شهدت مدينة القدس المحتلة تصعيداً جديداً في سياسات الهدم القسري، حيث أجبرت بلدية الاحتلال مواطنين مقدسيين على هدم منزليهما ذاتياً في منطقتي جبل المكبر وبيت حنينا. وتأتي هذه الإجراءات بذريعة البناء دون ترخيص، وهو النهج الذي تتبعه سلطات الاحتلال لتفريغ المدينة من سكانها الأصليين ودفعهم للرحيل القسري عن أراضيهم وممتلكاتهم.
وفي بلدة صور باهر جنوبي القدس، نفذت مجموعات من المستوطنين اعتداءً فجرياً استهدف ممتلكات المواطنين، حيث أقدموا على إعطاب إطارات أكثر من 10 شاحنات ومركبات خاصة. وتسبب الهجوم بأضرار مادية جسيمة، في ظل حماية وتواطؤ من قوات الاحتلال التي تفتح المجال للمستوطنين لتنفيذ هجماتهم التخريبية في أحياء المدينة المقدسة.
أما في محافظة بيت لحم، فقد أصيب مواطن يبلغ من العمر 59 عاماً برصاص الاحتلال الحي في منطقة القدم أثناء تواجده قرب جدار الفصل العنصري بقرية دار صلاح. ونقلت طواقم الهلال الأحمر المصاب إلى المستشفى لتلقي العلاج، بالتزامن مع اقتحامات واسعة شملت مدن بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا وبلدات الخضر وتقوع وزعترة.
وفي سياق الاعتداءات الرعوية، هاجم مستوطنون مزارعين فلسطينيين في وادي أبو الحيات شمال مدينة أريحا لليوم الثاني على التوالي، مستخدمين مواشيهم لإتلاف المحاصيل الزراعية. وعاث المستوطنون فساداً في أراضي الأهالي، في محاولة واضحة لضرب الاقتصاد الزراعي المحلي وتهجير المزارعين من مناطق المراعي الحيوية في الأغوار والضفة.
ووثقت وزارة الزراعة الفلسطينية حجم الدمار الذي لحق بالقطاع الزراعي، حيث تم اقتلاع وإتلاف نحو 777 شجرة، معظمها من أشجار الزيتون المعمرة، خلال الأسبوع الأول من فبراير الجاري. وقدرت الوزارة الخسائر المادية بأكثر من 761 ألف دولار، مشيرة إلى أن محافظتي الخليل ونابلس كانتا الأكثر تضرراً من هذه الهجمات الممنهجة.
وعلى الصعيد الأمني، كشفت تقارير عن إقرار الشرطة الإسرائيلية شراء منظومات متطورة تركب على طائرات مسيرة من طراز 'ماتريس' لإسقاط كبسولات الغاز المسيل للدموع من الجو. وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز قدرات القمع الميداني في الضفة والقدس، خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حيث تمتلك الشرطة حالياً 19 منظومة فاعلة من هذا النوع.
وتتزامن هذه الاستعدادات التقنية مع تعزيزات عسكرية مكثفة تشمل نشر لواء الكوماندوز وسرايا إضافية عند المعابر ونقاط التماس في الضفة الغربية. وتأتي هذه التحركات وسط توصيات عسكرية بفرض قيود مشددة على دخول المصلين للمسجد الأقصى، تشمل تحديد أعداد الداخلين بـ 10 آلاف مصلٍ فقط أيام الجمعة، وحصرها في فئات عمرية محددة.
من جانبه، حذر خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري من المخططات العدوانية التي تستهدف المسجد خلال الشهر الفضيل، منندداً بتقييد وصول المصلين. وأكد صبري أن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً صارخاً على حرية العبادة، وتهدف إلى فرض واقع جديد داخل باحات المسجد الأقصى المبارك وتغيير هويته الإسلامية.
وفي محافظة نابلس، اقتحمت قوات الاحتلال مخيم بلاطة فجراً وسط انتشار مكثف في حاراته وأزقته، حيث أجبرت عدة عائلات على إخلاء منازلها تحت تهديد السلاح. كما نفذت القوات عملية مداهمة في بلدة مادما جنوبي المدينة، أسفرت عن اعتقال ثلاثة شبان بعد تفتيش منازلهم والعبث بمحتوياتها، ضمن حملة الاعتقالات اليومية المستمرة.
سياسياً ومالياً، أطلق وزير المالية الفلسطيني إسطفان سلامة تحذيراً شديد اللهجة، معتبراً أن عام 2026 سيكون العام الأصعب مالياً على السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها. وأوضح سلامة أن الحصار المالي الإسرائيلي وتوقف تحويل أموال المقاصة منذ 10 أشهر أدى إلى بلوغ الدين العام مستويات قياسية وصلت إلى 15.4 مليار دولار.
وأشار الوزير إلى أن الاحتلال يسعى بشكل متعمد لتدمير مؤسسات السلطة عبر خنقها اقتصادياً، حيث تم تخفيض التحويلات المالية إلى 30% فقط بعد أحداث أكتوبر 2023 قبل انقطاعها تماماً. هذا العجز المالي الحاد أعاق قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك دفع رواتب الموظفين العموميين بشكل كامل ومنتظم.
وفي المحافل الدولية، دعا رئيس الوزراء محمد مصطفى خلال قمة الاتحاد الأفريقي إلى رد دولي حاسم لوقف التوسع الاستيطاني والإجراءات الإسرائيلية الأحادية. وحذر مصطفى من قرارات إسرائيلية تهدف لتوسيع صلاحيات الهدم والمصادرة لتشمل المناطق المصنفة (أ) و(ب)، مؤكداً أن هذه الخطوات تهدف لتقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان سجلت أكثر من 1872 اعتداءً خلال شهر يناير الماضي وحده، نفذ الجيش الجزء الأكبر منها. وتعكس هذه الأرقام تصاعد وتيرة العنف الممارس ضد الفلسطينيين في الضفة، والذي يشمل هدم المنشآت وتجريف البنية التحتية الزراعية وتخريب مصادر المياه الحيوية.
ومنذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، بلغت حصيلة الضحايا في الضفة الغربية والقدس ما لا يقل عن 1112 شهيداً ونحو 11500 جريح، بالإضافة إلى اعتقال 22 ألف مواطن. ويرى مراقبون أن هذه السياسات تهدف إلى فرض وقائع ميدانية لا يمكن الرجوع عنها، تمهيداً لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية رسمياً واستكمال تهويد القدس.
المصدر:
القدس