأرض لأصحابها الأصليين، لأن إرادة الشعوب لا يمكن كسرها بقرارات سياسية أو ضغوط اقتصادية.
حين يُشترط نزع السلاح مقابل الإعمار، يتم تحويل الصراع الوجودي إلى مجرد نزاع تقني على بنود عقد مالي جاف. الحقيقة الراسخة هي أن الصراع يدور حول الحق والذاكرة والوجود، وهي قيم لا يمكن تثمينها بمليارات الدولارات مهما بلغت قيمتها في دفاتر الحسابات.
إن السبعة مليارات دولار، رغم ضخامة الرقم، لن تشتري سلاماً حقيقياً ما لم يكن قائماً على أسس العدل وإنهاء الاحتلال. الاستقرار المبني على إملاء الشروط من طرف واحد هو استقرار هش، سرعان ما ينهار أمام أول اختبار حقيقي لإرادة الناس على الأرض.
السلام الحقيقي ليس مجلساً يُعلن من خلف الميكروفونات في القاعات المغلقة، ولا هو صناديق مالية تُودع فيها المساهمات الدولية. السلام هو اعتراف صريح بالحقوق الوطنية المشروعة، وإنهاء صادق لسياسات القوة التي تحاول طمس هوية شعب بأكمله تحت مسميات إنسانية.
غزة اليوم، وهي تضمد جراحها بإمكانيات بسيطة، تقدم للعالم درساً بليغاً في الصبر والثبات الأسطوري أمام آلة الحرب والسياسة. الأرامل والأيتام هناك يدركون غريزياً أن الأرض التي ارتوت بدماء أحبتهم لا يمكن أن تكون محلاً للمساومة أو البيع والشراء في أسواق السياسة الدولية.
في نهاية المطاف، سيبقى كل بناء قائم على الظلم هشاً وقابلاً للسقوط مهما بلغت التحصينات والضمانات الدولية. ستبقى غزة أقوى من كل مجلس لا يسمع صوتها الحقيقي، وسيظل التاريخ يردد حقيقته الخالدة: المحتل عابر سبيل في هذه الأرض، وأصحاب الحق هم الباقون.
المصدر:
القدس