شهدت مناطق شمال قطاع غزة، مساء السبت، موجة جديدة من الغارات الجوية والقصف المدفعي المكثف الذي نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتزامن هذا التصعيد العسكري مع تحليق مكثف للطيران الحربي والمروحي في أجواء المنطقة، مما أثار حالة من القلق بين السكان الذين يعيشون في ظل اتفاق هش لوقف إطلاق النار.
وادعت مصادر عبرية وقوع ما وصفته بـ 'حدث أمني' خطير في منطقة بيت حانون الواقعة أقصى شمال القطاع. وزعمت هذه المصادر أن قوات المراقبة رصدت مجموعة من المسلحين أثناء خروجهم من فوهة نفق هجومي، مما استدعى تحركاً عسكرياً فورياً للتعامل مع الموقف الميداني المتطور.
وعلى إثر هذا البلاغ، استدعى جيش الاحتلال تعزيزات عسكرية كبيرة إلى المنطقة الحدودية، مع إعلان حالة الاستنفار القصوى في صفوف سلاح الجو. وبدأت الطائرات باستهداف المواقع التي يُعتقد بوجود المسلحين فيها بشكل مباشر، في محاولة لمنعهم من تنفيذ أي عمليات عسكرية أو الانسحاب من المكان.
وأكدت تقارير ميدانية أن القصف الإسرائيلي لم يقتصر على بيت حانون، بل امتد ليشمل منطقة الشيخ زايد الواقعة شرقي مدينة بيت لاهيا. وشاركت المروحيات العسكرية في إطلاق النار بكثافة تجاه الأراضي المفتوحة والمناطق السكنية القريبة، مما تسبب في دوي انفجارات ضخمة هزت أرجاء الشمال.
وأفادت مصادر محلية بأن السكان في مختلف أنحاء شمال القطاع سمعوا أصوات الانفجارات بوضوح، خاصة في المناطق التي تخضع لسيطرة جيش الاحتلال. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية، حيث يسود التوتر مناطق التماس التي يفصلها ما يعرف بـ 'الخط الأصفر' الفاصل بين مناطق انتشار الجيش والمناطق المدنية.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر أي بيان رسمي مفصل من المتحدث باسم جيش الاحتلال يوضح طبيعة النتائج النهائية لهذا الحدث الأمني. ومع ذلك، تشير المعطيات المسربة إلى أن العملية العسكرية لا تزال مستمرة، مع استمرار عمليات التمشيط الجوي والبري في المنطقة المستهدفة.
ويعتبر هذا التصعيد خرقاً واضحاً للتفاهمات التي أدت إلى وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. ويخشى المراقبون من أن تؤدي هذه الاحتكاكات الميدانية إلى انهيار التهدئة والعودة إلى مربع المواجهة الشاملة التي استنزفت القطاع على مدار عامين متواصلين.
وتجدر الإشارة إلى أن جيش الاحتلال لا يزال يسيطر على مساحات واسعة من قطاع غزة تقدر بنحو 53 بالمئة، تتركز في الجهة الشرقية والشمالية. وتفرض هذه القوات قيوداً مشددة على حركة الفلسطينيين، حيث يُسمح لهم بالتواجد فقط في المناطق الغربية التي تضيق بساكنيها والنازحين إليها.
وكانت حرب الإبادة الجماعية التي انطلقت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قد خلفت دماراً غير مسبوق في التاريخ الحديث للقطاع. وحسب الإحصائيات الرسمية، فقد ارتقى أكثر من 72 ألف شهيد فلسطيني، فيما أصيب ما يزيد على 171 ألفاً آخرين بجروح متفاوتة وحالات بتر وإعاقات دائمة.
وعلى صعيد البنية التحتية، فقد طال الدمار نحو 90 بالمئة من المنشآت المدنية والمباني السكنية والمرافق الحيوية في غزة. وأصبحت مدن كاملة غير صالحة للسكن، مما جعل مهمة إعادة الإعمار تحدياً هائلاً يواجه المجتمع الدولي والجهات المانحة في ظل استمرار الحصار والتوترات الأمنية.
وفي سياق متصل، قدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية بنحو 70 مليار دولار أمريكي. وتتطلب هذه العملية سنوات طويلة من العمل المتواصل، شريطة توفر استقرار سياسي وأمني يضمن عدم تكرار الاعتداءات التي تطال المشاريع التنموية والإنسانية في القطاع المنكوب.
المصدر:
القدس