أشعلت مبادرة "مجلس السلام" التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإدارة غزة وإعادة إعمارها موجة انتقادات أوروبية حادة خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، وسط اتهامات بأن المشروع لا يحمل ملامح تسوية بقدر ما يعكس هندسة سياسية جديدة تُقصي الأمم المتحدة، وتهمّش أوروبا، وتمنح البيت الأبيض سلطة شبه مطلقة على ملف بالغ الحساسية.
وكان ترمب قد كشف عن المبادرة في المنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا الشهر الماضي، قبل أن تُستكمل ملامحها في ميونيخ. ويضم المجلس دولًا مهمة في الشرق الأوسط، بينها السعودية وقطر والإمارات وتركيا، إضافة إلى باكستان وأرمينيا وأذربيجان وإندونيسيا. غير أن هذا الاتساع الجغرافي لم يقنع الأوروبيين بأنه اتساع سياسي، إذ بدا كأنه تشكيل “ائتلاف جاهز” يتجنب آليات الشرعية الدولية، ويستبدلها بمنطق تحالفات ظرفية تُدار من واشنطن.
ويخشى الأوروبيون أن يتحول هذا الفراغ إلى مساحة لتعويم قرارات سياسية خارج أي رقابة دولية. فحين تُمنح سلطة شبه مطلقة لرئيس واحد على عضوية المجلس وصلاحياته، تصبح الفكرة أقرب إلى "حكومة ظل" دولية تُدار بإرادة سياسية لا بضوابط قانونية، وهو ما يضعف أي حديث عن شراكة متوازنة. كما أن تغييب الفلسطينيين من النصوص، ولو بشكل غير مباشر، يعكس استمرار التعامل معهم كملف إنساني لا كطرف سياسي له حقوق وتمثيل.
كما دخلت السجالات الأميركية الداخلية على الخط، حيث انتقد السيناتور الديمقراطي كريس مورفي "مجلس السلام المتسرع"، واعتبره جزءًا من "حملة ترمب المستمرة لعزل أصدقائنا في أوروبا". واتهم مورفي ترمب بالتركيز على البيانات الصحفية واللافتات بدل الجوهر، وبالفشل في استخدام نفوذه على إسرائيل للضغط من أجل إدخال المساعدات وإعادة الإعمار ومنح غزة شكلًا من الحكم الذاتي. ومن وجهة نظره، لا يمكن تسويق "سلام" بينما أدوات الضغط الأساسية لا تُستخدم.
وعندما سُئل مورفي عن وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترمب و”إطاره” لمستقبل غزة، أجاب ساخرًا: “هل يوجد وقف لإطلاق النار؟”، مشيرًا إلى أن “مئات الغزيين قُتلوا منذ الإعلان”. هذا السؤال يلخص مأزق المجلس: كيف يمكن بناء مشروع إدارة وإعمار في ظل واقع ميداني لا يزال يتعامل مع الهدنة كاستثناء مؤقت؟ فكل خطة تُطرح فوق أرض غير مستقرة تتحول عمليًا إلى وثيقة علاقات عامة لا إلى سياسة قابلة للتطبيق.
وفي ميونيخ، قدّم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مرافعة ضد الأمم المتحدة، معتبرًا أنها “لم تتمكن من حل الحرب في غزة” ولم تضطلع بدور يُذكر في حل النزاعات العالمية. ورغم إقراره بأن المنظمة تمتلك “إمكانات هائلة لتكون أداة للخير”، فإن خطابه بدا كأنه يهيئ الرأي العام الأميركي لشرعنة بديل تقوده واشنطن خارج الأطر الأممية. غير أن هذا المنطق يطرح سؤالًا جوهريًا: هل فشل الأمم المتحدة يبرر تجاوزها، أم يفرض إصلاحها؟
وقال ملادينوف إن إعادة الإعمار تتطلب “لجنة تكنوقراطية فعّالة في غزة، ونزع سلاحها، وانسحابًا إسرائيليًا”. لكن هذه المعادلة تبدو، بالنسبة لمنتقديها، وصفة غير مكتملة: فهي تطلب من الفلسطينيين تنازلات أمنية وسياسية كبيرة، بينما لا تضمن فعليًا رفع الحصار أو إنهاء الاحتلال أو توفير مسار سياسي واضح. إذ لا يمكن فصل “التقني” عن “السياسي” في غزة، لأن الإعمار نفسه يصبح أداة ضغط.
من جهته ، حذّر مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، القادة من أنهم يعيشون في "فقاعة من الأوهام". وقال إن الحكومة الإسرائيلية أعلنت أن الضفة الغربية بأكملها متاحة للاستيطان، معتبرًا أن ذلك "دقّ عمليًا المسمار الأخير في نعش اتفاقية أوسلو أمام العالم أجمع". وبذلك، يصبح الحديث عن "سلام غزة”"منفصلًا عن تصفية الضفة، وكأن المطلوب هندسة كيان معزول لا جزء من قضية واحدة.
وتأتي هذه المناقشات قبل أيام من الاجتماع الأول للمجلس المقرر في 19 شباط في واشنطن. وكانت رويترز قد أفادت بأن ترمب سيعلن خطة بمليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة، مع تفاصيل عن قوة استقرار بتفويض من الأمم المتحدة. وبحسب التقرير، سيحضر الاجتماع نحو 20 دولة، بينها رؤساء دول، كما سيعلن ترمب التزامات من "عدة دول" بتوفير "عدة آلاف من الجنود" لقوة حفظ السلام.
وأعلنت إندونيسيا أنها تستعد لنشر ما يصل إلى 8000 جندي في غزة ضمن الخطة، ما أثار تساؤلات حول طبيعة التفويض: هل ستكون قوة حماية للمدنيين، أم قوة ضبط أمني في بيئة محتلة؟ وهل ستدخل بإجماع فلسطيني أم بقرار فوقي؟ فالمشهد لا يوحي بأن غزة تنتقل إلى مرحلة "ما بعد الحرب"، بل إلى مرحلة إعادة تدوير الحرب بوسائل جديدة.
وعلى الأرض، لا يزال وقف إطلاق النار هشًا، مع انتهاكات متكررة بفعل غارات إسرائيلية شبه يومية أسفرت عن مقتل نحو 600 فلسطيني منذ 10 تشرين الأول، فيما قتلت إسرائيل أكثر من 72 ألف شخص منذ7 تشرين الأول 2023، وهو رقم اعترفت به إسرائيل الأسبوع الماضي وفق تقارير إعلامية. ويُقسم القطاع حاليًا إلى منطقتين بواسطة ما يسمى "الخط الأصفر"، حيث تحتل إسرائيل نحو 53% من غزة، بينما تسيطر حماس على الجزء الأوسط ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.
لكن الواقع، كما يصفه منتقدو المجلس، لا يشي بانتقال سياسي حقيقي: إسرائيل تواصل فرض حصار كامل، والهدنة تُدار كترتيب قابل للانهيار، والمبادرات الدولية تتحول إلى سباق نفوذ بين واشنطن وبروكسل أكثر من كونها مشروعًا لإنقاذ غزة. وبينما يرفع ترمب شعار "السلام"، تبدو أدواته أقرب إلى إعادة توزيع النفوذ لا إلى إنهاء الحرب.
المصدر:
القدس