آخر الأخبار

تسجيل أراضي القدس بالطابو الإسرائيلي يهدد الوجود المقدسي

شارك


د. محمود أبو صوي: قرار الاحتلال الشروع في تسجيل أراضي القدس المحتلة في "الطابو" خطوة بالغة الخطورة لإعادة هندسة الملكية والسيادة في المدينة
خليل تفكجي: تسجيل أراضي القدس في السجل العقاري الحلقة الأخيرة في تحويل المدينة إلى يهودية وبالتالي يتحول المواطنون إلى مايشبه المستأجرين
مازن الجعبري: خطورة القرار تتضاعف لأن التحدي الرئيسي أمام كثير من المقدسيين صعوبة تقديم أوراق ثبوتية كاملة ومقبولة لدى الدوائر الإسرائيلية
د. إسماعيل مسلماني: الاحتلال يستخدم التسجيل كوسيلة لتثبيت السيطرة القانونية والسياسية على الأرض ضمن سياسات أوسع تتعلق بالملكية والوجود بالقدس
ناصر الهدمي: القرار يتيح لسلطة الأراضي الإسرائيلية الاستيلاء على حصة أي مالك أو وارث إذا كان غير موجود في البلاد ما يمهد للاستيلاء على كامل العقار


خاص بـ "القدس" دوت كوم -
يثير قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مؤخراً، الشروع في تسجيل أراضي القدس المحتلة في السجل العقاري الإسرائيلي (الطابو) مخاوف العديد من المراقبين والسياسيين والقانونيين، الذين حذروا في أحاديث لـ"ے" من أن القرار يتجاوز طابعه الإداري المعلن، ليشكل خطوة بالغة الخطورة تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة، وتكريس السيادة الإسرائيلية عليها وضمّها، فيما يشكّل القرار مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، التي تحظر على قوة الاحتلال إحداث تغييرات دائمة في الوضعين القانوني والإداري للأراضي المحتلة.
كما حذروا من أن هناك مخاوف من أن التسجيل سيعمل بتكامل مع قوانين مثل قانون أملاك الغائبين، وغيره من التشريعات التي تُستخدم بالفعل في تغييب حقوق فلسطينيين لم يكونوا قادرين على تقديم أثباتات ملكية حديثة، مشيرين إلى أن ربط إجراءات التسجيل بقوانين إسرائيلية مثل قانون أملاك الغائبين وقوانين "أراضي الدولة" يحوّل عدم التسجيل أو عدم استكمال متطلبات الإثبات إلى مدخل قانوني لمصادرة الأرض ونقلها إلى ملكية سلطات الاحتلال أو الجمعيات الاستيطانية.


خطوة تتجاوز طابعها الإداري المعلن

يقول الأكاديمي والمحامي د. محمود أبو صوي: إن قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي الشروع في تسجيل أراضي القدس المحتلة في السجل العقاري الإسرائيلي (الطابو) يُعدّ خطوة قانونية-سياسية بالغة الخطورة، تتجاوز طابعها الإداري المعلن لتشكّل أداة ممنهجة لفرض السيادة الإسرائيلية على مدينة القدس، وتكريس ضمّها باستخدام أدوات قانوينة.
ويشير أبو صوي إلى أن الخطوة تُطبَّق على أرض محتلة بما يُشكل مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، التي تحظر على قوة الاحتلال إحداث تغييرات دائمة في الوضعين القانوني والإداري للأراضي المحتلة.
ويضيف: إنها تعيد تعريف الملكية العقارية في القدس وفق منظومة قانونية إسرائيلية "إقصائية" لا تراعي الخصوصية التاريخية لنظام الملكية السائد فيها.

خطورة القرار تكمن في تداعياته القانونية المباشرة

ويلفت أبو صوي إلى أن خطورة القرار تكمن في تداعياته القانونية المباشرة على ملكية العقارات الفلسطينية، مشيراً إلى أن آلاف العقارات الفلسطينية تقوم ملكيتها على سجلات عثمانية أو انتدابية، أو على نظام المشاع والإرث غير المفرز، أو على الحيازة الطويلة الأمد، وهي أنماط ملكية لا تحظى بحماية فعلية ضمن آليات التسجيل الإسرائيلية، ما يجعل عجز المالك عن تقديم مستندات "مقبولة" إسرائيليًا خطرًا قانونيًا بحد ذاته.
ويوضح أن هناك مخاوف من أن التسجيل سيعمل بتكامل مع قوانين مثل قانون أملاك الغائبين وغيره من التشريعات التي تُستخدم بالفعل في تغييب حقوق فلسطينيين لم يكونوا قادرين على تقديم أثباتات ملكية حديثة، مشيراً إلى أن ربط إجراءات التسجيل بقوانين إسرائيلية مثل قانون أملاك الغائبين وقوانين "أراضي الدولة" يحوّل عدم التسجيل أو عدم استكمال متطلبات الإثبات إلى مدخل قانوني لمصادرة الأرض ونقلها إلى ملكية الدولة أو الجمعيات الاستيطانية، بدلًا من افتراض بقاء الحق لصاحبه.
ويضيف: إن هذا المسار يُنتج واقعًا قانونيًا جديدًا يُنقل فيه عبء حماية الحق في الملكية من الدولة، بوصفه حقًا أصيلًا ومحميًا، إلى الفرد المقدسي الذي يُطالَب بإثبات ملكيته ضمن إجراءات معقدة، مكلفة، وطويلة، وفي بيئة قانونية "غير محايدة"، ما يضع شريحة واسعة من السكان أمام خطر فقدان أراضيهم بحكم الأمر الواقع.

