أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً رئاسياً يقضي بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، في خطوة تهدف إلى إشراك الجمهور في صياغة العقد الاجتماعي الجديد. ودعا القرار المواطنين والمؤسسات والقوى السياسية إلى تقديم مقترحاتهم وملاحظاتهم حول المسودة عبر منصة إلكترونية مخصصة لهذا الغرض.
وحددت الرئاسة الفلسطينية مدة 60 يوماً لاستقبال الملاحظات من تاريخ النشر، حيث ستتولى لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة عن اللجنة الوطنية مهمة فرز هذه المقترحات. وسيتم تصنيف الملاحظات إلى جوانب جوهرية تمس المبادئ الدستورية، وأخرى فنية تتعلق بآليات الصياغة والتنظيم القانوني للوثيقة.
تتألف المسودة المطروحة من 162 مادة قانونية، وقد أشرفت على إعدادها لجنة مكونة من 16 عضواً برئاسة محمد الحاج قاسم. وتستمد المسودة فلسفتها من وثيقة إعلان الاستقلال الصادرة عام 1988، مع التأكيد على الالتزام بمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وتؤكد نصوص المسودة على الهوية الوطنية الفلسطينية، معتبرة أن سيادة القانون هي الضمانة الأساسية للحريات العامة والخاصة في البلاد. كما شددت الوثيقة على أن هذا الدستور يعد مرحلة انتقالية تهدف إلى ترسيخ مؤسسات الدولة وصولاً إلى الاستقلال الكامل والسيادة الناجزة على الأرض.
من جانبه، وصف الخبير القانوني أحمد الأشقر المسودة بأنها خطوة ممتازة في مسار البناء المؤسسي، داعياً إلى ضرورة عرضها على استفتاء شعبي شامل. وأوضح الأشقر أن المادة 162 من المسودة تتيح هذا المسار، رغم وجود بعض القصور الهيكلي الذي يمكن تداركه خلال فترة النقاش العام.
في المقابل، برزت أصوات معارضة لبعض المواد، حيث انتقد القيادي في المبادرة الوطنية غسان جابر المادة 155 من مشروع الدستور. واعتبر جابر أن هذه المادة تمنح السلطة التنفيذية، وتحديداً رئيس الدولة، صلاحيات واسعة قد تؤدي إلى تجاوز الإرادة الشعبية في تعديل الدستور مستقبلاً.
وحذر جابر من أن منح رئيس الدولة أو ثلث أعضاء البرلمان حق طلب التعديل قد يقلص دور الشعب في حماية العقد السياسي الأساسي. وأكد على ضرورة أن تخضع أي تعديلات تمس الحقوق والحريات أو شكل الدولة لموافقة مباشرة من المواطنين عبر صناديق الاقتراع لضمان الديمقراطية.
وفي سياق النقد الجوهري، أشار الأكاديمي زاهر كحيل إلى أن المسودة تعاني من انفصال عن الواقع الميداني الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. ورأى كحيل أن النص يتعامل مع فلسطين كدولة مستقرة وذات سيادة كاملة، دون وضع أطر دستورية واضحة لإدارة شؤون الشعب في ظل الاستعمار الاستيطاني.
وانتقد كحيل التركيز المفرط على الجوانب الإجرائية للديمقراطية والفصل بين السلطات، مع إغفال تصور مشروع التحرر الوطني داخل الوثيقة الدستورية. واعتبر أن الدستور يجب أن يعكس حالة النضال الفلسطيني ويوفر الغطاء القانوني لمقاومة الاحتلال بالوسائل السياسية والقانونية والشعبية المعترف بها.
يأتي هذا التحرك الدستوري تنفيذاً لتوجيهات سابقة أصدرها الرئيس عباس في أكتوبر الماضي، بضرورة إنجاز دستور مؤقت يسهل الانتقال من مرحلة السلطة إلى الدولة. وتتزامن هذه الخطوة مع مرسوم آخر يدعو لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر من العام القادم 2026.
وتواجه القيادة الفلسطينية ضغوطاً ومطالبات دولية وإقليمية متزايدة لإجراء إصلاحات شاملة في بنية السلطة ومنظمة التحرير. وتعتبر أطراف دولية أن تحديث المنظومة القانونية والدستورية يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الاعتراف الدولي المتنامي بالدولة الفلسطينية في المحافل الأممية.
وأفادت مصادر بأن الحراك الدبلوماسي الفلسطيني نجح في انتزاع اعترافات جديدة بالدولة، حيث انضمت 11 دولة إلى قائمة المعترفين خلال العام الماضي. وبهذا يصل عدد الدول التي تعترف رسمياً بدولة فلسطين إلى 159 دولة، مما يزيد من أهمية وجود إطار دستوري يمثل هذه الدولة أمام المجتمع الدولي.
وتسعى اللجنة الوطنية لصياغة الدستور إلى تنظيم لقاءات مع مؤسسات المجتمع المدني والخبراء لضمان أوسع مشاركة ممكنة في تجويد النصوص المقترحة. ويهدف هذا المسار إلى تقليل الفجوات بين الرؤى السياسية المختلفة وضمان خروج وثيقة تحظى بتوافق وطني عريض قبل إقرارها النهائي.
ويبقى التحدي الأكبر أمام هذا المشروع هو كيفية مواءمة النصوص الدستورية مع التحديات الميدانية والانقسام السياسي الداخلي. ويرى مراقبون أن نجاح الدستور المؤقت يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرته على توحيد المؤسسات الفلسطينية وتقديم نموذج حكم ديمقراطي يلبي تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية.
المصدر:
القدس