استضافت مدينة إسطنبول حفل توقيع كتاب 'مرسي والإعلام.. معركة الذاكرة.. رؤية من الداخل' للصحفي قطب العربي، الذي شغل سابقاً منصب الأمين العام المساعد للمجلس الأعلى للصحافة. يوثق الكتاب شهادات حية وأرقاماً تُعرض للمرة الأولى حول كواليس إدارة المشهد الإعلامي المصري خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي.
وأكد العربي في تصريحاته أن الكتاب يمثل شهادة للتاريخ من داخل المؤسسات الصحفية الرسمية، حيث يرصد شبكات التمويل والتحريض التي ساهمت في تشكيل الرأي العام ضد التجربة الديمقراطية. وأوضح أن ما جرى لم يكن مجرد اختلاف سياسي طبيعي، بل عملية منظمة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي المصري.
وكشف المؤلف عن أرقام وصفها بالصادمة تتعلق بحجم الإنفاق على القنوات الفضائية الخاصة، مشيراً إلى أن ميزانيات التشغيل بلغت نحو 6 مليارات جنيه سنوياً. وفي المقابل، لم تتجاوز الإيرادات الفعلية لهذه القنوات ملياراً ونصف المليار جنيه، مما يطرح تساؤلات كبرى حول مصادر التمويل.
وأوضح العربي أن الفجوة التمويلية البالغة 4.5 مليار جنيه تم تغطيتها من خلال أموال تدفقت من عواصم إقليمية معادية لثورات الربيع العربي. واعتبر أن الهدف المباشر من هذا الضخ المالي كان زعزعة استقرار الحكم عبر حملات تشويه ممنهجة استهدفت شخص الرئيس ومؤسسات الدولة.
ويتضمن الكتاب تفاصيل دقيقة حول ملاك القنوات الفضائية والشركات الإعلامية الذين انخرطوا في ما وصفه بـ'صناعة الفتنة'. واستند العربي في رصده إلى علاقاته المباشرة واطلاعه على الملفات الرسمية خلال فترة تواجده في المجلس الأعلى للصحافة، ذاكراً أسماء بعينها تورطت في التحريض.
وفيما يخص الحريات الإعلامية، شدد العربي على أن عهد مرسي شهد سقفاً غير مسبوق من حرية التعبير وصل أحياناً إلى حد الانفلات الإعلامي دون عقاب. وأشار إلى أنه لم يتم إغلاق أي صحيفة أو قناة تلفزيونية، كما لم يُسجن أي صحفي بسبب آرائه السياسية أو المهنية.
واستشهد العربي بواقعة الصحفي إسلام عفيفي، حيث تدخلت الرئاسة تشريعياً لمنع تنفيذ حكم بحبسه بتهمة إهانة الرئيس، فيما عُرف لاحقاً بـ'قانون إسلام عفيفي'. وأكد أن هذه الخطوة كانت تهدف لترسيخ مبدأ عدم حبس الصحفيين في قضايا النشر مهما بلغت درجة الهجوم.
كما كشف الكتاب عن رؤية لم تكتمل لإعادة هيكلة الإعلام القومي وتحويله من 'إعلام سلطة' إلى 'إعلام شعب'. وكانت الخطة تهدف لتحويل المؤسسات الصحفية الكبرى إلى شركات مساهمة مستقلة مالياً وإدارياً لتخفيف العبء عن ميزانية الدولة وضمان استقلاليتها التحريرية.
من جانبه، وصف الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، في كلمة له خلال الحفل، الصراع حول تجربة مرسي بأنه 'معركة سرديات'. وأكد المرزوقي أن القوى المضادة للثورات أدركت مبكراً أن السيطرة على الرواية التاريخية هي السبيل الوحيد لإجهاض التحولات الديمقراطية في المنطقة.
وانتقد المرزوقي ما أسماه 'إعلام العار' الذي استخدم تقنيات التضليل والكذب الممنهج لضرب التجارب الناشئة، محذراً من أن الحرية قد تُستغل لهدم الديمقراطية من الداخل. ودعا إلى ضرورة وجود تشريعات صارمة تنظم ملكية وسائل الإعلام ومصادر تمويلها لحماية وعي المجتمعات.
بدوره، اعتبر الأكاديمي سيف عبد الفتاح أن ثورة 25 يناير ليست مجرد حدث عابر، بل هي محطة كبرى في مسار طويل لاستعادة الوعي الشعبي. وأكد أن محاولات التقليل من شأن الثورة تعكس عدم فهم لقوانين التاريخ التي تؤكد أن الشعوب قادرة دائماً على استرداد فعلها الثوري.
وأوضح عبد الفتاح أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى تراكم في الوعي وبناء أدوات قوية لإدارة المجال العام، وليس مجرد احتجاجات لحظية. وأشار إلى أن السنوات التي تلت عام 2011 كشفت حجم التحديات الإقليمية والدولية التي تواجه أي مشروع ديمقراطي عربي مستقل.
وشدد المشاركون في حفل التوقيع على أن الكتاب يمثل لبنة أساسية في استعادة الذاكرة الوطنية المصرية وتصحيح الروايات المشوهة عن تلك الفترة. واعتبروا أن توثيق الحقائق بالأرقام والأسماء هو السلاح الأقوى في مواجهة ما وصفوه بآلة التزييف الإعلامي المستمرة.
واختتم الحفل بالتأكيد على أن تجربة الرئيس مرسي، رغم قصر مدتها، تركت أثراً عميقاً في الوجدان السياسي العربي. وأشار المتحدثون إلى أن معركة حماية العقول والقلوب هي المعركة القادمة التي يجب أن تستعد لها الشعوب الطامحة للحرية والعدالة الاجتماعية.
المصدر:
القدس