وسط ركام المنازل المدمّرة وفي المساحات الضيقة الفاصلة بين خيام النازحين بمدينة خان يونس، يصر أطفال غزة على مواصلة شغفهم برياضة الكاراتيه. هذه التدريبات التي كانت تُقام سابقاً في صالات مجهزة، انتقلت قسراً إلى الرمال بعد أن استهدفت الآلة العسكرية الإسرائيلية الأندية الرياضية وحولتها إلى أثر بعد عين.
وتحولت الممرات الرملية في مخيمات النزوح جنوبي القطاع إلى ساحات تدريب بديلة، حيث يقضي الأطفال ساعات يومهم في ممارسة حركات الدفاع عن النفس. ويهدف هذا النشاط إلى الحفاظ على اللياقة البدنية والانضباط الجسدي في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة أو الأمان الرياضي المعتاد.
ويشرف المدرب خليل شقليه على هذه التدريبات، مؤكداً أن تدمير البنية التحتية الرياضية منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 أجبر الجميع على التكيف مع الواقع الجديد. وأوضح شقليه أن صالته الخاصة التي كان يمتلكها دُمرت بالكامل، ولم يعد يملك سوى عزيمة طلابه لمواصلة المسيرة فوق رمال الشاطئ.
وتعكس ملابس اللاعبين المتباينة حجم المعاناة التي يعيشها القطاع الرياضي، حيث يرتدي بعض الأطفال الزي الأزرق وآخرون الأبيض لعدم توفر الزي الرسمي الموحد. ويشير المدرب إلى أن هذا التنوع ليس اختيارياً، بل هو نتيجة فقدان المعدات والملابس الرياضية تحت ركام المنازل والأندية المستهدفة.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، إلا أن القيود الإسرائيلية على المعابر لا تزال تعيق وصول المستلزمات الأساسية. ويؤكد رياضيون في القطاع أن استمرار إغلاق المنافذ يحرم الأبطال الموهوبين من المشاركة في البطولات الخارجية وتمثيل فلسطين في المحافل الدولية.
وتلقي الأزمة الإنسانية بظلالها الثقيلة على أداء الرياضيين، حيث أثر سوء التغذية الحاد والمجاعة التي ضربت مناطق واسعة من القطاع على البنية الجسدية للأطفال. ويرى مختصون أن صمود هؤلاء اللاعبين يعود جزئياً إلى خلفيتهم الرياضية التي منحتهم قدرة أكبر على تحمل الظروف القاسية.
وكانت تقارير دولية قد أكدت تفشي المجاعة في مدينة غزة وشمال القطاع خلال شهر أغسطس الماضي، نتيجة الحصار المطبق ومنع دخول المساعدات. وتضم المبادرة العالمية التي أعلنت هذا التدهور منظمات كبرى مثل 'اليونيسف' ومنظمة الصحة العالمية، محذرة من عواقب كارثية على نمو الأطفال.
من جانبها، تروي اللاعبة ياسمين شقليه تجربتها مع النزوح، حيث توقفت عن ممارسة الكاراتيه لسنوات قبل أن تعود للتدريب داخل الخيام. ياسمين التي تبلغ الآن 21 عاماً، تطمح للحصول على الحزام الأسود 'دان 2' وإعادة بناء النادي الذي فقدته مع أول موجة نزوح من مدينة رفح.
وتسعى ياسمين من خلال مبادرتها الرياضية إلى إخراج الأطفال من أجواء الصدمات النفسية التي خلفتها الحرب الطويلة. وتقول إن الرياضة أصبحت الوسيلة الوحيدة لإعادة الأمل للصغار الذين فقدوا بيوتهم ومدارسهم، وهي تحلم اليوم بافتتاح أكاديمية متخصصة فور البدء بعمليات الإعمار.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الحرب التي استمرت عامين خلفت دماراً هائلاً طال نحو 90% من المرافق المدنية والرياضية في قطاع غزة. وبحسب تصريحات سابقة لمصادر رياضية فلسطينية، فإن آلاف الرياضيين والمدربين سقطوا بين شهيد وجريح، مما أدى لتوقف كامل للأنشطة الرسمية.
وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب بنحو 70 مليار دولار، وهو مبلغ يعكس حجم التحدي الذي يواجه القطاع الرياضي والمدني. ومع ذلك، يظل إصرار الأطفال على التدريب فوق الرمال رسالة تحدٍ واضحة تعبر عن الرغبة في الحياة والتمسك بالحلم رغم الدمار.
ويطالب المجتمع الرياضي الدولي بالتدخل للضغط على سلطات الاحتلال لفتح المعابر والسماح بدخول المعدات الرياضية والمساعدات الإنسانية. ويشدد المدربون في غزة على أن هؤلاء الأطفال يمتلكون مواهب عالمية تستحق الرعاية والاهتمام، بدلاً من تركهم يواجهون مصيرهم في مخيمات النزوح.
إن تحويل الشوارع والمساحات الرملية إلى حلبات للكاراتيه ليس مجرد خيار رياضي، بل هو فعل مقاومة يومي ضد محاولات تجهيل وتحطيم جيل كامل. ويأمل هؤلاء الصغار أن يأتي اليوم الذي يمثلون فيه فلسطين في الأولمبياد، منطلقين من هذه الخيام التي شهدت أولى خطواتهم نحو الاحتراف.
وفي ختام المشهد، تظل صور الأطفال ببدلاتهم الملونة فوق رمال غزة شاهدة على مأساة إنسانية لم تنتهِ فصولها بوقف إطلاق النار. فالحرب قد توقفت عسكرياً، لكن معركة البقاء وإعادة بناء الإنسان والمنشآت لا تزال في بدايتها وسط ظروف اقتصادية وصحية بالغة التعقيد.
المصدر:
القدس