واشنطن – سعيد عريقات – 18/2/2026
في مشهد دبلوماسي لافت، يتعرض "مجلس السلام" الذي أطلقته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإحراج دولي غير مسبوق، بعد أن رفضت المكسيك رسمياً الانضمام إليه، متحالفة في ذلك مع موقف إسباني حازم، وذلك بسبب الإقصاء المتعمد للسلطة الفلسطينية من طاولة المفاوضات.
ففي مؤتمرها الصحفي صباح يوم الاثنين، أعلنت الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم رفض الدعوة الأميركية بشكل قاطع، مؤكدة أن العيب الجوهري يكمن في تغييب الطرف الفلسطيني. وقالت شينباوم: "بما أننا نعترف بفلسطين كدولة، فمن المهم للغاية مشاركة كل من إسرائيل وفلسطين. لكن الاجتماع لم يُخطط له على هذا الأساس" . هذا الموقف لم يكن معزولاً، إذ سبق وأن أعرب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيث عن رفض مماثل، مشدداً على أن المجلس يعمل "خارج إطار الأمم المتحدة" ويستبعد السلطة الفلسطينية، التي تعتبر مدريد الشريك الشرعي الوحيد للسلام .
اللافت في المشهد أن المكسيك لم تكتفِ بالرفض، بل اختارت دور المراقب، مما يسمح لها بمراقبة التطورات دون منح شرعية لقرارات المجلس . وتنضم بذلك إلى قائمة متنامية من الدول الأوروبية والعريقة مثل فرنسا وألمانيا واليونان ونيوزيلندا، والتي أعربت جميعها عن تحفظاتها حول صلاحيات المجلس الواسعة ومحاولته الالتفاف على الشرعية الدولية . يبدو أن محاولة ترامب خلق كيان موازٍ للأمم المتحدة، يركز السلطة بيديه هو و "صهره جاريد كوشنر" لإعادة إعمار غزة وفق رؤية عقارية بحتة، قد اصطدمت بجدار الدفاع عن القانون الدولي وحق الفلسطينيين في تمثيل أنفسهم .
ومن المقرر أن يجتمع "مجلس السلام" الذي يرأسه ترمب في واشنطن صباح الخميس 19 شباط 2026.
ويعتقد الخبراء أن ما يفعله دونالد ترمب عبر ما يسمى "مجلس السلام" لا يعدو كونه محاولة فجة لاختطاف القضية الفلسطينية وتوظيفها في صفقة عقارية تحت غطاء إعادة الإعمار. بتغييبه الفلسطينيين بشكل كامل بما في ذلك السلطة الفلسطينية (التي تدعمها الولايات المتحدة)، يثبت الرئيس الأميركي أنه لا يسعى إلى سلام عادل، بل إلى فرض وصاية جديدة تكرس واقع الاحتلال وتلغي دور المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة.
ويعتبر رفض كل من المكسيك وإسبانيا ليس مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل هو صفعة لمحاولات تهميش القانون الدولي. كما إن محاولة جعل السلام "امتيازاً" توزعه واشنطن وفق مصالحها الضيقة، وليس "حقاً" للشعب الفلسطيني، يعتبر السبب الحقيقي وراء فشل كل المبادرات السابقة، وسيبقى هذا المجلس الجديد مجرد واجهة باهتة للهيمنة ما لم يُشرك أصحاب الأرض الحقيقيين.
كما يعتقد الخبراء أنه في الوقت الذي يظن فيه ترمب أن بإمكانه شراء الذمم بمليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة، تثبت المكسيك تحت قيادة شينباوم أن المبادئ السياسية أثمن من أي تمويل مشبوه. ويشترط المجلس تبرعات ضخمة تصل إلى مليار دولار للعضوية الدائمة، وكأن قضية شعب بأكمله يمكن أن تخضع للمزاد العلني . اختيار المكسيك دور المراقب هو رسالة ذكية مفادها: "نحن مع السلام، ولكن ليس على حساب حقوق الفلسطينيين".
وقال دبلوماسي من أمريكا اللاتينية لمراسل جريدة القدس في واشنطن ، أن : "هذا الموقف يعيد الاعتبار للدبلوماسية اللاتينية المستقلة، ويشكل نموذجاً يحتذى به للدول التي تريد الحفاظ على علاقاتها الدولية دون أن تتحول إلى أداة في لعبة المحاور" وأضاف الدبلوماسي الذي طلب عدم ذكر اسمه أو اسم البلد التي يمثلها : "بينما يراهن ترمب على المال، تراهن المكسيك على العقل والعدالة، وفارق شاسع بين الرهانين".
المصدر:
القدس