د. فادي جمعة: عقد المؤتمر الثامن حاجة ملحة لا تحتمل التأجيل لما تعانيه الحركة من حالة جمود تنظيمي وتراكم إشكالات داخلية منذ سنوات طويلة
عبد الغني سلامة: تقديم انتخابات المجلس الوطني على باقي الاستحقاقات يعكس أولوية سياسية تتعلق بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير
د. قصي حامد: إجراء انتخابات المجلس الوطني محاولة لإعادة تقديم السلطة أوراق اعتمادها للمجتمع الدولي وإثبات قدرتها على تنفيذ إصلاحات داخلية
د. رائد الدبعي: الأولوية اليوم ليست الإسراع في تنظيم الانتخابات بل إعادة تعريف المشروع الوطني على أساس توافق شامل
محمد هواش: عقد المؤتمر الثامن هدفه تحديد الخيارات السياسية للحركة وتجديد هيئاتها القيادية وضخ دماء شابة بما يتلاءم مع تعقيدات المرحلة الراهنة
رام الله – خاص بـ"القدس" –
تعود قضايا تجديد الشرعيات وإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني إلى الواجهة مجددًا، مع الإعلان الرئاسي عن مواعيد لعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مايو/ أيار ، وإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، في لحظة سياسية شديدة التعقيد تتقاطع فيها تداعيات الحرب على قطاع غزة مع انسداد الأفق السياسي وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية.
تحريك حالة الجمود بالنظام السياسي
يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية د. فادي جمعة أن المرسوم الرئاسي المتعلق بتحديد مواعيد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، إلى جانب قرار عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، تشير إلى وجود إرادة فعلية لتحريك حالة الجمود بالنظام السياسي الفلسطيني، ومحاولة لإعادة الاعتبار لمسألة تجديد الشرعيات.
ويشير جمعة إلى أن الخطوة تحمل وعيًا متقدمًا بأهمية إعادة تفعيل الأطر التمثيلية الفلسطينية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في النظام السياسي.
إعادة بناء الثقة بين المجتمع الفلسطيني ومؤسساته
ويبيّن جمعة أن المسألة لا تتعلق بإجراء انتخابات بحد ذاتها، بقدر ما تتصل بإعادة بناء الثقة بين المجتمع الفلسطيني ومؤسساته، وتجديد أدوات العمل السياسي والتنظيمي بما يعزز مناعتها وقدرتها على الفعل.
ويرى جمعة أن الظروف، رغم تعقيدها، ليست مغلقة بالكامل لعقد الانتخابات والمؤتمر، محذرًا من أن انتظار ظروف مثالية قد يؤدي إلى تعطيل الاستحقاقات بدل إنجازها.
ويؤكد جمعة أن تحويل الاستحقاقات الانتخابية والتنظيمية إلى أدوات لإعادة بناء المشروع السياسي والوحدة الوطنية والمؤسساتية، يمثل خيارًا أكثر واقعية من استمرار تغييبها.
ويشدد جمعة على ضرورة الفصل بين انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والمؤتمر الثامن لحركة فتح، موضحًا أن انتخابات المجلس الوطني تمثل استحقاقًا وطنيًا شاملًا، يرتبط بإعادة تشكيل المؤسسة الأعلى في منظمة التحرير، التي تجسد التمثيل السياسي للفلسطينيين في الداخل والشتات، وتحمل أبعادًا سياسية وقانونية وتنظيمية معقدة. ويشير جمعة إلى أن هذا الاستحقاق يواجه تحديات حقيقية، أبرزها اتساع دائرة التمثيل الجغرافي، والقيود التي يفرضها الاحتلال، والحاجة إلى توافق وطني على آليات الانتخابات وقبول نتائجها، مؤكدًا أن هذه التحديات يجب أن تُدار بمقاربة سياسية مرنة لا أن تتحول إلى مبرر لتعطيل الاستحقاق.
ويدعو جمعة إلى التفاف وطني شامل حول منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمعترف بها دوليًا، معتبرًا أن هذا الالتفاف يشكل المدخل الأساسي لإعادة بناء مجلس وطني أكثر تمثيلًا، سواء عبر انتخابات مباشرة حيثما أمكن، أو من خلال صيغ توافقية تشرف عليها لجنة وطنية جامعة.
استحقاق تنظيمي لا يحتمل التأجيل
أما المؤتمر الثامن لحركة فتح، فيرى جمعة أنه يأتي في سياق مختلف، بوصفه استحقاقًا تنظيميًا داخليًا لا يخضع للتعقيدات ذاتها التي تواجه الانتخابات الوطنية.
ويوضح جمعة أن عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح حاجة ملحة لا تحتمل التأجيل لما تعانيه الحركة منذ سنوات من حالة جمود تنظيمي وتراكم إشكاليات داخلية، حيث أن المؤتمر هو الإطار الطبيعي لتجديد القيادة، وتحديث البرنامج السياسي، وضبط الخلافات عبر المؤسسات التنظيمية.
مواجهة المخاطر التي تهدد المشروع الوطني
وحول البواعث والسيناريوهات المتوقعة، يشير جمعة إلى أن الدوافع تشمل الحاجة لتجديد الشرعيات، ومواجهة المخاطر التي تهدد المشروع الوطني، والتعامل مع المتغيرات الميدانية وعلى رأسها الحرب على غزة، إلى جانب الضغوط الداخلية والخارجية للإصلاح والاستعداد لمرحلة سياسية مقبلة.
ويرى جمعة أن السيناريوهات تتراوح بين تقدم متوازٍ في المسارين التنظيمي والوطني، أو إنجاز جزئي، أو تعطيل مكلف سياسيًا، وصولًا إلى سيناريو ناضج يقوم على التفاف وطني شامل وإنهاء الانقسام.
ويؤكد جمعة أن نجاح هذه الاستحقاقات مرهون برؤية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس التمثيل وتجديد الشرعيات.
محطة بالغة الأهمية مع تداعيات الحرب على غزة
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة أن قرارات الرئيس الفلسطيني بتحديد موعد عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مايو /أيار المقبل، وإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر / تشرين الثاني من العام الجاري، تشكل محطة بالغة الأهمية في ظل التداعيات العميقة للحرب على قطاع غزة، وما أفرزته من تعقيد غير مسبوق في المشهد السياسي الفلسطيني.
ويوضح سلامة أن نتائج الحرب العدوانية على غزة أفضت إلى هزيمة عسكرية وسياسية انعكست مباشرة على الواقع الفلسطيني، حيث فقد الفلسطينيون، وللمرة الأولى منذ انطلاقة الثورة، قدرتهم على فرض رؤاهم الوطنية والتأثير في مسارات الأحداث، بل وحتى الاعتراض عليها، في ظل تراجع القرار الوطني المستقل لصالح هيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل والوسطاء الدوليين.
ويشير سلامة إلى أن واشنطن وتل أبيب استثمرتا نتائج الحرب بوصفهما الطرف الأقوى، لدفع مخططات تصفية القضية الفلسطينية وفرض حلول سياسية منسجمة مع توجهات اليمين الإسرائيلي، لافتًا إلى أن قطاع غزة بات عمليًا تحت إدارة أميركية بالتوافق مع إسرائيل، فيما تتعرض السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية لضغوط متواصلة لتحييدها سياسيًا وتحويلها إلى مجرد إدارة خدماتية.
الإصلاحات كأداة ضغط
ويبيّن سلامة أن أداة الضغط الأساسية تمثلت في ما يسمى بـ"الإصلاحات" المفروضة على السلطة، معتبرًا أن أهمية قرارات الرئيس تكمن في تحويل هذه الإصلاحات من مطلب خارجي إلى استحقاق وطني داخلي طال انتظاره.
ويؤكد سلامة أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام استعادة المبادرة الفلسطينية، من خلال إنجاز الإصلاحات بقرار وطني مستقل، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
فتح وحمل عبء التمثيل الفلسطيني
ويشدد سلامة على أن حركة فتح تبقى الجهة الأقدر على حمل عبء التمثيل الفلسطيني وترميم شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، بحكم إرثها الوطني ومكانتها الشعبية، إلا أن ذلك مشروط بإجراء إصلاح داخلي شامل داخل الحركة.
ويعتبر سلامة أن المؤتمر الثامن لفتح لن يكون مجرد استحقاق تنظيمي عابر، بل اختبارًا وجوديًا يتطلب مراجعة نقدية شاملة، وتجديد الصف القيادي، والانتقال من مرحلة امتصاص الصدمات إلى مرحلة النهوض، عبر تقديم رؤية وطنية واضحة تقوم على استنهاض طاقات الشعب، وترتيب البيت الداخلي، واعتماد برنامج سياسي يرتكز على المواجهة والمقاومة الشعبية السلمية واستعادة ثقة الجماهير.
ويربط سلامة بين قرار عقد المؤتمر الثامن وقرار إجراء انتخابات المجلس الوطني، معتبرًا أن استعادة فتح لعافيتها التنظيمية سيمنحها موقعًا متقدمًا في أي انتخابات قادمة، بما يتيح لها مواصلة قيادة المشروع الوطني.
انتخابات المجلس الوطني أولوية سياسية
ويلفت سلامة إلى أن تقديم انتخابات المجلس الوطني على باقي الاستحقاقات يعكس أولوية سياسية، لما تحمله من دلالات تتعلق بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية واستنهاض الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ويوضح سلامة أن اعتماد التمثيل النسبي واعتبار فلسطين دائرة انتخابية واحدة يعزز التعددية السياسية ويشجع مشاركة الأحزاب الصغيرة، ويحد من النزعات الجهوية والعشائرية لصالح البرامج الوطنية، فضلًا عن ضمان تمثيل الشتات والمرأة والفئات المهمشة عبر نظام الكوتة.
ويؤكد سلامة أن منح الفصائل مهلة تسعة أشهر للاستعداد للانتخابات يعد فترة معقولة، وقد يفتح المجال لظهور قوى وتكتلات جديدة أكثر قدرة على الإسهام في رسم مستقبل فلسطين.
إثبات القدرة على تنفيذ الإصلاحات الداخلية
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة، د. قصي حامد، أن المرسوم الرئاسي بتحديد موعد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني يأتي في سياق سياسي أوسع، ولا يمكن قراءته كخطوة منفصلة، بل كاستكمال لسلسلة إجراءات سبقت، من بينها تعيين نائب للرئيس وإجراء تغييرات في بعض المناصب، بهدف تحديد مسارات المرحلة المقبلة في حال شغور منصب رئيس السلطة الفلسطينية وضمان استمرارية النظام السياسي.
ويوضح حامد أن هذه الإجراءات تحمل عدة أهداف رئيسية، أبرزها محاولة السلطة الفلسطينية إعادة تقديم أوراق اعتمادها للمجتمع الدولي، وإثبات قدرتها على تنفيذ إصلاحات داخلية، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها من أطراف دولية، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إضافة إلى إسرائيل.
ويعتبر حامد أن هذه الخطوات تمثل أيضًا محاولة لضخ دماء جديدة داخل بنية السلطة، وإظهار القدرة على قيادة عملية إصلاح حقيقية، ولا سيما في ظل تقديم قضايا فساد إلى المحاكم الفلسطينية كرسائل موجهة للخارج.
محاولة ترتيب البيت الداخلي
ويشير حامد إلى أن تنظيم انتخابات للمجلس الوطني يأتي في ظل تعثر إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، ما يدفع باتجاه منح المجلس الوطني دورًا تشريعيًا في النظام السياسي الفلسطيني.
ويلفت حامد إلى أن هذا التوجه يرتبط بمحاولة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني سياسيًا، وحصر الانتماء للنظام السياسي ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يتجلى في المرسوم الرئاسي الذي يشترط التزام المرشحين في أي انتخابات قادمة بتوجهات المنظمة والتزاماتها السياسية.
مساحات أكبر لقيادات فتحاوية شابة
وفيما يتعلق بعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يؤكد حامد أن ما يجري داخل الحركة ينسجم مع هذا السياق العام، إذ تواجه فتح مطالب متزايدة بإجراء إصلاحات داخلية، وإنتاج قيادات جديدة، ومنح مساحة أكبر للكوادر الشابة غير المرتبطة بقضايا فساد.
ويرى حامد أن المرحلة المقبلة تتطلب من الحركة أن تكون جاهزة لأي استحقاق انتخابي، مع تفادي الانقسامات والصراعات الداخلية، خصوصًا تلك المتعلقة بالمناصب العليا، وعلى رأسها منصب رئيس السلطة، في ظل حالة التذمر المتزايدة داخل قواعد الحركة بسبب تهميش القيادات الشابة.
إلا أن حامد يرى أن البيئة السياسية الفلسطينية الحالية لا تشكل أرضية خصبة لإعادة إحياء المشروع الوطني الفلسطيني، معتبرًا أن الخطوات الجارية تندرج ضمن مسارين أساسيين: تخفيف الضغوط الدولية عن السلطة الفلسطينية، ومحاولة إعادة تنظيم البيت الداخلي على أسس تضمن إحكام السيطرة على النظام السياسي.
ويؤكد حامد أن حصر معايير الترشح للمجلس الوطني ضمن شروط محددة قد يشكل حالة إقصاء لفئات فلسطينية أخرى لا تتوافق فكريًا مع منظمة التحرير.
أهمية التوافق الشامل على برنامج سياسي واحد
ويشدد حامد على أن المطلوب اليوم لا يقتصر على إجراء انتخابات شكلية، بل يستدعي توافقًا وطنيًا شاملًا على برنامج سياسي واحد، يلتزم به الجميع، قبل الذهاب إلى أي انتخابات.
ويرى حامد أن القضية الفلسطينية تمر بمحك وجودي يهدد الكيان السياسي برمته، في ظل مخاوف من نقل نموذج إدارة قطاع غزة إلى الضفة الغربية عبر لجان إدارية بديلة، ما قد يؤدي إلى تقويض ما تحقق من إنجازات باتجاه الدولة الفلسطينية.
ويؤكد حامد أن أي إصلاح حقيقي يبدأ بتوافق فلسطيني شامل، وليس بإجراءات منفردة قد تعمق الانقسام بدل معالجته.
محمد جودة: عقد مؤتمر فتح والمجلس الوطني يتزامنان مع تحولات إقليمية ودولية تمس جوهر القضية وكذلك الضغوط المتزايدة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي..
خطوتان تتزامنان مع تحولات إقليمية ودولية
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن المرسوم الرئاسي القاضي بتحديد موعد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بالتزامن مع قرار عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في الرابع عشر من مايو/ أيار المقبل، يأتيان في سياق سياسي فلسطيني شديد التعقيد، يتسم بانسداد سياسي ممتد وأزمة شرعية بنيوية تطال مؤسسات النظام السياسي، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ويوضح جودة أن هاتين الخطوتين تتزامنان مع تحولات إقليمية ودولية عميقة تمس جوهر القضية الفلسطينية، إلى جانب ضغوط متزايدة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي بما يتلاءم مع استحقاقات المرحلة المقبلة.
إعادة إنتاج الشرعية التمثيلية
ويرى جودة أن المرسوم الرئاسي يحمل دلالات سياسية مركزية، أبرزها السعي إلى إعادة إنتاج الشرعية التمثيلية عبر تجديد مؤسسات منظمة التحرير بعد سنوات من الجمود وغياب الآليات الديمقراطية، إضافة إلى إعادة الاعتبار للمنظمة كمرجعية سياسية في مواجهة محاولات تهميشها أو تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية أو دولية قادمة.
ويشير جودة إلى أن تحديد موعد انتخابات المجلس الوطني يعيد فتح النقاش حول العلاقة بين منظمة التحرير والفصائل غير المنضوية في إطارها، وما يترتب على ذلك من إعادة تعريف للتمثيل الوطني، خاصة في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني.
ويشدد جودة على أن قرار عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يمكن فصله عن المرسوم الرئاسي، إذ يشكلان مسارين متوازيين ومتكاملين.
المؤتمر الفتحاوي استحقاق تنظيمي مؤجل
ويبيّن جودة أن المؤتمر الفتحاوي يمثل استحقاقًا تنظيميًا مؤجلًا يهدف إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للحركة ومعالجة مظاهر الترهل والانقسام، فضلًا عن ضبط التوازنات الداخلية قبل الدخول في استحقاق وطني بحجم انتخابات المجلس الوطني، بما يضمن حضورًا منضبطًا وفاعلًا للحركة داخل مؤسسات منظمة التحرير، وتكريس دورها القيادي في النظام السياسي الفلسطيني.
ورغم أهمية الخطوتين، يحذّر جودة من أن البيئة السياسية لا تزال تعاني من اختلالات جوهرية، أبرزها استمرار الانقسام، وغياب توافق وطني شامل على آليات الانتخابات، ولا سيما تمثيل فلسطينيي الشتات، إلى جانب القيود الإسرائيلية المحتملة، خاصة في القدس، وتراجع ثقة الشارع الفلسطيني بجدوى العملية السياسية.
ويشير إلى أن هذه التطورات تعكس محاولة لإعادة ضبط النظام السياسي الفلسطيني أكثر من كونها مسارًا مكتمل الأركان للإصلاح الشامل.
ووفقًا لجودة، فإن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين إجراء انتخابات جزئية أو شكلية، أو تأجيل غير معلن، أو توافق وطني محدود يفتح باب إصلاح تدريجي، وصولًا إلى انفراجة وطنية شاملة لكنها تبقى السيناريو الأضعف، مشدداً على أن نجاح هذه الخطوات مرهون بتوفر إرادة سياسية جامعة، وهو ما لا يزال غائبًا حتى اللحظة.
بنية النظام السياسي والمشكلة الجوهرية
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د. رائد الدبعي أن الأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني تتجاوز مسألة تنظيم الانتخابات أو تحديد مواعيدها، مؤكداً أن المشكلة الجوهرية تكمن في بنية النظام السياسي نفسه، وليس في غياب إجراء انتخابي هنا أو هناك.
ويوضح الدبعي أن الانتخابات لا يمكن أن تُختزل كحل سحري لأزمة النظام السياسي، كونها في الأصل أداة إجرائية ضمن منظومة ديمقراطية متكاملة، تقوم على التعددية الحقيقية، وتكافؤ الفرص، والتداول الفعلي للسلطة، واستقلال المؤسسات، إضافة إلى عقد اجتماعي يعكس إرادة الجماعة السياسية الفلسطينية.
محاذير من وجود آلية لضبط النظام وإعادة إنتاجه
ويعتبر الدبعي أن هذه الشروط غير متوفرة بنيوياً في الحالة الفلسطينية، ما يجعل اختزال الديمقراطية في تحديد موعد للانتخابات مقاربة قاصرة تخدم خطاب "الشرعية الشكلية" أكثر مما تخدم التحول الديمقراطي الحقيقي.
ويحذر الدبعي من أن تنظيم الانتخابات في ظل هذه الظروف سيحوّلها من أداة للتحرر السياسي إلى آلية لضبط النظام وإعادة إنتاجه، بدلاً من إصلاحه أو توسيع دائرة المشاركة الشعبية في صناعة القرار السياسي.
ويشير الدبعي إلى أن هناك قناعة راسخة داخل مركز القرار السياسي الفلسطيني بأن من يسيطر على مدخلات العملية الانتخابية سيسيطر على نتائجها، وهو ما ينعكس بوضوح في تحديد موعد المؤتمر الثامن لحركة فتح.
ملامح العلاقة بين فتح والمنظمة والسلطة
ويلفت الدبعي إلى أن المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يُعد حدثاً تنظيمياً داخلياً فحسب، بل يمثل مفصلاً سياسياً ووطنياً بالغ الأهمية، نظراً لدوره في تحديد موازين القوى داخل الحركة الأكبر والأكثر تأثيراً في النظام السياسي الفلسطيني، كما يرسم ملامح العلاقة المستقبلية بين حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية.
ويعتقد الدبعي أن المؤشرات الحالية تدل على أن المؤتمر سيكون "مؤتمر انتخابات لا مؤتمر برامج"، في ظل غياب أي تغيير حقيقي في تركيبة أعضائه أو آليات اختيار المندوبين.
ويبيّن الدبعي أن الذهاب إلى المؤتمر بذات البنية التنظيمية الحالية، التي يغلب عليها الطابع الوظيفي، حيث يُتوقع أن يشكل الموظفون الحكوميون العسكريون والمدنيون أكثر من 80% من أعضائه، يتناقض مع تعريف فتح لنفسها كحركة تحرر وطني تمثل مختلف شرائح الشعب الفلسطيني.
ويؤكد الدبعي أن التيارات النقدية داخل الحركة مهمشة، وأن النقاش السياسي سيكون محكوماً بسقف منخفض، مع غياب تمثيل حقيقي للشباب، ما يجعل المؤتمر أداة لإعادة الضبط الداخلي لا للمراجعة والتجديد المطلوبين.
ويحذر الدبعي من أن قيادة حركة فتح يجب أن تدرك حجم التحديات الراهنة، محذراً من احتمال تكرار سيناريو قطاع غزة، وإسقاط المشروع السياسي الفلسطيني والتمثيل الوطني، والاستعاضة عنه بلجنة تسيير أعمال، لا سمح الله، داعياً الحركة لتبني مقاربة جديدة ترتقي لمواجهة التحديات الوجودية للقضية الفلسطينية.
غياب آلية واضحة لتمثيل فلسطينيي الشتات
وفي ما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، يعتبر الدبعي أن هذا الملف يواجه إشكاليات جوهرية تتعلق بالسؤال الأساسي: من سينتخب، وأين، وكيف، وعلى أي أساس؟
ويشير الدبعي إلى غياب آلية واضحة لتمثيل فلسطينيي الشتات، وعدم وجود إطار قانوني أو توافق وطني ينظم هذه الانتخابات، إضافة إلى تعقيدات الانقسام السياسي.
ويؤكد الدبعي أن القدس تبقى قضية سياسية وأخلاقية ووطنية، وليست مجرد تفصيل إجرائي، محذراً من أن إجراء الانتخابات دون القدس الشرقية يعني تكريس منطق السيادة الناقصة.
مصير الانتخابات في قطاع غزة
ويتساءل الدبعي عن مصير الانتخابات في قطاع غزة، وإمكانية إجرائها والاعتراف بنتائجها في ظل المواقف الدولية والإقليمية الراهنة، وما تعانيه غزة من كارثة إنسانية نتيجة الحرب.
ويشدد الدبعي على أن الأولوية اليوم ليست الإسراع في تنظيم الانتخابات، بل إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني على أساس توافق وطني شامل، وإشراك فلسطينيي الشتات في صناعة المستقبل، عبر حراك ديمقراطي وبرامجي واضح.
ويعتبر الدبعي أن الغياب اللافت للحديث عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يثير تساؤلات جوهرية حول منطق ترتيب الشرعيات، مؤكداً أن الانتخابات حق وواجب، لكنها تحتاج إلى توافق وطني وآليات ديمقراطية حقيقية، لا إلى إجراءات متسرعة قد تضر بالمشروع الوطني الفلسطيني برمته.
محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن التوجه نحو عقد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بالتوازي مع التحضير لانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يمثل محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي داخل منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح وفي مجمل الحياة السياسية الفلسطينية، في ظل ما تشهده الساحة من أزمات بنيوية وانقسام طويل الأمد.
ويوضح هواش أن انتخابات المجلس الوطني تأتي استجابة مباشرة لنداءات وضغوط عربية وأوروبية داعمة للسلطة الفلسطينية ولخيار حل الدولتين، وتطالب منذ سنوات بتجديد الشرعيات الفلسطينية عبر آليات ديمقراطية واضحة.
ويعتبر هواش أن هذه الانتخابات تشكل صيغة سياسية تتجاوز منطق الانقسام الثنائي القائم بين حركتي فتح وحماس، وتعيد الاعتبار لبقية مكونات المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية، كما كانت قبل اتفاق أوسلو.
ويشير هواش إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية، في مراحل سابقة، كانت تشكل جبهة وطنية عريضة تضم مختلف أطياف الشعب الفلسطيني المؤمن بأهداف الحركة الوطنية، قبل أن يشهد المشهد السياسي تحولات عميقة مع صعود حركة حماس، التي سعت إلى تشكيل قطب منافس لمنظمة التحرير تحت شعارات بديلة، مستغلة مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو والطعن في نهج التسوية الذي تبنته القيادة الفلسطينية.
انتخابات المجلس الوطني ومنطق العودة إلى الشعب
ويؤكد هواش أن إجراء انتخابات المجلس الوطني في هذا التوقيت يعني "العودة إلى الشعب" بوصفه مصدر الشرعية، ونقل التفويض من الفصائل إلى المواطنين، ليقول الشعب الفلسطيني كلمته في اختيار قيادته وممثليه، سواء داخل الوطن أو في أوساط الجاليات الفلسطينية في الخارج، عبر انتخابات مباشرة أو صيغ تمثيلية تعتمد نظام الحصص حيث يتعذر الاقتراع.
ويعتبر هواش أن نجاح هذه العملية قد يشكل "ثورة سياسية ثانية" وبداية جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية، شرط ألا تعرقلها إسرائيل أو الظروف القسرية في الأراضي المحتلة.
وفي ما يتعلق بالبيئة السياسية، يشدد هواش على أن المناخ العام مؤاتٍ لإجراء الانتخابات، إذ إن مختلف الفصائل والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني تطالب بتجديد التفويض الشعبي، مؤكداً أن هذا التفويض ينبغي أن يكون لمنظمة التحرير باعتبارها الإطار الجامع، لا لفصيل أو تيار سياسي بعينه.
تحديد الخيارات السياسية لحركة فتح
أما بخصوص عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يرى هواش أن انعقاده لا ينفصل عن السياق العام، لكنه استحقاق تنظيمي داخلي تأخر منذ نهاية عام 2023 بفعل الحرب على قطاع غزة. ويوضح هواش أن قرار عقد المؤتمر يهدف إلى تحديد الخيارات السياسية للحركة وتجديد هيئاتها القيادية وضخ دماء شابة، بما يتلاءم مع تعقيدات المرحلة الراهنة، خاصة أن فتح ما تزال تشكل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية.
وحول السيناريوهات المتوقعة، يرجّح هواش انعقاد المؤتمر الثامن لفتح ما لم تظهر عقبات سياسية كبرى، معتبراً أن التحديات الأساسية لوجستية وتتعلق بإمكانية وصول أعضاء المؤتمر من غزة والخارج.
في المقابل، يحذّر من أن انتخابات المجلس الوطني قد تواجه عراقيل إسرائيلية، لا سيما إذا استمرت الحرب على قطاع غزة أو توسعت، مؤكداً أن نجاح الانتخابات مرهون بشمولها الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، إلى جانب تمثيل الشتات، باعتبارها المخرج الحقيقي للأزمة السياسية الفلسطينية.
المصدر:
القدس