آخر الأخبار

إسرائيل تغلق جمعية برج اللقلق بالقدس بقرار من بن غفير

شارك

بموجب أمر موقع من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير أغلقت شرطة الاحتلال الإسرائيلي جمعية "برج اللقلق المجتمعي" في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، يأتي هذا الإجراء في سياق تصاعدي لاستهداف المؤسسات الفلسطينية في المدينة، وبعد يومين فقط من مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) على حزمة قرارات تهدف إلى "إعادة هندسة" الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية والقدس المحتلة بما ينسجم ويهودية الدولة.
اقتحمت في الساعة العاشرة والنصف من صباح أمس قوة كبيرة من الشرطة الإسرائيلية مقر جمعية برج اللقلق المجتمعي الكائن في حي باب حطة بالبلدة القديمة في القدس المحتلة. أُجبر الموظفون على مغادرة مكاتبهم فوراً، وتم إغلاق أبواب الجمعية بالسلاسل والشمع الأحمر. وسلمت القوات مدير الجمعية، منتصر ادكيدك، نسخة من الأمر العسكري الذي يقضي بإغلاق الجمعية لمدة ستة أشهر، قابلة للتجديد.
واستند قرار الإغلاق - الموقع شخصياً من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير - إلى ما يسمى "قانون التطبيق" الذي يوسع نطاق القانون الإسرائيلي ليشمل القدس الشرقية المحتلة. وجاء في نص القرار أن الإغلاق يأتي بعد إعلام الوزير بأن "نشاطاً للسلطة الفلسطينية أو نيابة عنها، أو تحت رعايتها، يجري في برج اللقلق من دون تصريح مكتوب". وزعم القرار أن الجمعية تعمل بتمويل من السلطة الفلسطينية وتمارس "أنشطة سيادية" نيابة عنها في القدس، وهو ما تعتبره إسرائيل انتهاكاً للاتفاقات الموقعة (في إشارة إلى اتفاقيات أوسلو).
ولا يأتي قرار الإغلاق بمعزل عن المشهد السياسي العام. فقبل يومين فقط من هذا الإجراء صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابينت" على حزمة قرارات وصفتها وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنها تهدف إلى "إعادة هندسة" الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها. تشمل هذه القرارات، إلغاء العمل ببنود من القوانين الأردنية التي كانت تحمي الأراضي الفلسطينية من الاستيلاء. ونقل صلاحيات مدنية وقانونية إضافية للإدارة المدنية (الذراع العسكري للحكم في الضفة). وتمكين المستوطنين من شراء الأراضي بشكل مباشر في مناطق واسعة.
ويعتبر برج اللقلق هو نصب تاريخي يقع في الجهة الشمالية الشرقية من أسوار البلدة القديمة. وفقاً للمصادر التاريخية الفلسطينية، يعود تاريخ بنائه إلى العهد الأيوبي عام 1187م على يد القائد صلاح الدين الأيوبي، كجزء من مشروع تحصين القدس بعد تحريرها من الصليبيين. ثم أعيد بناؤه وتوسيعه في العهد العثماني في عهد السلطان سليمان القانوني خلال القرن السادس عشر. يتميز البرج بطرازه المعماري العثماني، حيث تعلو واجهتيه الشمالية والشرقية زخارف هندسية، ويحتوي على فتحات كانت تستخدم قديماً لأغراض الرماية. يمنحه موقعه المطل على المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وله موقع ومكانه تاريخية فريدة.
تأسست جمعية مركز برج اللقلق المجتمعي في 10 كانون الأول/ديسمبر 1991، وفقاً لمديرها منتصر ادكيدك، كاستجابة شعبية مباشرة. وتحولت الجمعية منذ ذلك الحين إلى مؤسسة وطنية غير ربحية تهدف للحفاظ على الأرض وخدمة المجتمع المقدسي خاصة سكان البلدة القديمة.
علماً أن الاحتلال كان يخطط لبناء 240 وحدة استيطانية على أراضي البرج.
وأكد ادكيدك في تصريحات خاصة ب" القدس" أنه تم تشكيل طاقم من المحامين المقدسيين لمتابعة الملف أمام القضاء الإسرائيلي، وقال أن الجمعية تقدم خدماتها لـ300 إلى 500 شخص يومياً، وتشكل المتنفس الوحيد لآلاف الأطفال والشباب والنساء في البلدة القديمة، خصوصاً في حي باب حطة المكتظ. تمتد مرافق الجمعية على مساحة تقارب 9.5 دونمات، مما يجعلها ثاني أكبر مساحة مفتوحة داخل أسوار البلدة القديمة بعد المسجد الأقصى المبارك.
وأوضح ادكيدك أن الجمعية تضم، منشآت رياضية، ملعب كرة قدم رئيسي (القلب النابض للجمعية)، وملعب كرة سلة للفتيات، وخيمة "البرج" المخصصة للفنون القتالية مثل الجودو والتايكواندو. هذا بالإضافة الى مرافق تربوية وتعليمية، روضة أطفال، مختبر حاسوب، معمل للخزف، ومكتبة تحمل اسم الراحل فيصل الحسيني.
وأضاف لدينا برامج مجتمعية، لتمكين المرأة، ودعم نفسي وتربوي، وأنشطة لتعزيز الهوية المقدسية.
ويكتسب برج اللقلق رمزية وطنية استثنائية في الذاكرة الفلسطينية.
و الموقع الوحيد في القدس الشرقية الذي عُقدت عليه جلسة للمجلس التشريعي الفلسطيني عام 1998 برئاسة أحمد قريع. ورغم أن أعضاء المجلس تعرضوا لاعتداء من الشرطة الإسرائيلية، إلا أن هذه الجلسة بقيت محفورة في الذاكرة كتأكيد على الهوية الفلسطينية للمدينة.
وترى أوساط قانونية أن بن غفير يستخدم صلاحياته الواسعة كوزير للأمن القومي (الذي تشمل الشرطة وحرس الحدود) لتنفيذ أجندته الأيديولوجية.
ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصادر في وزارة الأمن القومي قولها إن بن غفير يعتبر إغلاق برج اللقلق "بداية حملة واسعة لتنظيف القدس من أوكار السلطة الفلسطينية".
من الناحية القانونية الإسرائيلية، يستند القرار إلى "قانون منع نشاط السلطة الفلسطينية في القدس" الذي صدر عام 1994، والذي يحظر على السلطة الفلسطينية أو أي جهة تعمل نيابة عنها القيام بأي نشاط في القدس.
غير أن منظمة "عير عميم" الإسرائيلية (منظمة غير حكومية تراقب أوضاع القدس) علقت على القرار بأن "هذا القانون يُستخدم بشكل انتقائي لاستهداف المؤسسات الفلسطينية المجتمعية والثقافية، بينما تُغض السلطات الطرف عن آلاف الأنشطة الاستيطانية والحزبية اليمينية في المدينة".
وأضافت منظمة "عير عميم" في بيان لها أن "إغلاق مركز رياضي وثقافي للأطفال بحجة السيادة هو إجراء متطرف يهدف إلى تضييق الخناق على المجتمع الفلسطيني".
وفي الحديث عن الانعكاسات والتداعيات هذا القرار المتطرف على المستوى الإنساني والاجتماعي قال ادكيدك :"القرار يتسبب بحرمان آلاف الأطفال المقدسيين من متنفس وحيد في البلدة القديمة، يعني الإغلاق حرمان ما بين 300 إلى 500 شخص يومياً من المساحات الآمنة والبرامج الهادفة. هذا الفراغ قد يدفع الشباب إلى أماكن غير منظمة، في ظل شح البدائل داخل البلدة القديمة المكتظة.
ولفت ادكيديك الى أن الهدف من مثل هذه القرارات تفكك النسيج المجتمعي المقدسي، وقال يشكل برج اللقلق نقطة التقاء للأهالي، وإغلاقه يحرم المرأة والشباب من فضاءات التمكين الحيوية.
وأضاف ان اغلاق البرج ضرب الهوية المقدسية، ويستهدف القرار أحد أبرز الصروح التي تعمل على تعزيز فئة الشباب.
ولفت الى ان قرار الاغلاق يأتي سابقة خطيرة للمؤسسات الأخرى، ويمثل القرار سابقة خطيرة تهدد جميع المؤسسات الأهلية المقدسية بمصير مماثل. فإذا أمكن إغلاق مركز رياضي وثقافي للأطفال بحجة "الارتباط بالسلطة"، فلن يسلم أي كيان فلسطيني من هذا المصير.
ويعتبر القرار انتهاك صارخ للقانون الدولي، يعتبر الإغلاق انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على السلطة القائمة بالاحتلال إجراء أي تغييرات من شأنها تغيير طابع المدينة المحتلة. كما أنه تحدٍ صريح لقرارات مجلس الأمن الدولي (مثل القرار 476 و478) الداعية إلى عدم الاعتراف بأي إجراءات إسرائيلية في القدس المحتلة.
بدورها، اعتبرت محافظة القدس القرار "تصعيداً خطيراً" و"ضربة مباشرة لحق أبناء المدينة في الحياة الكريمة". ودعت المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان إلى التحرك العاجل. كما أدانت الرئاسة الفلسطينية ومنظمة التحرير القرار بشدة، واعتبرته "قرصنة وجريمة حرب" وامتداداً للسياسة الإسرائيلية الرامية إلى تهجير المقدسيين.
كما انتقدته منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية مثل "بتسيلم"، معتبرة أنه جزء من سياسة ممنهجة لتعزيز السيطرة على القدس وإضعاف الوجود الفلسطيني فيها.
وصفت أحزاب المعارضة الإسرائيلية (مثل "هناك مستقبل" و"المعسكر الرسمي") القرار بأنه "استفزاز غير مسؤول" في توقيت حساس، ويخدم أجندة بن غفير الشخصية على حساب المصالح الأمنية والسياسية لإسرائيل.
وأعلنت إدارة جمعية برج اللقلق المجتمعي، عبر مديرها منتصر ادكيدك، أنها ستخوض معركة قانونية بمساعدة طاقم من المحامين المختصين للطعن في القرار أمام المحكمة الإسرائيلية العليا.
لا شك أن قرار إغلاق "برج اللقلق" ليس حدثاً منفرداً، بل هو حلقة جديدة في مسلسل طويل من الاستهداف الممنهج للوجود الفلسطيني في القدس. إنه قرار سياسي بامتياز، يتخذ من الظروف الراهنة غطاءً لتصفية مؤسسات المجتمع المدني المقدسي. يمثل الصرح الثقافي التاريخي رمزاً للصمود، وإغلاقه لن ينهي الحلم الفلسطيني، لكنه يكشف بوضوح الوجه الحقيقي لحكومة الاحتلال الحالية.





القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا