آخر الأخبار

وفاة ليلى شهيد الدبلوماسية الفلسطينية السابقة في فرنسا

شارك

فقدت الساحة الدبلوماسية الفلسطينية والعالمية، يوم الأربعاء، واحدة من أبرز وجوهها المؤثرة برحيل الدبلوماسية المخضرمة ليلى شهيد عن عمر ناهز 76 عاماً. ووافت المنية الفقيدة في منزلها بمنطقة لوسان جنوب فرنسا بعد معاناة طويلة مع المرض، لتطوي بذلك صفحة من النضال السياسي والفكري الذي استمر لعقود.

عُرفت الراحلة بأنها صوت فلسطين الصادح في القارة الأوروبية، حيث نجحت بذكائها وحنكتها في اختراق الأوساط السياسية والإعلامية الغربية. وقد شكل رحيلها خسارة كبيرة للقضية الفلسطينية التي مثلتها في أصعب الظروف والمراحل التاريخية، وظلت مرتبطة بها وجدانياً وعملياً حتى أيامها الأخيرة.

بدأت مسيرة شهيد الدبلوماسية الأبرز حين شغلت منصب المندوبة العامة لفلسطين في فرنسا بين عامي 1993 و2006، وهي الفترة التي شهدت تحولات دراماتيكية في مسار القضية. واستطاعت خلال تلك السنوات أن تصبح وجهاً مألوفاً ومحترماً في باريس، مدافعة بشراسة عن حقوق شعبها أمام الرأي العام الفرنسي.

عقب انتهاء مهمتها في العاصمة الفرنسية، انتقلت ليلى شهيد إلى بروكسل لتمثيل فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، واستمرت في هذا المنصب الرفيع من عام 2006 حتى تقاعدها في 2015. وقد تميزت فترتها هناك بالعمل الدؤوب لمواجهة ازدواجية المعايير الدولية ومحاولة حشد الدعم الأوروبي للمواقف الفلسطينية.

ولدت ليلى شهيد في يوليو 1949 بالعاصمة اللبنانية بيروت، وذلك بعد أشهر قليلة من نكبة عام 1948 التي هجرت عائلتها من مدينتهم القدس. وتنتمي الراحلة إلى عائلة مقدسية عريقة، حيث كان جدها قد شغل منصب رئيس بلدية القدس في بدايات القرن العشرين، مما عمق ارتباطها بالهوية الوطنية.

رغم نشأتها في المنفى، إلا أن فلسطين كانت حاضرة في تفاصيل حياتها اليومية، خاصة مع وجود قيادات الثورة الفلسطينية في لبنان. وفي سن الثامنة عشرة، وتحديداً بعد هزيمة عام 1967، انخرطت بشكل رسمي في العمل السياسي بانضمامها إلى حركة فتح، لتبدأ مسيرة نضالية طويلة.

خلال سنوات نشاطها، اقتربت شهيد من الزعيم الراحل ياسر عرفات وعملت إلى جانبه لسنوات طويلة، وكانت تعد من الشخصيات الموثوقة في دائرته الضيقة. وظلت تحظى بثقة القيادة الفلسطينية التاريخية حتى وفاة عرفات في عام 2004، حيث كانت تعبر دوماً عن رؤيته الوطنية في المحافل الدولية.

كانت ليلى شهيد ترى أن آمال السلام التي رافقت اتفاقات أوسلو قد تلاشت، وأن حل الدولتين أصبح أبعد من أي وقت مضى.

لم يمنعها النشاط السياسي من مواصلة تحصيلها الأكاديمي، إذ خصصت أطروحة الدكتوراه لدراسة البنية الاجتماعية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين. وسعت من خلال دراستها إلى فهم آليات الحفاظ على الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي في ظل ظروف اللجوء والتهجير القسري التي عاشها شعبها.

دخلت ليلى شهيد السلك الدبلوماسي في أواخر الثمانينيات بتشجيع مباشر من ياسر عرفات، الذي أراد إبراز دور المرأة الفلسطينية في النضال الوطني. وفي عام 1989، تم تعيينها كأول امرأة تمثل فلسطين دبلوماسياً، حيث تولت مهام سفيرة في إيرلندا ثم هولندا والدنمارك، وصولاً إلى اليونسكو.

في باريس، اكتسبت شهيد سمعة قوية بفضل خطابها الواضح الذي كان يصر على تسمية الأمور بمسمياتها، مفضلة مصطلح 'القضية الفلسطينية' على 'الصراع'. وكانت ضيفة دائمة على الشاشات الفرنسية، حيث جمعت بين الحزم السياسي والحضور الثقافي الرفيع الذي مكنها من كسب احترام الخصوم قبل الأصدقاء.

عُرض عليها منصب سفيرة فلسطين في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها اعتذرت عن قبول المهمة مفضلة الاستمرار في العمل داخل القارة الأوروبية. كانت تؤمن بأن العلاقة الأوروبية العربية تحمل أبعاداً استراتيجية وثقافية أعمق، ويمكن من خلالها تحقيق اختراقات سياسية هامة لصالح الحقوق الفلسطينية.

في عام 2015، قررت ليلى شهيد التقاعد من العمل الرسمي رغم محاولات الرئيس محمود عباس لإقناعها بالعدول عن قرارها والبقاء في منصبها. وعزت قرارها آنذاك إلى شعور بالإحباط من عجز المجتمع الدولي عن فرض القانون الدولي، ورأت أن الأدوات الدبلوماسية التقليدية وصلت إلى طريق مسدود.

بعد التقاعد، لم تتوقف عن العطاء بل انتقلت إلى العمل الثقافي، حيث ترأست جمعية أصدقاء معهد العالم العربي في باريس لدعم الإنتاج الإبداعي العربي. وقسمت سنواتها الأخيرة بين بيروت وجنوب فرنسا، برفقة زوجها الكاتب المغربي المعروف محمد برادة، بعيداً عن صخب السياسة المباشرة.

أعادتها أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب على غزة إلى الواجهة الإعلامية مجدداً، حيث عبرت عن حزنها العميق للمأساة الإنسانية المستمرة. وغادرت شهيد عالمنا وهي ترى أن حل الدولتين الذي دافعت عنه طويلاً بات أبعد من أي وقت مضى، لكنها تركت إرثاً دبلوماسياً سيبقى ملهماً للأجيال القادمة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا