يستعد "مجلس السلام" لعقد اجتماعه الأول في الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، وسط حالة من الترقب الدولي المشوب بالتوتر والتباين في مواقف العواصم الكبرى. وتتصاعد التساؤلات حول شرعية هذا الكيان الجديد وآليات عمله الميدانية، في ظل فجوة ثقة متزايدة بين الأهداف المعلنة وموازين القوى الفعلية على الأرض في قطاع غزة.
ينعقد هذا الاجتماع بمشاركة 27 دولة، مستنداً إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والإشراف الكامل على مسارات الحكم وإعادة الإعمار. ويضع خبراء دوليون هذا التحرك تحت مجهر النقد، واصفين إياه بأنه يواجه رفضاً في أوساط بحثية نظراً للصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيسه وارتباط بنيته بشخصية سياسية محددة.
يرى مراقبون أن هذا الإطار الجديد قد يتحول إلى منصة موازية لهياكل الأمم المتحدة التقليدية، مما قد يؤدي إلى اهتزاز التوازنات الدولية المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويشير الأكاديميون إلى أن منح رئيس المجلس حق النقض والتحكم المطلق بجدول الأعمال يضعف مبدأ التعددية الدبلوماسية الذي تأسس عليه النظام العالمي.
أفاد الدكتور خالد الحروب، أستاذ السياسة الدولية، بأن النقاش الأكاديمي يركز حالياً على سؤال الشرعية قبل الفاعلية، معتبراً المبادرة إعادة صياغة لقواعد الاشتباك الدبلوماسي عبر مركزية القرار. وأوضح أن هذا التوجه يخلق فجوة ثقة لدى شركاء واشنطن التقليديين في أوروبا وآسيا الذين يخشون تهميش أدوارهم التاريخية.
وشدد الحروب على أن نجاح أي إطار للسلام يعتمد كلياً على قدرته على إنتاج توازن مصالح حقيقي بين الأطراف المتنازعة وامتلاك أدوات ضغط فعالة. ونبه إلى أن غياب آليات الإنفاذ الواضحة، مع استمرار الخروقات الميدانية، يضع المجلس أمام اختبار مصداقية قاسٍ منذ لحظاته الأولى.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي علي قاسم نجم أن المبادرة تهدف إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي، حيث تسعى واشنطن للإمساك بملف غزة بشكل حصري. وأكد أن هذا المسار يقابل بتحفظ شديد في موسكو وبكين وطهران، كونه يتجاوز المرجعيات الدولية المعتمدة ويضعف الشرعية الأممية.
وحذر نجم من أن غياب رؤية مفصلة لنظام الحكم والأمن في غزة قد يفتح الباب أمام فراغات سياسية خطيرة تستغلها قوى إقليمية متنافسة. وأشار إلى أن تجارب التاريخ تثبت فشل المبادرات الأحادية في كسب ثقة الأطراف المحلية، مؤكداً أن المشاركة الفلسطينية الفاعلة هي الشرط الجوهري لأي استقرار مستدام.
وفي سياق متصل، لفت الدكتور علي الحارثي إلى أن الاجتماع الأول يأتي في لحظة إنسانية حرجة تتطلب نتائج ملموسة على الأرض لا مجرد خطابات استراتيجية. وأوضح أن استمرار التوتر الميداني وتباطؤ إدخال المساعدات عبر المعابر يعمق الشكوك حول قدرة المجلس على تحويل تفويضه إلى واقع يحسن حياة المدنيين.
ويرى الحارثي أن التركيز الحالي على مؤتمر المانحين وإعادة الإعمار يتطلب بيئة أمنية مستقرة وإدارة مدنية واضحة الصلاحيات للنجاح. وأضاف أن تشكيل لجان تكنوقراط يعد خطوة تنظيمية، لكن تمكينها يتطلب تفاهمات عملية مع القوى المسيطرة ميدانياً لضمان عدم اصطدامها بالواقع المعقد.
من جهتها، أشارت الباحثة تهاني الفقهاء إلى أن اللغة المستخدمة في الوثائق التأسيسية للمجلس تثير نقاشاً فلسفياً حول مستقبل النظام الدولي القائم. وقالت إن النصوص تحمل خطاباً نقدياً للآليات الحالية مع وعود بحسم النزاعات، لكن الحسم في القضايا المعقدة يتطلب شرعية تراكمية تبنى بالتوافق لا بالفرض.
ونبهت الفقهاء إلى أن التحفظ الأوروبي الواضح يضعف صورة الإجماع الدولي حول المجلس، كما أن تجاهل التمثيل الفلسطيني المباشر يمثل تحدياً بنيوياً صارخاً. وأكدت أن أي مسار يتجاهل مبدأ تقرير المصير الراسخ في القانون الدولي سيعقد فرص التحول من مجرد وقف إطلاق نار إلى تسوية سياسية شاملة.
تتقاطع تقييمات الخبراء عند نقطة جوهرية وهي "فجوة التنفيذ"، حيث يتقدم المجلس بخطاب واعد بينما تتراكم التقارير عن استمرار التوترات الميدانية العنيفة. ويضع هذا التناقض المجلس أمام خيارين: إما ابتكار آليات ضغط حقيقية أو مواجهة تآكل سريع في المصداقية السياسية أمام المجتمع الدولي.
تتجه الأنظار الآن إلى مخرجات الاجتماع الأول، بانتظار إعلان مسارات عملية تشمل آليات مراقبة مستقلة وجدولاً زمنياً واضحاً لعمليات إعادة الإعمار. كما يترقب المتابعون الصيغة التي سيتم من خلالها إشراك الجانب الفلسطيني، وهي النقطة التي ستحدد مدى قبول هذه المبادرة شعبياً وسياسياً.
خلص الأكاديميون إلى أن أي مبادرة سلام تفتقر إلى أعمدة الشرعية الدولية الشاملة وشمولية التمثيل وأدوات التنفيذ الفعالة ستظل مجرد عنوان عريض. ويظل الاختبار الحقيقي للمجلس في قدرته على فتح أفق سياسي حقيقي ينهي المعاناة الإنسانية في غزة بعيداً عن الحسابات الانتخابية أو القطبية الأحادية.
المصدر:
القدس