لا داعي للقلق، كل ما يجري في الضفة الغربية مجرد “إجراءات أمنية ” الدبابات تدخل جنين في وضح النهار ليست أكثر من رسالة حب مدرعة، وكزدورات جنود في نابلس تهديد وجودي لا يستدعي كل هذا الاستنفار، وهدم البيوت في القدس مجرد تطبيق رقيق للقانون، أما التهجير في طولكرم فإعادة تنظيم حضري لا أكثر،الاعتقالات اليومية، تمرين لياقة ديمقراطي ، الحواجز حول رام الله، تحسين لحركة المرور، والأعلام الإسرائيلية التي تُزرع فوق التلال او في بعض القرى ديكور موسمي يعكس روح العيد.
إسرائيل تضمّ الضفة الغربية، ام “تديرها” بإحكام شديد، إلى درجة أن الفلسطيني يحتاج إذنًا ليتنفس بين حاجز وحاجز، لا تفرض السيادة، بل تمارسها بالكامل دون أن تتعب نفسها بإعلان رسمي، لماذا العجلة؟ ما دام الواقع يتشكل يوميًا على الأرض، وما دام المجتمع الدولي يكتفي ببيانات الإدانة والقلق العميق، فلا حاجة لخطاب تاريخي في الكنيست يعلن ما هو قائم فعليًا.
الضم بصيغته الكلاسيكية يحتاج إلى قرار سياسي، وربما ضجيج دبلوماسي، أما الضم الحديث، فهو أكثر أناقة: مستوطنة تتوسع هنا، طريق التفافي يشق تلة هناك، حاجز يتحول من مؤقت إلى دائم، اقتحام يتكرر حتى يصبح اعتياديًا، وبيت يُهدم لأن صاحبه لم يحصل على ترخيص يعلم مسبقًا أنه لن يُمنح له، هكذا تُبنى السيادة… بهدوء إداري.
في الضفة الغربية اليوم، الجرافة أصبحت أداة تفاوض، والحاجز تحول إلى خط حدود فعلي، والدورية العسكرية إلى تعريف يومي لمعنى السيادة، لم يعد السؤال: هل هناك ضم؟ بل: ماذا تبقى خارج هذا الضم المتدرج؟
إنه احتلال بلا اسم، وسيادة بلا إعلان، وضمّ بلا خطاب رسمي ، مشروع يتقدم خطوة خطوة، فيما يُطلب من الفلسطيني أن يتصرف كأن شيئًا لم يتغير، وأن ينتظر مفاوضات قد تعيد له ما لم يعد موجودًا أصلًا.
ربما في النهاية ستعلن إسرائيل الضم رسميًا، لكن عندها سيكون الإعلان مجرد احتفال رمزي بما تحقق فعليًا، فالخرائط لا تُرسم في الخطب، بل على الأرض، حيث تُعاد كتابتها كل يوم، بسخرية سوداء لا تحتاج إلى تعليق.
المصدر:
القدس