عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً وزارياً رفيع المستوى لمناقشة الأوضاع المتدهورة في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، وذلك في ظل تصاعد الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتغيير الوضع القانوني والإداري في الأراضي المحتلة. ويأتي هذا التحرك الدولي بعد أيام قليلة من قرارات حكومة الاحتلال باستئناف تسجيل الأراضي في المناطق المصنفة (ج)، وهي الخطوة التي أثارت موجة تنديد دولية واسعة.
وفي إحاطة شاملة أمام المجلس، أكدت وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام، روز ماري ديكارلو أن الجهود الجماعية يجب أن تتركز على تعزيز وقف إطلاق النار في قطاع غزة. وأوضحت أن القطاع لا يزال يفتقر للأمان الحقيقي رغم الهدوء النسبي، مشددة على ضرورة تخفيف المعاناة الإنسانية التي يواجهها السكان المحاصرون.
وشددت ديكارلو على المسؤولية الدولية المشتركة في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والعمل بجدية نحو مسار سياسي يفضي إلى حل الدولتين. وأشارت إلى أن غزة ما زالت تشهد غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت مناطق مكتظة بالنازحين خلال الأسابيع الأخيرة، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين.
وفيما يخص الضفة الغربية، حذرت المسؤولة الأممية من 'تدهور سريع وخطير' للأوضاع الميدانية، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية الواسعة. وأعربت عن قلقها البالغ إزاء الاستخدام المتكرر للذخيرة الحية والقوة المميتة في مناطق مأهولة، مما يفاقم من حالة عدم الاستقرار الأمني.
وكشفت الإحاطة الأممية عن رصد 'ضم فعلي تدريجي' للضفة الغربية المحتلة، تقوده خطوات إسرائيلية أحادية تهدف إلى تغيير معالم الأرض وفرض واقع جديد. وأوضحت ديكارلو أن التوسع الاستيطاني المستمر وعنف المستوطنين، إلى جانب عمليات الهدم والإخلاء في القدس الشرقية، يمثلون أدوات لهذا المخطط الممنهج.
وتطرقت ديكارلو إلى قرارات 'الكابينت' الإسرائيلي الأخيرة التي تمنح سلطات تنفيذية واسعة وتسمح بنقل صلاحيات إدارية في المنطقتين (أ) و(ب). واعتبرت أن هذه التدابير، في حال استمرار تنفيذها، ستمثل توسيعاً خطيراً للسيطرة المدنية الإسرائيلية على مناطق فلسطينية حساسة، بما في ذلك مدينة الخليل.
وجددت الأمم المتحدة إدانتها لقرار استئناف تسجيل الأراضي في المنطقة (ج)، مؤكدة أن هذا الإجراء يهدد بتجريد آلاف الفلسطينيين من ممتلكاتهم التاريخية. وطالبت المنظمة الدولية سلطات الاحتلال بالتراجع الفوري عن هذه القرارات التي تنتهك صراحة القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
من جانبه، ألقى مندوب فلسطين الدائم لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، كلمة مؤثرة أكد فيها أن الضم الإسرائيلي لم يعد مجرد تهديد بل أصبح واقعاً ملموساً. وحذر منصور من أن غياب الرد الدولي الحاسم سيعيد تعريف مستقبل المنطقة ويحولها إلى ساحة للصراع الدائم، مشيراً إلى أن إسرائيل اختارت التوسع على حساب السلام.
وأوضح المندوب الفلسطيني أن الحكومة الإسرائيلية تسابق الزمن لفرض وقائع لا يمكن الرجوع عنها قبل أن يتمكن المجتمع الدولي من اتخاذ إجراءات مضادة. ودعا إلى ضرورة التعامل مع قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، كواحدة جغرافية وسياسية لا تقبل التجزئة تحت سيادة الدولة الفلسطينية.
وطالب منصور بتمكين الحكومة الفلسطينية من ممارسة مهامها كاملة وفق مبدأ 'دولة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد' لضمان بسط النظام والقانون. وأكد أن الخطة الوطنية الفلسطينية ترفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الضم أو الاحتلال أو التهجير القسري الذي تسعى إليه القوى اليمينية في إسرائيل.
وفي ختام كلمته، شدد المندوب الفلسطيني على أن أرض فلسطين تخص شعبها وليست معروضة للمزايدات السياسية أو الصفقات التجارية. وأكد أن المحاولات الإسرائيلية الدؤوبة لطمس الهوية الفلسطينية لن تنجح في تحويل الفلسطينيين إلى شعب بلا أرض، مهما بلغت قوة الضغوط الميدانية والسياسية.
وتخلل الاجتماع مداخلات من عدة دول أعضاء حذرت من تداعيات انهيار حل الدولتين نتيجة السياسات الاستيطانية المتسارعة. وأكدت مصادر دبلوماسية أن استمرار إسرائيل في تجاهل التحذيرات الدولية يضع مصداقية مجلس الأمن على المحك فيما يتعلق بحماية الأمن والسلم الدوليين في المنطقة.
وخلص الاجتماع إلى ضرورة زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل عاجل وكبير لدعم عمليات التعافي وإعادة الإعمار. واعتبر المشاركون أن تحسين الوضع الإنساني هو حجر الزاوية لأي استقرار مستقبلي، مع ضرورة وقف كافة الإجراءات الأحادية في الضفة الغربية لفتح أفق سياسي حقيقي.
المصدر:
القدس