كشفت تقارير عبرية عن مخاوف متزايدة داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية من أن تؤدي العمليات العسكرية المستمرة في لبنان إلى نتائج عكسية على الصعيد السياسي. وأشارت مصادر إعلامية إلى أن استباحة الأجواء اللبنانية وتنفيذ عمليات نوعية قد يضعف الموقف الإسرائيلي دولياً في ظل غياب ترتيبات أمنية بديلة.
وذكر المحرر العسكري أمير بار شالوم أن الجيش الإسرائيلي خرج عن سياقه الروتيني مؤخراً عبر تنفيذ عملية اختطاف في عمق الأراضي اللبنانية. واستهدفت القوة الخاصة ناشطاً بارزاً في الجماعة الإسلامية بقرية تبعد نحو عشرة كيلومترات عن الحدود، مما يشير إلى تحول في التكتيكات الميدانية.
وتعتبر الأوساط الاستخبارية الإسرائيلية أن الجماعة الإسلامية، التي تمثل فرع الإخوان المسلمين في لبنان، باتت تعمل تحت مظلة حزب الله في السنوات الأخيرة. وقد نجحت الجماعة في استقطاب العديد من النشطاء من التيار السني، مما جعلها هدفاً مباشراً للعمليات الإسرائيلية الرامية لتقويض نفوذ الحزب.
ولم تقتصر التحركات الإسرائيلية على الاختطاف، بل تبعتها عمليات اغتيال طالت عنصرين من حزب الله في هجمات منفصلة بعد ساعات قليلة. ويرى مراقبون أن هذه الوتيرة المتصاعدة قد تضع الحكومة اللبنانية في موقف حرج للغاية أمام الرأي العام الداخلي والمجتمع الدولي.
وتشير القراءات الإسرائيلية إلى أن قائد الجيش اللبناني جوزيف عون يحاول المناورة في بيئة معقدة للغاية تتجاذبها الضغوط الأمريكية والتهديدات المباشرة من حزب الله. ويخشى عون من أن تؤدي العمليات الإسرائيلية إلى إضعاف مؤسسة الجيش وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية السيادة الوطنية.
ويبدو الواقع اللبناني مستحيلاً في ظل احتفاظ حزب الله بقوته العسكرية التي تفوق أي قوة نظامية أخرى في البلاد رغم الضربات المتلاحقة. ويستغل الحزب مقتل المدنيين والعمليات الإسرائيلية لتعزيز سرديته بأنه 'درع لبنان' الوحيد القادر على مواجهة التهديدات الخارجية.
وتؤكد المصادر أن استمرار سقوط ضحايا لبنانيين بنيران إسرائيلية يساهم في تعميق الانقسامات الداخلية بين المكونات السياسية والطائفية. فبينما يتحمل حزب الله العبء الأكبر من الخسائر البشرية، تظل الفصائل الأخرى بعيدة عن دفع الثمن المباشر، مما يزيد من حساسية المرحلة المقبلة.
وتشير الإحصائيات إلى أن الجيش الإسرائيلي تمكن من تصفية أكثر من 400 عنصر من حزب الله منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير. وتعتمد هذه العمليات على معلومات استخباراتية دقيقة تهدف إلى الحفاظ على ما تصفه إسرائيل بـ 'حرية العمل العسكري' لضمان أمن حدودها الشمالية.
وتبرز مخاوف جدية من تحول الجماعة الإسلامية إلى 'وكيل للوكلاء'، حيث قد يستخدمها حزب الله كواجهة لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية. هذا السيناريو لا يقتصر على الجبهة اللبنانية فحسب، بل يمتد ليشمل الأراضي السورية التي تشهد نشاطاً متزايداً لهذه المجموعات.
إن عملية الاختطاف الأخيرة تندرج ضمن استراتيجية استباقية لمنع تشكل جبهات جديدة تحت مسميات فصائلية مختلفة بعيداً عن اسم حزب الله المباشر. وتسعى إسرائيل من خلال هذه الضغوط إلى فرض واقع أمني جديد قبل التوصل إلى أي ترتيبات سياسية نهائية وشاملة.
ويرى المحللون أن النجاح العسكري في تصفية الكوادر لا يضمن بالضرورة استقراراً طويل الأمد إذا لم يواكبه مسار سياسي يدعم الدولة اللبنانية. فالانفجار السياسي الداخلي في لبنان قد يؤدي إلى فوضى عارمة تضر بالمصالح الأمنية الإسرائيلية على المدى البعيد.
وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة المجتمع الدولي على لجم التصعيد وضمان عدم انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة. وتظل العمليات النوعية الإسرائيلية سلاحاً ذو حدين، فهي تحقق أهدافاً تكتيكية لكنها تزرع بذور صراعات مستقبلية أكثر تعقيداً.
ختاماً، تدرك القيادة العسكرية الإسرائيلية أن لبنان ما بعد الحرب سيكون بلداً شديد الحساسية تجاه أي خرق للسيادة. ومع استمرار غياب الحلول الجذرية، ستظل العمليات الخاصة والاغتيالات هي المحرك الأساسي للمشهد الميداني بانتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية.
المصدر:
القدس