آخر الأخبار

مخرجات مجلس السلام في واشنطن ومستقبل إعادة إعمار غزة

شارك

انفض اجتماع مجلس السلام الذي استضافته العاصمة الأمريكية واشنطن في التاسع عشر من الشهر الجاري، مخلفاً وراءه حالة من الترقب الحذر بين سكان قطاع غزة. وبينما ينتظر الفلسطينيون نتائج ملموسة تنهي معاناة النزوح والدمار، لا تزال الأرض تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية رغم الوعود الدولية الكبرى.

استعد المشاركون في الاجتماع لرصد ميزانية ضخمة تصل إلى 17 مليار دولار ضمن خطة شاملة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في القطاع. كما تضمن الإعلان البدء في تأهيل قوة شرطية جديدة، إلا أن هذه الخطوات لم تتطرق بشكل كافٍ للملفات العالقة التي تمس الحياة اليومية للسكان بشكل مباشر.

ويرى محللون سياسيون أن أجندة مجلس السلام ركزت بشكل مكثف على ملف نزع سلاح المقاومة، متجاوزةً استحقاقات وقف الحرب والخطوات المطلوبة من الجانب الإسرائيلي. هذا التوجه أثار مخاوف من تهميش القضايا الإنسانية والسياسية الجوهرية مقابل التركيز على الترتيبات الأمنية التي تخدم رؤية معينة.

وأفادت مصادر بأن فلسطين كانت بمثابة 'الحاضر الغائب' في الاجتماع، حيث غابت الإشارات المباشرة للدولة الفلسطينية واقتصر التمثيل على الجوانب الإدارية للقطاع. ويطالب الشارع الفلسطيني بضرورة تحويل هذه الاجتماعات إلى ضغط حقيقي يمنع خروقات وقف إطلاق النار المتكررة من قبل جيش الاحتلال.

وتتمثل المطالب الشعبية الملحة في إجبار الاحتلال على الانسحاب من نحو 56% من مساحة قطاع غزة، لتمكين النازحين من العودة إلى مناطقهم. كما يشدد مراقبون على ضرورة البدء الفوري في عمليات الإعمار بعيداً عن الاشتراطات السياسية التي قد تعطل إنقاذ الوضع الإنساني المتردي.

ويشير متابعون إلى أن مجلس السلام، الذي تشكل بموجب قرار مجلس الأمن رقم (2803)، يواجه انتقادات بشأن شرعية عضوية أطراف متهمة بارتكاب جرائم إبادة. ويرى الفلسطينيون أن المهمة الأساسية للمجلس يجب أن تكون وقف الإبادة بمفهومها الشامل، بما يشمل إنهاء التجويع والحصار المفروض على السكان.

وفي سياق متصل، أكدت مصادر أن قرارات المجلس لم تعالج ملفات جوهرية مثل إهانة المسافرين عبر المعابر واستمرار الانتهاكات الميدانية. ويبقى التساؤل قائماً حول كيفية التعامل مع الملف الأمني في ظل وجود آلاف العناصر الأمنية السابقة التي لا تزال على رأس عملها في غزة.

المعطيات تشير إلى انتقال إدارة الصراع في غزة إلى نموذج الحرب الهجينة المستندة إلى الإعمار والشرعية الأمنية الدولية كأدوات ضغط.

وتشير تقارير رسمية ترصد الانتهاكات منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، إلى ارتكاب الاحتلال لأكثر من 1800 انتهاك متنوع. وقد أسفرت هذه الاعتداءات، التي شملت القصف والتوغل، عن ارتقاء مئات الشهداء وإصابة الآلاف، مما يضع مصداقية الاتفاقات الدولية على المحك.

أما في ملف المساعدات الإنسانية، فلا تزال سلطات الاحتلال تعرقل دخول الشاحنات، حيث لم يتجاوز متوسط الدخول اليومي 259 شاحنة. هذه الكمية تمثل نحو 43% فقط من الاحتياجات المتفق عليها، مما يفاقم أزمة الغذاء والدواء داخل مراكز النزوح والأحياء المدمرة.

وعلى صعيد حركة الأفراد، سجل معبر رفح أرقاماً متدنية للمسافرين منذ إعادة تشغيله في فبراير الجاري، بنسبة التزام لم تتجاوز 40%. هذا التقييد الممنهج لحركة الفلسطينيين يزيد من حالة الإحباط الشعبي تجاه مخرجات الاجتماعات الدولية التي لا تنعكس تحسناً في واقعهم المعيشي.

ويحذر كتاب ومحللون من محاولات تغييب الهوية الفلسطينية عبر تشكيل لجان إدارية لا تملك صلاحيات سياسية حقيقية. كما أن عدم الإفصاح عن مواعيد انسحاب الجيش الإسرائيلي من 'الخط الأصفر' يثير شكوكاً حول نوايا الاحتلال في البقاء لفترات أطول داخل أراضي القطاع.

وتمثل الأيام القادمة اختباراً حقيقياً لتنفيذ ما أعلن عنه بشأن نشر 'قوة الاستقرار' الدولية والبدء الفعلي في إعادة الإعمار. ويرى البعض أن ربط الإعمار بنزع السلاح يضع الفلسطينيين أمام معادلة صعبة تهدف إلى مقايضة الاحتياجات الأساسية بالمواقف السياسية والأمنية.

ويطرح خبراء ثلاثة مسارات محتملة للتعامل مع هذه الضغوط، تتراوح بين الرفض والصدام الذي قد يعيد العمليات العسكرية، أو المقايضة السياسية المدروسة. أما المسار الثالث فيتمثل في الانتظار، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف القوى الداخلية وصعود أطراف غير وطنية لإدارة المشهد.

في نهاية المطاف، يبقى سكان غزة هم الحلقة الأضعف في هذه التجاذبات الدولية، حيث يطمحون إلى استقلال حقيقي ودولة ذات سيادة. إن الاعتراف بأن القضية الفلسطينية هي قضية تقرير مصير، وليس مجرد أزمة إنسانية، يظل المطلب الأساسي الذي يتجاوز كل وعود التمويل والإعمار.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا