آخر الأخبار

مشروع استيطاني جديد في القدس: تفاصيل مخطط القدس الكبرى

شارك

تتسارع وتيرة المخططات الاستيطانية في مدينة القدس المحتلة، حيث كشفت مصادر عن تخصيص ميزانية تصل إلى نحو 64.5 مليون دولار لتنفيذ مشروع يهدف إلى تحقيق ترابط جغرافي بين مستوطنتي 'نفيه يعقوب' و'آدم'. ويأتي هذا التحرك ضمن استراتيجية أوسع لتوسيع حدود المدينة وتكريس السيادة الإسرائيلية عليها بشطريها، بما يخدم رؤية 'القدس الكبرى'.

المشروع الجديد، الذي أعيد إحياؤه بعد نحو عقدين من التجميد، يتضمن بناء 2900 وحدة سكنية على مساحة تقدر بـ 500 دونم من أراضي بلدتي الرام وحزما. وتشير التقارير إلى أن المخطط يستهدف بشكل أساسي توفير مساكن للمجتمع 'الحريدي' المتشدد، مع تسريع إجراءات التخطيط عبر مسار عاجل تشرف عليه وزارة البناء والإسكان بالتعاون مع الإدارة المدنية.

ولا يقتصر المخطط على الوحدات السكنية فحسب، بل يمتد ليشمل بنية تحتية تعليمية متكاملة، حيث رُصدت مبالغ تصل إلى 6 ملايين دولار لأعمال الحفر وبناء المدارس ورياض الأطفال. ويهدف هذا التوجه إلى تحويل المنطقة إلى كتلة حضرية متصلة يصعب فصلها مستقبلاً في أي تسويات سياسية، مما يغير الوجه الديمغرافي لشمال شرق القدس.

وأوضح خبير الخرائط خليل التفكجي أن هذا الحي الاستيطاني كان قد خُطط له في عام 2005 بعدد وحدات أقل، لكنه عاد اليوم إلى الطاولة كجزء من مشروع 'القدس الكبرى'. وأكد أن الموقع الجغرافي للمشروع يقع خارج الحدود البلدية الحالية، مما يعني أن تنفيذه يمهد لعملية ضم فعلية للأراضي دون انتظار تشريعات رسمية من الكنيست.

ويرى مراقبون أن هذا المشروع يمثل حلقة جديدة في سلسلة عزل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض، حيث يساهم في تفكيك الترابط الجغرافي بين القدس ومحافظات الضفة الغربية. ومن شأن هذه الأحزمة الاستيطانية أن تحول التجمعات الفلسطينية إلى معازل محاصرة بالجدار والمستوطنات، مما يقوض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة.

المحلل السياسي سهيل خليلية أشار إلى أن الاحتلال يسعى بشكل دائم لمحو معالم 'الخط الأخضر' ودمج المستوطنات الواقعة خلفه في نسيج المدينة المحتلة. وأكد أن هذه السياسة تخلق واقعاً جغرافياً جديداً يجعل من التراجع عن الضم أمراً في غاية الصعوبة، ويفرض قيوداً مشددة على حركة الفلسطينيين الذين سيحتاجون لتصاريح خاصة لدخول مدينتهم.

وتشمل رؤية 'القدس الكبرى' ضم ثلاث كتل استيطانية ضخمة هي 'غوش عتصيون' جنوباً، و'معالي أدوميم' شرقاً، و'جفعات زئيف' شمالاً، بالإضافة إلى الكتلة الجديدة شمال شرق المدينة. هذا التوسع الممنهج يهدف إلى إحاطة القدس بغلاف استيطاني يحول دون أي تمدد فلسطيني مستقبلي، ويؤمن سيطرة إسرائيلية مطلقة على المداخل الحيوية للمدينة.

إسرائيل تريد إرسال رسالة مفادها أن القدس بواقعها الجغرافي الجديد خارج أي تفاوض سياسي مستقبلاً.

من جانبه، اعتبر الأكاديمي محمد هلسة أن توقيت طرح هذا المخطط يأتي في سياق استغلال الحكومة الإسرائيلية للظروف الدولية والإقليمية الراهنة لكسر كافة المحاذير. وأوضح أن اليمين الحاكم يسابق الزمن لفرض وقائع على الأرض تتجاوز لغة الدبلوماسية الناعمة، وتنتقل مباشرة إلى مرحلة الحسم المكاني والسياسي في القدس والمقدسات.

وأشار هلسة إلى أن الدوافع الانتخابية تلعب دوراً محورياً في هذه المشاريع، حيث يتنافس السياسيون الإسرائيليون على تقديم مواقف أكثر تشدداً تجاه الحقوق الفلسطينية لإرضاء جمهورهم. وتعتبر قضايا الأرض والاستيطان المادة الأساسية التي يعتمد عليها الائتلاف والمعارضة في المزايدات السياسية داخل المجتمع الإسرائيلي.

وفيما يخص الموقف الدولي، يرى باحثون أن إسرائيل لم تعد تعير اهتماماً كبيراً لقرارات الأمم المتحدة أو القانون الدولي، طالما أنها تحظى بغطاء من البيت الأبيض. وأصبح المقياس الوحيد للسلوك الإسرائيلي هو مدى رضا الإدارة الأمريكية، بينما يتم تهميش المواقف الأوروبية والإسلامية التي تكتفي ببيانات التنديد دون إجراءات فعلية.

المخطط الجديد يمثل أيضاً ضربة قاضية لما يسمى 'حل الدولتين'، حيث أن التشريعات الأخيرة في الكنيست والمشاريع الميدانية تهدف لوأد أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية. وبحسب الخبراء، فإن إسرائيل قلبت الميزان تماماً لمصلحة 'الدولة اليهودية الواحدة' من خلال الضم الزاحف وتغيير معالم الأرض بشكل جذري.

إن بناء 2900 وحدة سكنية في منطقة حساسة كمنطقة 'آدم - نفيه يعقوب' يعني إغلاق البوابة الشمالية الشرقية للقدس بشكل نهائي أمام الفلسطينيين. وهذا الإجراء يندرج ضمن سياسة 'القدس عاصمة تلمودية'، التي تسعى لتغيير الهوية البصرية والثقافية للمدينة وتحويلها إلى مركز يهودي خالص بعيداً عن طابعها العربي التاريخي.

وتؤكد المصادر أن الضغط الدولي فشل في منع إسرائيل من اتخاذ خطوات أحادية الجانب، بل إن الصمت العالمي منحها ضوءاً أخضر للتمادي في عزل القدس. وأصبحت الرسالة الإسرائيلية واضحة للعالم بأن القدس بحدودها الجديدة ليست جزءاً من أي مفاوضات مستقبلية، وأنها أصبحت واقعاً مفروضاً بقوة الاستيطان.

ختاماً، فإن هذا المشروع الاستيطاني ليس مجرد بناء وحدات سكنية، بل هو إعادة تشكيل لجغرافية الضفة الغربية بالكامل، حيث يتم تحويل القدس إلى مركز معزول عن محيطه العربي. ومع استمرار هذه الورشة الاستيطانية التي لا تتوقف، يزداد الضغط على المقدسيين لدفعهم نحو الهجرة الطوعية خارج حدود المدينة التي تضيق عليهم يوماً بعد يوم.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا