استعرض الجراح المغربي يوسف بو عبد الله تفاصيل تجربته الإنسانية والمهنية القاسية خلال مهمتين طبيتين تطوعيتين في قطاع غزة، حيث واجهت الفرق الطبية تحديات غير مسبوقة للبقاء على قيد الحياة وتقديم الرعاية للجرحى. وأوضح بو عبد الله أن رحلته بدأت في مستشفى كمال عدوان شمالي القطاع، قبل أن ينتقل للعمل لمدة شهرين في المستشفى الإندونيسي، واصفاً تلك الفترة بأنها اختبار حقيقي للصمود البشري.
وأفادت مصادر بأن الجراح المغربي، الذي تحدث خلال منتدى في العاصمة القطرية الدوحة، أكد أن العمليات الجراحية كانت تُجرى تحت وقع القصف المباشر الذي لم يكن يفصله عن غرف العمليات سوى مسافات قصيرة. وأشار إلى أن أصوات الانفجارات كانت تهز أركان المستشفيات باستمرار، مما خلق حالة من الرعب الدائم لدى الطواقم الطبية والمرضى على حد سواء.
ورغم أجواء الخوف والإرهاق الشديد، ذكر بو عبد الله أن رؤية وجوه الأطفال المصابين كانت تمنح الأطباء دافعاً معنوياً كبيراً للاستمرار في أداء مهامهم. واعتبر أن القوة التي استمدها المتطوعون من صمود الضحايا كانت غير مفهومة بالمعايير التقليدية، لكنها كانت كافية لمواجهة شح الإمكانات الطبية والضغط النفسي الهائل.
وتوقف الجراح المغربي عند واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في مسيرته، وهي استشهاد مدير المستشفى الإندونيسي، مروان سلطان، الذي قضى مع أبنائه الأربعة في غارة جوية. ووصف سلطان بأنه كان رمزاً للتفاني والبشاشة، مؤكداً أن رحيله ترك جرحاً عميقاً في قلوب زملائه وصدمة إنسانية لا يمكن نسيانها بسهولة في ظل استهداف الكوادر الطبية.
وفي وصفه لليالي الحرب الدامية، أشار بو عبد الله إلى وصول مئات الشهداء والمصابين في دفعات متتالية، مما وضع النظام الصحي المتهالك أمام اختبار مستحيل. وكان على الأطباء اتخاذ قرارات سريعة وإدخال الأطفال إلى غرف الجراحة واحداً تلو الآخر، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الأساسية اللازمة لإنقاذ الأرواح.
وأشاد الجراح المغربي بالروح القتالية للطواقم الطبية الفلسطينية التي رفضت التراجع عن مواقعها رغم استهداف المنشآت الصحية بشكل متكرر. وأكد أن الأطباء المحليين كانوا يبتكرون حلولاً لإجراء العمليات بما يتوفر من أدوات، حتى لو كانت أقل من الحد الأدنى المطلوب طبياً، معتبرين أن البقاء في الميدان هو جزء من رسالتهم الوطنية والإنسانية.
واختتم بو عبد الله شهادته بالتأكيد على أن التجربة في غزة تجاوزت حدود العمل المهني لتصبح رابطة دم ومصير مشترك بين المتطوعين الدوليين وأبناء القطاع. وشدد على أن الأطباء في غزة لا يزالون يمثلون حائط الصد الأخير، واصفاً إياهم بالجبال الراسخة التي لم تنحنِ أمام آلة الحرب والظروف المعيشية والمهنية القاتلة.
المصدر:
القدس