آخر الأخبار

الإذاعة في يومها: رهان البقاء في عصر التحولات الرقمية

شارك

نبهان خريشة: يجب النظر للتحول الرقمي بوصفه فرصة لإعادة ابتكار الإذاعة عبر توسيع حضورها بمجالات متعددة كالبودكاست وتعزيز التفاعل الفوري
علي دراغمة: مستقبل الإذاعة مرتبط بقدرتها على التكيّف مع التحولات الرقمية السريعة واستثمارها بطريقة تضمن استمرارها كوسيلة إعلامية مؤثرة
شروق الأسعد: مجال البودكاست والمنصات الرقمية أحدث تحولاً واضحاً في المشهد الإعلامي لكنه لم يلغِ دور الإذاعة التقليدية أو يحل محلها
فراس الطويل: فكرة الإذاعة نفسها لا تزال قائمة لكن المحتوى يتغير باستمرار وعدم التكيف قد يفقد المؤسسات الإذاعية موقعها بالسوق الإعلامي
نجود القاسم: شعار الاحتفال باليوم العالمي للإذاعة هذا العام المرتبط بالذكاء الاصطناعي يمثل دعوة لتوظيفه بما يخدم مصداقية العمل الإذاعي
مراد السبع: مخاوف متزايدة من توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي واحتمال حلول أصوات صناعية محل المذيعين لكنها "سيف ذو حدين"
وصال أبو عليا: الإذاعة لا تُنقذ بتغيير الاستوديوهات أو توسيع الحضور على المنصات الرقمية فقط بل بإعادة تعريف دورها في المجتمع



رام الله - خاص ب"القدس"- في اليوم العالمي للإذاعة، الذي وافق الثالث عشر من الشهر الجاري، تعود هذه الوسيلة العريقة إلى واجهة النقاش الإعلامي بوصفها منصة نجحت في الصمود لأكثر من قرن رغم التحولات التقنية المتسارعة.
ويرى إذاعيون وصحافيون وخبراء في الإعلام في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أنه بين انتشار البودكاست وهيمنة المنصات الرقمية، تواجه الإذاعة اختباراً جديداً يتعلق بقدرتها على إعادة تعريف دورها والحفاظ على علاقتها اليومية مع الجمهور.



وسيلة إعلامية تجاوز عمرها قرناً كاملاً

يوضح الصحفي نبهان خريشة، الذي عمل مراسلاً إذاعياً لعدد من المحطات المحلية والدولية، أن الاحتفال باليوم العالمي للإذاعة يشكّل مناسبة لاستحضار مسيرة وسيلة إعلامية تجاوز عمرها قرناً كاملاً، استطاعت خلاله التكيف مع تحولات كبرى دون فقدان جوهرها.
ويؤكد خريشة أن الإذاعة منذ نشأتها لم تكن مجرد وسيلة لبث الأخبار والأغاني، بل نافذة الناس إلى العالم، ورفيقة في أزمنة الحرب والسلم، ومنصة للثقافة والمعرفة، نافست الصحافة المكتوبة ثم التلفزيون، وبقيت حاضرة في الحياة اليومية.

الإذاعة في القرن الحادي والعشرين

ويشير خريشة إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الإذاعة في القرن الحادي والعشرين لم يعد نابعاً من وسائل إعلام تقليدية، بل من فضاء رقمي مفتوح تقوده منصات التواصل الاجتماعي وخدمات البث عند الطلب والبودكاست، التي أعادت صياغة العلاقة بين الجمهور والمحتوى.
ويوضح خريشة أن المستمع لم يعد ينتظر مواعيد نشرات محددة، بل أصبح يختار ما يريد الاستماع إليه في الوقت الذي يناسبه، ما أدى إلى تراجع احتكار الإذاعة للصوت، وإن لم يؤدِ إلى فقدانها جمهورها بالكامل.
ويبيّن خريشة أن سر استمرار الإذاعة يكمن في بساطتها ومرونتها، فهي لا تتطلب بنية تقنية معقدة أو اتصالاً سريعاً بالإنترنت، ويمكن الوصول إليها عبر أجهزة بسيطة أو تطبيقات الهواتف الذكية.
ويشير خريشة إلى أنه في أوقات الأزمات والكوارث، تعود الإذاعة لتؤكد أهميتها كوسيلة سريعة وموثوقة للوصول إلى الجمهور، مشدداً على أن الاعتماد على هذا الثبات وحده لم يعد كافياً في ظل تسارع التحولات التقنية.

الذكاء الاصطناعي وتغيير مفاهيم الإنتاج الإذاعي

ويلفت خريشة إلى أن دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار غيّر مفاهيم الإنتاج الإذاعي، حيث باتت هذه التقنيات قادرة على كتابة النصوص وتوليد الأصوات وتحليل بيانات الجمهور بدقة عالية، ومع هذا التحول، لم يعد دور المذيع مقتصراً على قراءة النصوص، بل أصبح مطالباً بأن يكون صانع محتوى متعدد المهارات، يدير حضوره عبر المنصات الرقمية ويحوّل إنتاجه الإذاعي إلى مواد قابلة للمشاركة وإعادة الاستخدام.
ويحذر خريشة من أن الصحفيين والفنيين الإذاعيين الذين لا يواكبون هذه التطورات قد يجدون أنفسهم خارج المنافسة، في ظل اتجاه المؤسسات الإعلامية إلى تفضيل الكفاءات التي تجمع بين المهارات المهنية التقليدية والقدرات التقنية الحديثة، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية وتقليص النفقات.
ويعتبر خريشة أن التمسك بأدوات الماضي قد يحوّل بعض الصحفيين العاملين إلى جزء من أرشيف مهني مهم لكنه محدود الفاعلية.
ويدعو خريشة إلى النظر للتحول الرقمي بوصفه فرصة لإعادة ابتكار الإذاعة، عبر توسيع حضورها في مجالات البودكاست والبث الحي عبر الإنترنت، وتعزيز التفاعل الفوري مع الجمهور.
ويشير خريشة إلى إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الإنتاج الصوتي وتحليل تفضيلات المستمعين وتخصيص المحتوى، محذراً من أن تجاهل هذه الإمكانات قد يدفع الإذاعة إلى هامش المشهد الإعلامي.

أمام اختبار حاسم

ويرى خريشة أن مستقبل الإذاعة لا يتمثل في الفناء بل في التحول، فهي وسيلة أثبتت قدرتها على الصمود لأكثر من مئة عام، لكنها تقف اليوم أمام اختبار حاسم: إما أن تندمج بفاعلية في منظومة الإعلام الرقمي مع الحفاظ على طابعها الصوتي الحميم، أو تبقى أسيرة نموذج تقليدي لم يعد يلبي حاجات جمهور سريع التغير، ما يجعل يومها العالمي مناسبة للتفكير في مستقبلها بقدر ما هو احتفاء بتاريخها.

الإذاعة ونوع البرنامج المقدم

يرى الصحفي والمذيع بإذاعة النجاح في نابلس علي دراغمة أن الإذاعة ما زالت تحافظ على حضورها وتأثيرها، رغم التسارع الكبير في تطور الإعلام الرقمي وانتشار البودكاست ومواقع التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن تأثير هذه الوسائط يختلف باختلاف نوع البرامج وتوقيتها.
ويوضح دراغمة أن البرامج الإذاعية الصباحية تحديداً لم تتأثر بشكل ملحوظ، ولا تزال تحظى بنسبة استماع مرتفعة، خاصة في مدينة نابلس، حيث يعتمد كثير من المواطنين على الإذاعة خلال توجههم إلى أعمالهم صباحاً لمتابعة الأخبار والتفاصيل اليومية.
ويشير دراغمة إلى أن مؤشرات التفاعل، من حيث حجم القراءات والمشاهدات المرتبطة بالبرامج، تعكس استمرار حضور هذه الفقرة الزمنية وقوتها، في حين أن برامج أخرى خارج الفترة الصباحية تراجعت بشكل واضح وكادت تختفي.

البودكاست ضمن برامج البث

ويبيّن دراغمة أن البودكاست أحدث تأثيراً عاماً على محتوى الإذاعة، كما أثّر على وسائل الإعلام الأخرى مثل التلفزيون، معتبراً أن كل وسيلة إعلامية جديدة تفرض تحديات مباشرة على الوسائل التقليدية.
ومع ذلك، يشدد دراغمة على إمكانية الحفاظ على الإذاعة وتطويرها عبر توظيف التكنولوجيا الرقمية وتطويع أدوات الحداثة لخدمة العمل الإذاعي.
ويشير دراغمة إلى أن إدماج البودكاست ضمن العمل الإذاعي يمكن أن يشكل فرصة لتعزيز حضور الإذاعة، من خلال إنتاج محتوى صوتي يُبث كجزء من الدورة البرامجية اليومية.
ويلفت دراغمة إلى أن مستقبل الإذاعة مرتبط بقدرتها على التكيّف مع التحولات الرقمية السريعة، واستثمارها بطريقة تضمن استمرارها كوسيلة إعلامية مؤثرة.

الإذاعة صامدة رغم التحول الإعلامي

ترى الصحفية شروق الأسعد، مراسلة إذاعة مونت كارلو الدولية، أن التطور السريع في مجال البودكاست والمنصات الرقمية أحدث تحولاً واضحاً في المشهد الإعلامي، لكنه لم يلغِ دور الإذاعة التقليدية أو يحل محلها.
وتوضح الأسعد أن البودكاست فتح مساحة أوسع وأكثر حرية للتعامل مع القضايا المختلفة، بعيداً عن القيود التحريرية الصارمة، ما أتاح مشاركة شرائح أوسع من الناس ومنح المجتمعات مساحة أكبر للتعبير.
وتؤكد الأسعد أن هذا التطور يمكن وصفه بأنه مشاركة للفضاء المعلوماتي والأثير بين وسائط متعددة، وليس استبدالاً لوسيلة بأخرى. وبحسب الأسعد، ما زالت الإذاعة تحتفظ بمكانتها كوسيلة قريبة من الناس، ترافقهم في سياراتهم وعلى الطرقات وفي أماكن العمل، وتتميز بحميمية الصوت وقدرته على خلق علاقة مباشرة مع المستمع.
وتؤكد الأسعد أن هذه الخصوصية الصوتية تجعل الإذاعة جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع، وتحافظ على أهميتها رغم التغيرات التكنولوجية المتسارعة.

التعايش بين الإذاعة والبودكاست

وتعتبر الأسعد أن التعايش بين الإذاعة والبودكاست يعكس تنوع أدوات الإعلام الحديثة، حيث يكمل كل منهما الآخر في تلبية احتياجات الجمهور، مع استمرار الإذاعة كوسيلة ذات حضور اجتماعي وثقافي راسخ.

تغيّر طبيعة الجمهور وأنماط المحتوى

يؤكد المذيع والصحفي فراس الطويل أن يوم الإذاعة العالمي يشكّل مناسبة للتأكيد على أن الإذاعة، رغم تراجع الاهتمام بها في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، ما زالت تحتفظ بنكهتها الخاصة وأهميتها كوسيلة إعلامية قادرة على الاستمرار، وإن كانت لم تعد كما كانت في السابق بسبب تغيّر طبيعة الجمهور وأنماط المحتوى.
ويوضح الطويل أن الجمهور اليوم بات يميل إلى المحتوى السريع والقصير، ولم يعد كثيرون يحتملون الاستماع إلى تقارير إذاعية طويلة.

أهمية تعزيز الحضور على منصات التواصل الاجتماعي

ويشير الطويل إلى أن هذا التحول فرض على الإذاعات محاولة التكيّف عبر تعزيز حضورها على منصات التواصل الاجتماعي لتعويض تراجع الاستماع التقليدي عبر أجهزة الراديو، التي بات وجودها محصوراً في أماكن محدودة مثل بعض أماكن العمل أو المنازل، إضافة إلى حضورها الواضح في السيارات خلال التنقلات اليومية.
ويبيّن الطويل أن فكرة الإذاعة نفسها ما زالت قائمة، لكن طبيعة المحتوى تتغير باستمرار، مؤكداً أن المؤسسات الإذاعية التي تعجز عن التكيف مع هذا التحول قد تفقد موقعها في السوق الإعلامي.

شروط مواكبة التغيير

ويلفت الطويل إلى أن مواكبة التغيير تتطلب وجود منتجي محتوى قادرين على متابعة العصر الحالي، إلى جانب اختيار ضيوف ينسجمون مع اهتمامات الجمهور، فضلاً عن ضرورة امتلاك المذيعين مهارات تواصل حديثة تبتعد عن الخطاب الرسمي الجامد.
ويشدد الطويل على أن الإذاعي لم يعد مقبولاً أن يخاطب جمهوره بلغة متعالية أو بعيدة عن الناس، بل يجب أن يستخدم لغة بسيطة وقريبة يفهمها الجميع، من المواطن البسيط إلى المسؤول الرسمي.
ويعتبر الطويل أن هذه القاعدة كانت موجودة سابقاً لكنها اليوم تتطلب مرونة أكبر بإيصال الرسالة، في ظل تسارع وتيرة الحياة واعتماد الجمهور على استهلاك المحتوى السريع.

المواكبة لا تعني تسطيح المحتوى

ويؤكد الطويل أن مواكبة الإذاعة للجمهور لا تعني تسطيح المحتوى أو الاكتفاء بالترفيه، بل تستوجب تقديم مادة إعلامية هادفة تحمل رسالة واضحة وتوفر معلومات مفيدة، مع الحفاظ على دور الإذاعة كوسيلة لإيصال المعرفة، وليس مجرد منصة للأغاني والتسلية.
ويشير الطويل إلى أن استمرار عمل الإذاعات حتى اليوم، وافتتاح محطات جديدة رغم التحذيرات من تراجع السوق، دليل على أن هذا القطاع ما زال يمتلك فرصاً للبقاء.
ويشدد الطويل على أن الحفاظ على وجود الإذاعة في ظل طفرة وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو السريعة يتطلب تجديداً مستمراً في أساليب تقديم المحتوى والخطاب الإعلامي، بما يتناسب مع طبيعة الجمهور الذي بات يمر على كمّ هائل من المواد البصرية في وقت قصير، ويتوقع إيقاعاً أسرع وأكثر حيوية حتى في المحتوى الصوتي.

تطوير أدوات الإنتاج وتسريع وتيرة التغطية الإخبارية

ترى الصحفية نجود القاسم والتي عملت لسنوات مراسلة إذاعية لعدد من الإذاعات العربية والدولية أن الثورة التكنولوجية أحدثت تحولاً جذرياً وإيجابياً في العمل الإذاعي، وأسهمت في تطوير أدوات الإنتاج وتسريع وتيرة التغطية الإخبارية، ما مكّن الإذاعة من الحفاظ على حضورها في عصر الإعلام الرقمي وتكييف نفسها مع أنماط الاستهلاك الجديدة لدى الجمهور.
وتستعيد القاسم بدايات تجربتها المهنية، مشيرة إلى الفارق الكبير بين العمل بأجهزة التسجيل التقليدية الثقيلة، التي كانت تعاني من التشويش وتأثر الصوت بالمحيط، وبين استخدام الهواتف الذكية اليوم لتسجيل مقابلات بجودة عالية وصوت واضح، مع تقليل الضوضاء والمؤثرات الخارجية.
وتوضح القاسم أن هذا التطور التقني لم يسهّل العمل الميداني فحسب، بل جعله أكثر متعة وأقل إرهاقاً، وأسهم في رفع جودة المواد الإذاعية المقدمة للجمهور.
وتؤكد القاسم أن التكنولوجيا عززت أيضاً التواصل بين المراسلين وغرف الأخبار، حيث أصبح الصحفي جزءاً دائماً من غرفة التحرير حتى أثناء وجوده في الميدان، وبفضل أدوات الاتصال الحديثة، بات تبادل المعلومات والتشاور حول كيفية معالجة الأخبار يتم لحظة بلحظة، حتى بين زملاء يعملون في مدن ودول مختلفة.
وتشير القاسم إلى أن هذا الترابط ساهم في تطوير آليات التغطية الإخبارية واتخاذ قرارات تحريرية أسرع وأكثر دقة.
وتلفت القاسم إلى أن الإذاعة، المعروفة أصلاً بسرعة تغطيتها للأحداث مقارنة بوسائل الإعلام الأخرى، المفترض أنها اكتسبت بفضل التطور التكنولوجي سرعة إضافية، سواء في البث المباشر أو في إعداد التقارير.
وتوضح القاسم أنها كثيراً ما كانت تنهي إعداد تقرير صوتي بالتزامن مع بدء نشرة الأخبار، ثم ترسله فوراً عبر تطبيقات المراسلة إلى الاستوديو ليُبث بعد ثوانٍ.
وتقارن القاسم ذلك بمرحلة أواخر التسعينيات، حين كانت بعض الإذاعات تضطر إلى تأجيل البث أو ملء الوقت بالأغاني انتظاراً لوصول الصحف الورقية لقراءتها على الهواء، وهو ما يعكس حجم التحول الذي أحدثته التكنولوجيا في بيئة العمل الإذاعي.
وبحسب القاسم، فإن أثر التطور التكنولوجي لا ينفصل عن طبيعة الإذاعة نفسها، التي تتميز بالمرونة والقدرة على التكيف والصمود في العصر الرقمي.

أهمية الحفاظ على الجمهور

وتشير القاسم إلى أن الإذاعات الهامة للجمهور هي التي سعت إلى الحفاظ على جمهورها من خلال مناقشة قضاياه بعمق، وتخصيص برامج لفئات مختلفة، ومتابعة تفاعل المستمعين عبر منصات التواصل الاجتماعي والأخذ باقتراحاتهم، والتي تبنت قوالب برامج متنوعة، من بينها البودكاست المنتج بصورة احترافية، لجذب شرائح جديدة من الجمهور.
وتؤكد القاسم أن الإذاعة الفاعلة هي التي تواكب تغير أنماط استهلاك الإعلام، خصوصاً لدى الأجيال الشابة التي تعتمد بشكل كبير على الإنترنت، من خلال البث الرقمي، وإتاحة المواد للاستماع عند الطلب، وإعادة إنتاج محتوى قصير بصيغة فيديو للنشر عبر المنصات الاجتماعية. وتستشهد القاسم بتجربتها في إحدى الإذاعات، حيث كانت تُعقد بشكل دوري نقاشات داخلية لتقييم احتياجات الجمهور، ولا سيما الشباب والفئات المهمشة، ما أدى إلى تعديلات مستمرة في طبيعة البرامج ومضامينها.
وتوضح القاسم أن هذه التحولات شملت الانتقال من التركيز على الأخبار والتقارير القصيرة إلى إعطاء مساحة أكبر لأصوات الناس، ولا سيما الشباب والنساء والفئات المهمشة، عبر برامج مخصصة لكل فئة، وبهذا تحولت الإذاعة إلى منصة لعرض آراء الجمهور وهمومه.
وتشير القاسم إلى أنه جرى التوسع في البث عبر الإنترنت، وأرشفة البرامج، خصوصاً التحليلية منها، إضافة إلى الاستثمار في إنتاج البودكاست، مع التركيز على موضوعات غير مطروقة في الإعلام المحلي والعربي.
وترى القاسم أن قدرة الإذاعة على الحفاظ على نفسها ترتبط بطرح قضايا جديدة، والتحول إلى صوت يعكس مشكلات الناس، إلى جانب تطوير قدرات العاملين في المجال الإذاعي ومواكبة المستجدات التقنية.

أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات

وتشير القاسم إلى أن شعار الاحتفال باليوم العالمي للإذاعة هذا العام، المرتبط بالإذاعة والذكاء الاصطناعي، يمثل دعوة لتوظيف هذه التقنيات بما يخدم مصداقية العمل الإذاعي، مع تدريب الكوادر على استخدامها بفعالية.
وتؤكد القاسم أن التكنولوجيا قدمت تأثيرات إيجابية كبيرة على الإذاعة، وأن بإمكان هذه الوسيلة الحفاظ على حضورها عبر تبني قضايا الجمهور والدفاع عنها بعمق، وإعداد برامج احترافية تراعي طبيعة العالم المتصل، والتفاعل المستمر مع المستمعين، وفهم احتياجات الشباب واختيار الأساليب المناسبة لمخاطبتهم. وتشدد القاسم على أهمية الحفاظ على المصداقية والاستقلالية، وضمان وصول الإذاعة إلى المناطق النائية التي تعاني ضعف الإنترنت، إضافة إلى الاستثمار في تدريب الإذاعيين على المهارات الجديدة.

جمهور البودكاست

وتلفت القاسم إلى وجود جمهور واسع للبودكاست، ما يستدعي اهتمام الإذاعات بإنتاجه بجودة مهنية عالية، في ظل عالم أصبح فيه أي شخص قادراً على إنتاج محتوى صوتي. وترى القاسم أن الاستثمار في بودكاست احترافي يعزز ثقة الجمهور ويقوي ولاءه للمؤسسات الإذاعية، ويمنح الإذاعة فرصة إضافية لترسيخ مكانتها في المشهد الإعلامي المتغير.

سطوة المنصات الرقمية والوصول للجمهور

يؤكد الصحفي والمذيع مراد السبع أن اليوم العالمي للإذاعة يمثل مناسبة للاحتفاء بقيمة الصوت البشري بوصفه أداة إنسانية قادرة على التأثير العاطفي والمعرفي، مشيراً إلى أن الإذاعة ما زالت رمزاً للإخبار والترفيه ووسيلة تصل إلى مختلف الفئات العمرية، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات كبيرة فرضها تطور الإعلام الرقمي.
ويوضح السبع أن الإذاعة تأثرت بشكل واضح بسطوة المنصات الرقمية، معتبراً أن والمحطات التي لم تواكب هذا التحول مهددة بتراجع حضورها وتأثيرها.
ويبيّن السبع أن الهدف الأساسي لأي محطة إذاعية يتمثل في الوصول إلى المستمع أينما كان، في ظل تراجع امتلاك أجهزة الراديو التقليدية واعتماد شريحة واسعة من الجمهور على الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب في تلقي المحتوى.
ويشير السبع إلى أن الاستماع إلى الإذاعة بات يتركز بشكل كبير في السيارات، ما يفرض على المؤسسات الإذاعية البحث عن وسائل إضافية للوصول إلى الجمهور في أماكن أخرى، مثل المنازل وأماكن العمل.
ويشدد السبع على أهمية استثمار منصات التواصل الاجتماعي كقنوات أساسية للبث والتواصل، من خلال البث المباشر عبر تطبيقات ومنصات مختلفة، نظراً لكونها فضاءات رقمية يتصفحها المستخدمون باستمرار وتشكل نقطة التقاء رئيسية مع الجمهور.

البودكاست ليس بديلاً حقيقياً للإذاعة

وفيما يتعلق بتأثير البودكاست، يرى السبع أنه لم يشكل بديلاً حقيقياً للإذاعة، موضحاً أن كثيراً من المواد المصنفة كبودكاست تُنتج أصلاً داخل استوديوهات إذاعية وتُبث عبر الإذاعة قبل أرشفتها على المواقع الإلكترونية.
ويؤكد السبع أن مفهوم البودكاست بصيغته الأصلية، بوصفه مكتبة صوتية متكاملة يمكن الاستماع إليها في أي وقت ومكان، لم يُطبق بالكامل في البيئة الإعلامية المحلية.
ويعزو السبع ذلك إلى تحديات تتعلق بالبنية التحتية، من بينها عدم استقرار خدمة الإنترنت في بعض المناطق وارتفاع تكاليف الاتصال، ما يحد من قدرة الجمهور على الاستفادة الكاملة من المحتوى الصوتي عند الطلب.
ويلفت السبع إلى أن البودكاست، في شكله المثالي، يتطلب اتصالاً دائماً ومستقراً بالشبكة، وهو ما لا يتوافر دائماً في السياق المحلي.
ويشدد السبع على أن الإذاعة، في جوهرها، قائمة على الصوت البشري الذي يمتلك قدرة فريدة على التأثير في المشاعر، سواء بإثارة الحزن أو الفرح أو مرافقة المستمع في لحظات الوحدة.

الصوت البشري لا يمكن إسكاته

ويعتبر السبع أن هذه الخصوصية تجعل من الصعب تصور اختفاء الإذاعة، مؤكداً أن "الصوت البشري لا يمكن إسكاته"، وأن حضوره سيظل أساسياً في مختلف أشكال التواصل.
ويشير السبع إلى وجود مخاوف متزايدة من توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي، واحتمال حلول أصوات صناعية محل المذيعين.
ويصف السبع هذه الظاهرة بأنها "سيف ذو حدين"، إذ يمكن أن تسهم في تحسين جودة المحتوى والأداء الصوتي إذا استُخدمت بشكل مدروس، لكنها لا تستطيع أن تحل محل البعد الإنساني الذي يحمله الصوت البشري.
ويؤكد السبع أن مستقبل الإذاعة مرهون بقدرتها على مواكبة التطورات التكنولوجية دون التفريط بهويتها الإنسانية، مشدداً على أن الأثير سيبقى فضاءً مفتوحاً للصوت البشري رغم القيود التنظيمية، وأن الإذاعة قادرة على الاستمرار ما دامت قادرة على التطور والتفاعل مع جمهورها في عالم إعلامي سريع التغير.

الإعلام الرقمي لم يلغِ الراديو

توضح الإذاعية والصحفية وصال أبو عليا أن الإذاعة لم تكن بمنأى عن التحولات العميقة التي فرضها الإعلام الرقمي والبودكاست، لكنها في الوقت ذاته لم تتحول إلى ضحية لهذه التحولات، بل انتقلت من موقع اليقين إلى موقع التساؤل حول دورها ومعناها وجدواها في عالم تحكمه السرعة وتعيد الخوارزميات تشكيل ذائقته الإعلامية.
وتؤكد أبو عليا أن الإعلام الرقمي لم يلغِ الراديو، بل وضعه أمام اختبار جوهري يتعلق بطبيعته ووظيفته: هل هو مجرد وسيلة لنقل الأخبار، أم فضاء أوسع لبناء المعنى وتفسير العالم؟
وتشير أبو عليا إلى أنه في زمن السبق الصحفي واللحظة الخاطفة فقدت الإذاعة امتياز السرعة الذي كان يميزها، لكنها احتفظت بعناصر أكثر عمقاً واستمرارية، تتمثل في قدرتها على الإنصات والتحليل وبناء علاقة طويلة الأمد مع المستمع.

الصوت الذي لا ينافس الشاشة

وترى أبو عليا أن الصوت الإذاعي لا يدخل في منافسة مباشرة مع الشاشة، لأنه يعمل في مساحة مختلفة؛ فهو يخاطب الخيال أكثر مما يخاطب البصر، ويتوجه إلى الوعي بدلاً من الاستهلاك السريع، ويخاطب الذاكرة لا التدفق العابر للمحتوى.
وبحسب وصف أبو عليا، فإن هذه الخصوصية تمنح الإذاعة قدرة فريدة على إنتاج معنى متراكم، بعيداً عن إيقاع الاستهلاك السريع الذي يطغى على كثير من منصات الإعلام الرقمي.
وفي ما يتعلق بالبـودكاست، تبيّن أبو عليا أنه رغم التشابه الصوتي بينه وبين الإذاعة، فإنه ينتمي إلى منطق مختلف في الإنتاج والتلقي. فالبودكاست، كما توضح أبو عليا، تجربة فردية واختيارية يمكن تأجيلها والاستماع إليها في أي وقت، ولا ترتبط بزمن بث محدد أو بجمهور حي يتشارك اللحظة نفسها، لكن في المقابل، تظل الإذاعة فعلاً جماعياً يحدث آنياً، ويخلق شعوراً بالمشاركة والمسؤولية العامة بين المستمعين.

البودكاست مرآة تكشف مجالات تحتاجها الإذاعة

وبحسب أبو عليا، فإنه من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار البودكاست بديلاً للإذاعة، بل مرآة تكشف المجالات التي تحتاج الإذاعة إلى تطويرها من دون التخلي عن هويتها أو دورها المجتمعي.
وعن دور العاملين في المجال الإذاعي في ظل التحولات التكنولوجية، تشير أبو عليا إلى أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في التكنولوجيا نفسها، بل في كيفية استخدامها.
فالعاملون في الإذاعة، بحسب أبو عليا، لا يعيشون صراعاً مع الأدوات الجديدة بقدر ما يواجهون خطر الاستخدام السطحي لها وفقدان البوصلة المهنية والفكرية.

المستمع والبحث عن صوت يشبهه

وتؤكد أبو عليا أن التجربة الإذاعية المعاصرة أظهرت أن الميكروفون وحده لم يعد كافياً، وأن الصحافة الصوتية لم تعد تُقاس بنبرة الصوت فقط، بل بعمق المعرفة وجودة التحليل والقدرة على ربط الأحداث بسياقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، وبهذا المعنى، تحول الإذاعي من ناقل للمعلومة إلى منتج معرفة ومفسر للواقع ووسيط للوعي.
وتلفت أبو عليا إلى أن كثيراً من العاملين في الإذاعة يلاحظون أن الجمهور لم يهجر هذه الوسيلة بقدر ما ابتعد عن الخطاب السريع والفارغ.
فالمستمع، وفق أبو عليا، ما زال يبحث عن صوت يشبهه وينصت إليه ويعامله كشريك في الفهم، لا كرقم في إحصاءات نسب الاستماع. وهنا تستعيد الإذاعة، كما ترى أبو عليا، معناها الأصيل بوصفها مساحة للثقة في زمن اهتزت فيه مصداقية كثير من الخطابات العامة.
وفي ما يتعلق بمستقبل الإذاعة، تؤكد أبو عليا أن الحفاظ عليها ممكن بل ضروري، لكنه يتطلب جرأة فكرية قبل أن يكون مجرد تحديث تقني.

إعادة تعريف دور الإذاعة

فالإذاعة، كما ترى أبو عليا، لا تُنقذ بتغيير الاستوديوهات أو توسيع الحضور على المنصات الرقمية فقط، بل بإعادة تعريف دورها في المجتمع.
ووفق أبو عليا، يتمثل هذا الدور في إنتاج محتوى عميق يقاوم منطق الاستهلاك السريع، وإعادة الاعتبار للثقافة والتحليل والسرد الإنساني، والتحول من منصة بث أحادية الاتجاه إلى مساحة إصغاء حقيقية، إضافة إلى تموضعها كوسيط يربط الفرد بسياقه الاجتماعي بدلاً من عزله عنه.
وتشدد أبو عليا على أن الإذاعة التي تحاول تقليد الإعلام الرقمي بشكل كامل تخاطر بفقدان هويتها، بينما تضمن الإذاعة التي تدرك خصوصيتها واختلافها فرص بقائها واستمرار تأثيرها.
وتشير أبو عليا إلى أن الوسيلة، عندما تحافظ على صدقيتها، قادرة على أن تكون صوتاً لمن لا تصل إليهم الخوارزميات، ومساحة لإنتاج المعنى في عالم يتزايد فيه الضجيج الإعلامي.
وتؤكد أبو عليا أن الإذاعة ليست بقايا عصر مضى، بل تمثل شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية الهادئة، فهي صوت لا يعتمد على الصراخ بقدر ما يراكم الوعي، ولا يلهث خلف الاتجاهات العابرة بقدر ما يسعى إلى تعميق الفهم.
وتشدد أبو عليا على أنه في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتراجع فيه القدرة على الإصغاء، تصبح الإذاعة، عندما تبقى وفية لجوهرها الإنساني والمعرفي، ضرورة أخلاقية وثقافية، وصوتاً يذكّر بأن الفهم يحتاج إلى وقت، وأن الإصغاء فعل وعي لا مجرد ترف إعلامي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا