كشف الخبير القانوني حسن بريجية عن أبعاد خطيرة لقرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي استئناف تسجيل أراضي الضفة الغربية المحتلة تحت مسمى 'أملاك دولة'. وأوضح بريجية أن هذا الإجراء يستهدف بشكل مباشر المنطقة المصنفة 'ج'، حيث تسعى تل أبيب لوضع يدها على كل أرض لا يمتلك صاحبها الفلسطيني وثائق ملكية رسمية مسجلة، وهو ما يهدد مساحات شاسعة من الأراضي التاريخية.
وتتولى وحدة 'تسجيل الأراضي' التابعة لما يسمى بوحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الضفة، الإشراف الكامل على هذه العملية. وتشمل الصلاحيات الجديدة إصدار أذونات البيع وجباية الرسوم، في خطوة تهدف لإقصاء السلطة الفلسطينية تماماً عن ممارسة مهامها الإدارية والقانونية في تلك المناطق، مما يعزز السيطرة الإسرائيلية المطلقة.
وأشار بريجية إلى أن هذا الإعلان ليس جديداً كلياً، بل هو تجديد لقرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية في مايو 2025 لاستئناف إجراءات كانت متوقفة منذ احتلال عام 1967. وتستغل إسرائيل الثغرات القانونية الناتجة عن تجميد عمليات 'التسوية' التي كانت قائمة في العهود العثمانية والبريطانية والأردنية، لتمرير مخططات المصادرة الحالية.
بموجب اتفاقية 'أوسلو 2' الموقعة عام 1995، تم تقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق، حيث تقع المنطقة 'ج' التي تشكل 61% من المساحة تحت السيطرة الإسرائيلية. وكان من المفترض أن تكون هذه الترتيبات مؤقتة حتى عام 1999، إلا أن الاحتلال حولها إلى أداة دائمة لمنع الفلسطينيين من تسجيل أراضيهم وتثبيت حقوقهم التاريخية فيها.
ويواجه الفلسطينيون معضلة كبرى، حيث يمتلك الكثير منهم أراضٍ توارثوها عبر الأجيال دون امتلاك سندات 'طابو' رسمية بسبب التجميد الإسرائيلي المتعمد. ويعتمد المزارعون غالباً على 'حجج البيع' العرفية أو إيصالات الضرائب، وهي وثائق تثبت التصرف بالأرض لكن الاحتلال لا يعترف بها اليوم كسندات ملكية نهائية في إجراءاته الجديدة.
تتطلب عملية التسجيل التي تفرضها إسرائيل حالياً إثباتات معقدة ومكلفة، تشمل سجلات إرث وخرائط مساحية يصعب استخراجها في ظل ظروف الاحتلال. ويرى مراقبون أن هذه التعقيدات مقصودة لدفع الفلسطينيين لليأس من تثبيت ملكياتهم، مما يسهل نقل هذه الأراضي لاحقاً إلى المشروع الاستيطاني والمستوطنين بشكل 'قانوني' مزعوم.
وربط الخبير الفلسطيني بين هذا القرار وبين التوجهات السياسية لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يسعى لتعزيز السيطرة على الضفة لكسب ود المستوطنين. وتأتي هذه الخطوات ضمن حزمة قرارات أقرتها الحكومة الإسرائيلية مؤخراً، تهدف إلى إحداث تغيير جذري في الواقع القانوني والمدني في الأراضي المحتلة.
ومن أبرز التغييرات القانونية التي فرضها الاحتلال، إلغاء القانون الأردني الذي كان يمنع بيع الأراضي لليهود في الضفة الغربية، بالإضافة إلى رفع السرية عن سجلات الأراضي. كما وسعت إسرائيل صلاحيات الرقابة والإنفاذ لتشمل المناطق المصنفة 'أ' و'ب'، في خرق واضح وصريح للاتفاقيات الموقعة مع الجانب الفلسطيني.
وتؤكد مصادر حقوقية أن هذه الإجراءات تخالف القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1907 التي تلزم القوة المحتلة باحترام القوانين السارية في الإقليم المحتل. وتعتبر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي كافة الأنشطة الاستيطانية وعمليات مصادرة الأراضي في الضفة والقدس غير شرعية وتعرقل مسار السلام.
وفي سياق متصل، شدد بريجية على أن إسرائيل تنفذ ما يسمى بـ 'الضم التدريجي' للضفة الغربية، متجاهلة القرارات الأممية ومنها قرار مجلس الأمن 2334. كما لفت إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024، والذي أكد بوضوح أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية هو عمل غير قانوني يجب إنهاؤه.
من جانبه، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن تنظيم الأراضي خطوة 'ضرورية أمنياً' لضمان السيطرة الإسرائيلية، فيما وصف سموتريتش العملية بأنها 'ثورة استيطانية'. هذه التصريحات تعكس النوايا الحقيقية للاحتلال في تحويل الإجراءات الإدارية إلى أدوات سياسية لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على قلب الضفة.
وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن الاحتلال استولى على نحو 58 ألف دونم منذ بدء الحرب الحالية، تحت ذرائع مختلفة منها 'أراضي الدولة'. وأكد رئيس الهيئة مؤيد شعبان أن هذه الإجراءات تهدف لإلغاء كل ما أنجزته الحكومة الفلسطينية في ملف تسوية الأراضي خلال السنوات الماضية وفرض وقائع لا يمكن الرجوع عنها.
وتدعي الحكومة الإسرائيلية أن هذه الخطوة تأتي رداً على محاولات السلطة الفلسطينية لتسوية الأراضي في المنطقة 'ج'، زاعمة أنها ستنهي النزاعات القانونية. إلا أن الواقع يشير إلى أن الهدف الحقيقي هو تسوية 15% من مساحة هذه المنطقة لصالح المشروع الصهيوني بحلول عام 2030، وفق ما ذكرته تقارير صحفية عبرية.
إن هذا 'الضم الزاحف' يمثل تهديداً وجودياً لإمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، حيث يتم تقطيع أوصال القرى والمدن الفلسطينية عبر كتل استيطانية مسجلة كـ 'أملاك دولة'. ويبقى الصمود الشعبي والتمسك بالأرض هو خط الدفاع الأخير أمام هذه المخططات التي تحاول شرعنة نهب الموارد والحقوق الفلسطينية بقرارات إدارية باطلة دولياً.
المصدر:
القدس