في زاوية ضيقة أمام منزله المجاور للمقبرة، ينهمك الفنان محمد ياسين في تحويل قطع الرخام الصامتة إلى سجلات حية تحفظ أسماء الشهداء. هذه المهنة التي كانت قبل الحرب تقتصر على تزيين البيوت وزخرفة المساجد، باتت اليوم وسيلة اضطرارية لتوثيق الفقد ومقاومة النسيان الذي يهدد هوية الضحايا في زمن الإبادة.
لقد غيّر العدوان المستمر على قطاع غزة مسار حياة ياسين المهني، حيث انتقلت أدواته من صناعة الجمال المعماري إلى توثيق الألم الإنساني. وأصبح الرخام في يده رمزاً للخلود والذاكرة الوطنية، وشاهداً حياً على حجم التضحيات والصمود الأسطوري الذي يسطره الفلسطينيون في مواجهة آلة الحرب.
يقول ياسين إن عمله الأساسي كان يتركز في مجالات الملتيميديا والتصميم والدعاية، وقد واكب التطور التكنولوجي من الحفر اليدوي إلى استخدام الماكينات الحديثة. ومع تدمير محله التجاري الذي كان مصدر رزقه الوحيد، لم يجد بداً من استئناف العمل من أمام منزله لتلبية احتياجات الأهالي المتزايدة.
تفرض الحرب واقعاً مأساوياً على عمليات الدفن، حيث يضطر الناس لدفن ذويهم في قبور جماعية أو فتح قبور قديمة لأقاربهم بسبب ضيق المساحات. هذا الاكتظاظ خلق حاجة ملحة لوضع شواهد واضحة المعالم، تمكن العائلات من التعرف على أماكن دفن أبنائهم وزيارتهم في ظل تسارع الأحداث.
يواجه فنانو الرخام تحديات جسيمة تتمثل في نقص المواد الخام والارتفاع الجنوني في أسعارها، فضلاً عن الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي. ويؤكد ياسين أنه يحاول قدر الإمكان عدم تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية، رغم أن تكلفة الإنتاج تضاعفت عدة مرات عما كانت عليه قبل اندلاع المواجهات.
بالأرقام، قفز سعر الشاهد الرخامي من 100 شيكل إلى نحو 400 شيكل، نتيجة ارتفاع سعر لتر 'مياه النار' المستخدم في الحفر من 10 شواكل إلى 170 شيكلاً. كما طال الارتفاع أسعار الجلاتين والدهانات، مما جعل الاستمرار في هذه الحرفة يتطلب جهداً مضاعفاً وتكاليف تشغيلية باهظة.
من جانبه، يرى الفنان صلاح الطهراوي أن عمله في حفر الشواهد هو رسالة وطنية قبل أن يكون مهنة لكسب العيش. فهو يقضي ساعات طويلة في مطبعته المتواضعة يجهز التصاميم التي تخلد أسماء الشهداء، معتبراً أن كل اسم ينقشه يمثل قصة وحلماً لم يكتمل بسبب آلة القتل الإسرائيلية.
ويصف الطهراوي شعوره بالمسؤولية تجاه الشهداء، مؤكداً أن الاسم المنقوش على الرخام هو الوسيلة الأخيرة لمقاومة الغياب القسري. وتتحول ساعات العمل الصامتة إلى رحلة وجدانية مع قصص الضحايا، حيث يمتزج صوت آلات النحت بمرارة الفقد التي تخيم على كل بيت في غزة.
قصص الفقد تتجسد في شاهد واحد لعائلة 'جويفل'، التي اضطرت لدفن أفرادها معاً في قبر واحد بسبب انعدام الخيارات. هذا المشهد الموجع يختزل مأساة العائلات الفلسطينية التي سلبها الاحتلال حقها في وداع لائق، وجعل من القبر الواحد مستقراً أخيراً لمن جمعتهم الحياة وفرقهم القصف.
وفي سياق متصل، تروي أم سامر قصة دفن ابنها الشهيد إلى جوار والده الذي توفي قبل سنوات، في مشهد يعكس ضيق حال المقابر في القطاع. وقد حرصت الأم على صنع شاهد يحمل الاسمين معاً، ليكون علامة باقية تجمع بين 'مهجة قلبها' وزوجها الراحل تحت ثرى غزة المثقل بالجراح.
أكاديمياً، يرى مروان نصار، أستاذ الفنون الجميلة أن هذا التحول يمثل نقلة عميقة في وظيفة الفن الفلسطيني. فالفنان هنا لم يعد صانع زخرفة فحسب، بل تحول إلى 'حارس للذاكرة'، يطوع أدواته لخدمة التوثيق الوجداني والإنساني في ظل محاولات المحو الثقافي والجسدي.
تأتي هذه الجهود الفردية في وقت يعاني فيه القطاع من أزمات إنسانية متفاقمة، رغم الحديث عن اتفاقات لوقف إطلاق النار بموجب مقترحات دولية. فالمجاعة ونقص الخيام والأدوية لا تزال تفتك بالسكان، في ظل قيود مشددة يفرضها الاحتلال على المعابر وحركة المسافرين والجرحى.
إن شواهد القبور في غزة لم تعد مجرد حجارة تعريفية، بل تحولت إلى وثائق بصرية وتاريخية تحفظ حق الشهداء في البقاء داخل الذاكرة الجمعية. وهي تعبر عن إصرار الفلسطيني على أن يظل حاضراً حتى في موته، متحدياً كل محاولات التغييب والنسيان التي تفرضها الحرب.
ختاماً، تظل حرفة النقش على الرخام في غزة شاهداً على إرادة الحياة وسط الموت، حيث يصر الفنانون على منح الضحايا كرامة الاسم والذكرى. ومع كل حرف يُحفر على الحجر، تُكتب فصول جديدة من حكاية الصمود الفلسطيني التي لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تخلدها هذه الشواهد للأجيال القادمة.
المصدر:
القدس