آخر الأخبار

الموقف الأمريكي من ضم الضفة الغربية وإجراءات الكابينت الإسرا

شارك

تتصاعد حدة التناقض بين الخطاب الدبلوماسي الأمريكي المعلن والواقع الميداني في الضفة الغربية، حيث تبرز فجوة عميقة بين رفض واشنطن الرسمي لعمليات الضم وبين الخطوات الإسرائيلية المتسارعة. وتضع هذه التحركات حكومة الاحتلال في مواجهة اختبار حقيقي لحدود النفوذ الأمريكي، خاصة مع استمرار تل أبيب في تغيير الواقع القانوني والسياسي للضفة دون رادع فعلي.

وفي تصريحات حديثة، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب معارضته الشاملة لفكرة ضم الضفة الغربية، مشيراً إلى أن إدارته منشغلة بملفات أخرى ولا ترغب في الانخراط في هذا الملف الشائك حالياً. ومع ذلك، لم يتطرق ترمب إلى التفاصيل الإجرائية التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية مؤخراً، والتي تُعد تمهيداً عملياً لفرض السيادة الكاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) قد صادق على حزمة قرارات تهدف إلى إحداث تغييرات جوهرية في الوضع القانوني والمدني بالضفة الغربية. وتستهدف هذه الإجراءات تعزيز السيطرة الإسرائيلية المباشرة، متجاوزةً التفاهمات الدولية السابقة والاتفاقيات الموقعة التي تنظم إدارة هذه المناطق.

ومن أبرز هذه الخطوات توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الإسرائيلية لتشمل المناطق المصنفة (أ) و(ب) بموجب اتفاق أوسلو، وهي مناطق كانت تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية. وتتذرع سلطات الاحتلال بملاحقة مخالفات البناء غير المرخص وقضايا المياه وحماية المواقع الأثرية لتبرير توغلها في عمق الصلاحيات الفلسطينية.

تمنح هذه الإجراءات الجديدة الضوء الأخضر لجيش الاحتلال لتنفيذ عمليات هدم ومصادرة واسعة النطاق بحق الممتلكات الفلسطينية في قلب المدن والقرى التابعة للسلطة. كما تساهم هذه السياسات في تسهيل عمليات التوسع الاستيطاني وشرعنة البؤر العشوائية، مما يقوض بشكل نهائي أي فرص متبقية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

وتأتي هذه التطورات في سياق تراكمي، حيث عملت الحكومة اليمينية خلال الأشهر الماضية على نقل صلاحيات الإدارة المدنية وتسريع المصادقة على آلاف الوحدات الاستيطانية. وبموجب اتفاق أوسلو لعام 1995، كان من المفترض أن تظل المنطقة (أ) تحت سيطرة فلسطينية كاملة، إلا أن الواقع الجديد ينسف هذه التقسيمات تماماً.

وتتعارض هذه التحركات الإسرائيلية بشكل مباشر مع الطلبات التي نقلها مبعوثو ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى بنيامين نتنياهو خلال لقاءات سابقة. فقد طالبت واشنطن بضرورة تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية لتجنب انفجار أمني قد يؤثر على الاستقرار الإقليمي والخطط الأمريكية الأوسع للمنطقة.

لدينا ما يكفي من الأمور التي تشغلنا الآن، لسنا بحاجة إلى الخوض في شؤون الضفة الغربية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن المسؤولين الأمريكيين يعربون في الغرف المغلقة عن قلقهم من قرارات الكابينت الأخيرة، لكنهم لا يزالون في مرحلة 'دراسة التداعيات'. ويتزامن هذا التردد مع زيارة نتنياهو لواشنطن، حيث يركز الجانب الإسرائيلي على الملف الإيراني كأولوية، محاولاً تهميش قضية الضفة الغربية في جدول الأعمال.

ويرى البيت الأبيض أن استقرار الضفة الغربية يعد ركيزة أساسية لأمن إسرائيل ولتحقيق أهداف الإدارة الأمريكية في الوصول إلى اتفاقات سلام إقليمية. ومع ذلك، فإن هذا الرفض لم يترجم حتى الآن إلى ضغوط حقيقية، بل اقتصر على تصريحات تحذيرية لم تمنع الكنيست من مناقشة قوانين الضم الصريحة.

وفي خطوة اعتبرها محللون تراجعاً عن أدوات الضغط، قام ترمب بإلغاء الأمر التنفيذي الذي أصدره سلفه جو بايدن لمعاقبة المستوطنين المتورطين في أعمال عنف. هذا الإلغاء جرد واشنطن من وسيلة فاعلة للجم التصعيد الاستيطاني، وأعطى إشارة للمجموعات اليمينية المتطرفة بالاستمرار في نهجها دون خوف من عقوبات دولية.

وتشير تقارير صحفية إلى أن إدارة ترمب تميز بوضوح بين 'القدرة على الضغط' و'الإدارة السياسية' للملف، حيث تفضل تجنب المواجهة المباشرة مع حكومة نتنياهو. ويبدو أن واشنطن تكتفي بالاعتراض اللفظي على 'الضم الرسمي' الذي قد يكسر المنظومة الإقليمية، بينما تغض الطرف عن 'الضم الفعلي' التدريجي.

هذا النهج الأمريكي خلق مساحة مريحة للحكومة الإسرائيلية للمضي قدماً في إجراءاتها دون الخشية من شروط على المساعدات العسكرية أو الدعم الدبلوماسي. وتخشى بعض المؤسسات داخل واشنطن أن أي إجراء عقابي ضد تل أبيب قد يُفسر على أنه تخلٍ عن شريك استراتيجي في توقيت حساس.

وتركز الأولوية الأمريكية الحالية على منع الانهيار الاقتصادي والأمني للسلطة الفلسطينية، ليس من باب دعم الحقوق الفلسطينية، بل لتفادي موجات عنف قد تخرج عن السيطرة. وتعكس هذه المقاربة رغبة في إدارة الأزمة وتفادي السيناريوهات الأسوأ، بدلاً من فرض مسار سياسي ينهي الاحتلال أو يوقف الاستيطان.

في نهاية المطاف، يرى مراقبون أن إسرائيل تفرض سيادتها عبر قرارات إدارية وأمنية متراكمة تؤدي إلى نتيجة الضم ذاتها دون الحاجة لإعلان تشريعي صاخب. ويظل الموقف الأمريكي، رغم معارضته اللفظية، عاملاً مساعداً في استمرار هذا الواقع ما لم يقترن بخطوات عملية توقف التغول الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا