أثار إعلان روسيا الأخير بشأن الانسحاب من معاهدات نووية محورية موجة من القلق العالمي، حيث يُنظر إلى هذه الخطوة كإشارة واضحة على وصول النظام الدولي إلى طريق مسدود. هذا التطور ليس مجرد تمرد عشوائي، بل هو نتاج مسار طويل من السياسات الأمريكية التي سعت لفرض هيمنة أحادية خارج إطار التوازنات التقليدية. إن العالم اليوم يقف أمام اختبار حقيقي بين تغول المادة والمصالح الضيقة، وبين ضرورة العودة إلى مرجعية أخلاقية تضبط إيقاع القوة.
تؤكد القراءات التاريخية أن الحضارات الكبرى تبدأ بالانهيار حين ينفصل القانون عن الواقع وتتراجع قيم العدالة لصالح منطق القوة المحضة. ولعل تجربة الأندلس تبرز كعبرة بليغة؛ فبرغم التقدم العلمي الهائل، أدى التنازع على السلطة وغياب الضابط المصلحي الجامع إلى التفكك والزوال. إن ما نشهده اليوم من تآكل في بنية المؤسسات الدولية يعيد إنتاج هذه المشاهد التاريخية بصورة أكثر خطورة نظراً لامتلاك أدوات الدمار الشامل.
لقد كشفت الحقبة الماضية، خاصة مع سياسات الإدارة الأمريكية السابقة، عن هشاشة النظام العالمي الذي بات رهينة لإرادات فردية تتجاوز المؤسسات. التلويح بالاستحواذ على أراضٍ والتدخل العسكري في دول مستقلة أدى إلى انهيار فعلي لهيبة القانون الدولي. هذا المناخ هو ما دفع موسكو لاتخاذ قراراتها الأخيرة، معتبرة أن الالتزام بالمعاهدات لم يعد يوفر ضمانات أمنية حقيقية في ظل مزاجية القوى المهيمنة.
في هذا السياق، تبرز إسرائيل كعامل تأزيم إضافي في المنطقة، مستفيدة من الدعم الأمريكي المطلق لتنفيذ طموحاتها التوسعية. إن امتلاك الاحتلال لترسانة نووية غير خاضعة للرقابة، تزامناً مع حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، يضرب عرض الحائط بكل المواثيق الإنسانية. هذا التغول الإسرائيلي يهدف إلى فرض واقع جديد يهدد استقرار الدول العربية المجاورة ويدفع المنطقة نحو انفجار شامل.
إن التهديدات الموجهة لإيران لا تقتصر تداعياتها على الجغرافيا القريبة، بل تمس الأمن الاستراتيجي لقوى كبرى مثل روسيا والصين. السيطرة على منابع النفط والتحكم في الممرات المائية هي المحرك الأساسي لهذه الصراعات، حيث تسعى واشنطن لكبح نمو القوى الصاعدة. هذا التشابك في المصالح يجعل من أي خطأ عسكري شرارة قد تحرق النظام العالمي بأكمله.
لم تعد القوة النووية التقليدية هي الضابط الوحيد للردع، إذ دخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي والأسلحة فرط الصوتية على خط المواجهة. الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في قرار سياسي واعٍ ببدء الحرب، بل في الأخطاء التقنية وسوء تفسير الإشارات العسكرية. إن سرعة الرد الآلي قد تتجاوز قدرة العقل البشري على التفكير والمشورة، مما يجعل العالم عرضة لحوادث غير مقصودة ذات نتائج كارثية.
تعتبر مصادر تحليلية أن قصد موسكو من تصعيدها النووي هو توجيه رسالة بأن القواعد الدولية الحالية باتت تخدم طرفاً واحداً فقط. غياب الالتزام المتبادل يحول المعاهدات إلى أدوات بلا فاعلية، مما يزيد من هشاشة السلم العالمي. إن النظام الذي تروج له الولايات المتحدة، والذي وصفه البعض بنظام 'الكاوبوي'، يعتمد على استثناء الذات من القوانين التي تفرضها على الآخرين.
بينما تلتزم الصين بسياسة الصبر والحذر تجاه الاستفزازات، يغلي الشرق الأوسط بصراعات متشابكة تمتد من غزة إلى اليمن والسودان. الصراع على مضيق باب المندب وتهديد الملاحة البحرية يعكس رغبة القوى الكبرى في الاستحواذ على الممرات الحيوية. هذه الأزمات ليست منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة تهدف لإعادة صياغة نفوذ القوى العالمية على حساب الشعوب.
في المغرب العربي، تواجه دول مثل الجزائر تحديات أمنية متزايدة على حدودها، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والتوترات في مالي. إن ضعف القدرة على ضبط الحدود يفتح الباب أمام تدخلات خارجية تزيد من تعقيد المشهد الوطني. هذه الحالة من عدم الاستقرار هي انعكاس مباشر لغياب رؤية إقليمية موحدة قادرة على مواجهة الأطماع الدولية.
أما في الساحة الأوروبية، فتظل أوكرانيا ميداناً لكسر المحظورات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، مما يهدد أمن القارة العجوز بشكل غير مسبوق. الغرب، بقيادة واشنطن، يواصل دعم أنظمة معينة لخدمة مصالحه، مما يؤدي لتفاقم الفقر والاضطرابات الاجتماعية. هذه السياسات تساهم في تمزيق النسيج المجتمعي وتسمح للعصابات المسلحة بالسيطرة على مناطق واسعة.
المعركة الحقيقية اليوم هي صدام بين عالمين: عالم المادة المجردة من الأخلاق، وعالم القيم الذي يسعى لإقامة العدل. القوى التي لا تؤمن إلا بذاتها وتستهين بحقوق الآخرين تقود البشرية نحو فناء محتوم. وفي المقابل، تبرز الحركات الإصلاحية والمجتمعات التي تحاول التمسك بهويتها الأخلاقية كحائط صد أخير أمام هذا التغول المادي.
إن الفساد المستشري في أروقة المال والسلطة العالمية، والذي تجسده فضائح كبرى، يعكس الوجه المظلم للمادة حين تتجاوز حدود الضمير. هذا الانحلال الأخلاقي هو الذي يمهد الطريق لانهيار الدول من الداخل قبل أن تسقط عسكرياً. التاريخ يعلمنا أن الفعل المادي الذي لا تضمنه الأخلاق سرعان ما يتحطم أمام صمود القيم والمبادئ الإنسانية.
تواجه البلدان الإسلامية تحدياً كبيراً في ظل هذا الصراع، حيث تُستهدف مشاريعها النهضوية التي تحاول موازنة المادة بالقيم. الضغوط الخارجية والداخلية تهدف لإبقاء هذه الشعوب في حالة تبعية دائمة لقوى الفساد العالمي. ومع ذلك، فإن المخزون الأخلاقي الكامن في هذه الأمة يظل قادراً على عبور المحن واستعادة دورها الحضاري.
في الختام، لا يبدو أن السؤال هو 'متى ستقع الكارثة؟'، بل هو 'كم سيكلف العالم من أرواح وطاقات لاستعادة رشده؟'. إن الرقي والرخاء الذي وصلت إليه البشرية مهدد بالزوال إذا استمر قانون الغاب في قيادة العلاقات الدولية. العودة إلى سيادة الأخلاق ليست خياراً ترفياً، بل هي ضرورة حتمية لنجاة الإنسان من أدوات دمار صنعها بيديه.
المصدر:
القدس