لا تزال قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها شمال نهر الليطاني مرتبطة بشكل وثيق بالإرادة السياسية قبل الإمكانات التقنية للجيش. وتبرز معضلة التوافق مع حزب الله كعقبة أساسية أمام خطة المرحلة الثانية التي يعتزم قائد الجيش عرضها على الحكومة لنيل غطاء رسمي وصريح يتيح التحرك العسكري الكامل.
تمتد الجغرافيا المستهدفة في هذه المرحلة من شمال الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي عند مدخل صيدا الشمالي، وهي مساحة تقدر بنحو 850 كيلومتراً مربعاً. وتضم هذه المنطقة أقضية حيوية هي جزين وصيدا-الزهراني والنبطية، مما يجعلها منطقة استراتيجية بالغة الأهمية في معادلة الأمن اللبناني.
من الناحية العسكرية الميدانية، يرى خبراء أن المهمة في هذه المنطقة تبدو أقل تعقيداً مقارنة بجنوب الليطاني نظراً لخلوها من المخلفات الحربية والقنابل العنقودية. كما أن الجيش لن يضطر للانتشار تحت وطأة النيران المباشرة أو التعامل مع تماس ميداني فوري مع القوات الإسرائيلية في هذه الرقعة الجغرافية.
كشفت مصادر عسكرية أن المؤسسة العسكرية تمتلك بالفعل خرائط شبه متكاملة لمواقع تخزين السلاح والأنفاق الجبلية في مناطق إقليم التفاح وكفرحونة وجباع. وتتعزز هذه البيانات بمعلومات لوجستية واستخبارية تصل من لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية، مما يسهل عمليات الوصول للمواقع المحددة.
يشترط الجيش اللبناني لتنفيذ هذه المهمة توفر أمرين: قرار سياسي واضح يمنحه حرية الحركة، وتأمين الدعم البشري واللوجستي الكافي. فالمعطيات الحالية تشير إلى وجود لواء واحد وأفواج محدودة في المنطقة، وهو ما لا يكفي للتعامل مع حجم السلاح المنتشر دون تعزيزات إضافية.
تقدر الأوساط العسكرية أن عملية وضع اليد على السلاح والتخلص منه قد تستغرق فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر في حال توفرت الإمكانات المطلوبة. ومع ذلك، يبقى التساؤل قائماً حول مدى استعداد حزب الله لمنح موافقة علنية وشاملة على هذه الإجراءات السيادية.
تشير التقارير إلى أن حزب الله لا يزال يحتفظ بنحو 15% من مخزونه من الصواريخ البالستية الدقيقة، بالإضافة إلى ترسانة من المسيرات والصواريخ قصيرة المدى. هذا الوجود العسكري شمال الليطاني يرفع من حساسية الملف داخلياً ويجعله مادة دسمة للنقاش الإقليمي والدولي حول أمن الحدود.
تبرز أزمة التمويل كعقبة أخرى، حيث يبدو المجتمع الدولي متردداً في تقديم الدعم المالي والعسكري قبل رؤية تقدم ملموس في تنفيذ خطة حصر السلاح. وقد أدى تأجيل المؤتمر التحضيري لدعم الجيش في منتصف فبراير إلى زيادة الضبابية حول توقيت وصول المساعدات الضرورية.
في المقابل، تزيد الضغوط العسكرية الإسرائيلية والتوغلات المتكررة من تعقيد المشهد الأمني شمال الليطاني، مما يضع الدولة أمام خيارين أحلاهما مر. فإما تسريع التفاهمات الداخلية لتثبيت سلطة الدولة وتجنب التصعيد، أو التصلب السياسي الذي قد يعتبر أي خطوة استجابة لضغوط خارجية.
يمثل اختبار شمال الليطاني في جوهره امتحاناً لقدرة الدولة اللبنانية على احتكار السلاح وتحويل القرار الأمني من منطق توازن القوى إلى منطق السيادة. كما يعكس مدى استعداد القوى السياسية، وفي مقدمتها حزب الله، للانخراط الكامل في العمل السياسي بعيداً عن الأطر العسكرية والأمنية المستقلة.
المصدر:
القدس