فتح الباب أمام فقدان مساحات واسعة من الأرض

وحول انعكاسات هذا القرار، يؤكد أبو صوي أنها تتمثل في فتح الباب أمام فقدان تدريجي و"قانوني الشكل" لمساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية في القدس، وتعميق هشاشة الوضع القانوني للسكان، وتوسيع قاعدة الاستيطان تحت غطاء التسجيل والتنظيم، بما ينعكس مباشرة على الحق في السكن، والاستقرار، والحياة الكريمة، ويُسهم في تغيير الطابع الديمغرافي للمدينة.
ويقول أبو صوي: "إن تسجيل أراضي القدس في السجل العقاري الإسرائيلي ليس إجراءً تقنيًا أو تنظيميًا، بل أداة خطيرة لإعادة هندسة الملكية والسيادة في مدينة محتلة، وانتهاك جسيم للحق في الملكية ولمبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة، الأمر الذي يستدعي تحركًا قانونيًا وحقوقيًا عاجلًا على المستويين المحلي والدولي، لفضح هذا المسار والتصدي لتداعياته وحماية الوجود الفلسطيني في القدس".

الاحتلال يسعى لتهويد المدينة

يؤكد الخبير في شؤون الاستيطان خليل تفكجي أن تسجيل أراضي القدس في السجل العقاري الإسرائيلي يُعد الحلقة الأخيرة في عملية تحويل مدينة القدس إلى مدينة يهودية بامتياز.
ويشير إلى أن السكان الفلسطينيين يتحولون، بموجب هذا المسار، إلى ما يشبه مستأجرين لدى الحكومة الإسرائيلية. ويستدل على ذلك بأن الجانب الإسرائيلي يتعامل مع هذا المشروع باعتباره واقعًا قانونيًا، رغم وجود قرى فلسطينية كاملة لم تتعرض للتسجيل، وتمتلك أوراقا قديمة تعود إلى الأجداد، مثل إيصالات دفع الضرائب والمستندات التاريخية، إلا أنه يُطلب من المواطن الفلسطيني إثبات ملكيته للأرض عبر تقديم وثائق معقدة، من بينها شهادات ميلاد الأجداد.
ويوضح تفكجي أن كثيراً من أصحاب الأراضي يقيمون منذ عقود خارج القدس، سواء في الضفة الغربية أو في الخارج، ما يفتح الباب أمام تطبيق ما يسمى قانون "حارس أملاك الغائبين"، حيث يصبح هذا الحارس هو المتحكم بالعقار، إما من خلال تأجيره للسكان، أو عبر نقل الملكية الكاملة إلى الحكومة الإسرائيلية، بحجة عدم إثبات الملكية أو الامتناع عن تسجيل العقار لغياب الوثائق المطلوبة.
ويصف تفكجي هذه الخطوة بأنها "الطلقة الأخيرة" في استهداف القدس، لافتا إلى أن نحو 87% من مساحة القدس، ضمن حدود بلديتها، باتت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، المباشرة وغير المباشرة، ولم يتبق سوى نحو 13%، وهي المساحة التي يدور حولها الصراع حالياً.

الخطورة تتفاقم داخل البلدة القديمة

ويضيف تفكجي أن الخطورة تتفاقم داخل البلدة القديمة، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 40% من أملاكها مهددة كونها أملاك غائبين.
وعن مصير المقدسيين القاطنين في مناطق مثل كفر عقب، يقول تفكجي ينقسم سكان كفر عقب بين حملة هوية القدس وحملة هوية الضفة الغربية. فالأملاك العائدة لحملة هوية الضفة أو الجواز الفلسطيني تُصنف كأملاك غائبين، في حين لا تُصنف كذلك إذا كان المالك يحمل هوية القدس.
ويؤكد تفكجي أن الخطر الأكبر في بلدة كفر عقب يكمن في أن نسبة كبيرة من ملاك الأراضي يقيمون خارج البلاد، سواء في الولايات المتحدة أو في دول عربية، ما يمنح الجانب الإسرائيلي ذريعة إضافية للسيطرة على هذه الأملاك.
ويشير تفكجي إلى أنه في حال رغب المواطن في بناء منزل داخل القدس، يُطلب منه إثبات ملكية كاملة، إلى جانب حصر إرث شامل. وإذا تبين أن حصة أو حصتين من العقار تعود لشخص يقيم خارج القدس أو يحمل هوية غير مقدسية، فإن العقار يُدرج ضمن أملاك الغائبين، ما يمنع بيعه أو شراؤه، وتنتقل إدارته إلى الحكومة الإسرائيلية، التي تبدأ بتأجيره للسكان، لتصبح شريكا فعليا في المنزل، مع إمكانية طرد السكان أو تحويل الملكية الكاملة للأرض أو العقار إلى الحكومة الإسرائيلية.

القرار يحمل دلالات استعمارية أوسع

يرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي مازن الجعبري: إن قرار الحكومة الإسرائيلية رقم (3792) بشأن إتمام تسوية وتسجيل أراضي القدس المحتلة في السجل العقاري الإسرائيلي حتى نهاية عام 2029، يُطرح رسميًا كإجراء تنظيمي وإداري، مشيراً إلى أنه يحمل معاني سياسية وقانونية استعمارية أوسع؛ إذ يهدف إلى تسجيل 100% من أراضي المدينة خلال أربع سنوات، مع زيادة الميزانيات (نحو 10 ملايين دولار) والموارد البشرية والصلاحيات الممنوحة للجان التسوية.
ويؤكد الجعبري أنه لفهم القرار الحالي، يجب ربطه بالمرحلة الأولى التي بدأت في منتصف عام 2018 ضمن مسار سابق أُدرج في إطار خطة خماسية انتهت عام 2023، وحددت أهدافًا مرحلية بتسجيل 50% من أراضي المدينة حتى نهاية 2021، ثم إكمال ما تبقى حتى نهاية 2025، موضحاً أن القرار (3792) لا يستهل مشروعًا جديدًا، بل يعمق ويسرع ما بدأ منذ 2018، ما يعني توسيع المرحلة الأولى وتحويلها إلى مسار أشمل لترسيخ الحقائق وفرض قواعد السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية.
ويوضح الجعبري ان التحول الأساسي هنا هو الانتقال من تسويات محدودة النطاق إلى إعلان نية إنهاء ملف الملكيات على مستوى المدينة بالكامل، وهذا يجعل التسجيل النهائي لحظة حاسمة، لأنه لا يقتصر على توثيق الواقع القائم، بل قد يعيد تعريف من هو المالك القانوني، وحدود الأرض، وحقوق الورثة وفق إجراءات ومعايير إسرائيلية.
ويشير إلى أن خطورة القرار تتضاعف في مدينة القدس لأن التحدي الرئيسي أمام كثير من المقدسيين ليس غياب الحق في الملكية، بل صعوبة تقديم أوراق ثبوتية كاملة ومقبولة لدى الدوائر الإسرائيلية، في ظل توقف عمليات التسجيل التي بدأت في العهد الأردني بعد عام 1967، وبقاء نسبة الأراضي التي تمت تسويتها وتسجيلها ضمن تقديرات أقل من 10%.
وحول المخاطر العملية على المقدسيين، يقول الجعبري: إنها تظهر في نقطتين مترابطتين: الأولى أن التسوية قد تشمل أحياء فلسطينية مأهولة لم تكن على علم بالإجراءات أصلًا، ومن الأمثلة في المرحلة الأولى أنه تم تسجيل أراضي الجهة الغربية من الشيخ جراح المعروفة باسم كوبانية أم هارون باسم الجمعيات الاستيطانية، والثانية أن القرار الجديد يعزز الشراكة مع القيّم على أملاك الغائبين ويحوله إلى شريك رسمي في التنفيذ، ما يفتح الباب لتطبيق أوسع لقانون أملاك الغائبين على عقارات عدة، خاصة عند وجود ورثة خارج المدينة أو خارج فلسطين، أو عند تعذر استكمال ملفات الملكية الوراثية.
ويوضج الجعبري أن الصورة تتضح أكثر عند النظر إلى نتائج مسار التسوية منذ 2018: فقد تم إكمال نحو 50 حوضًا بمساحة تقارب ألفي دونم، مع تسجيل نحو 85% من الأراضي لصالح أحياء استيطانية أو نقلها إلى ملكية الدولة وهيئاتها، مقابل نحو 1% فقط سُجل باسم مالكين مقدسيين، مضيفاً: إن هذه الحصيلة تشير إلى أن التسوية كما طُبّقت لم تعمل كآلية لحماية الملكيات الفلسطينية أو تسهيل البناء، بل كأداة لإعادة توزيع الأرض لصالح الدولة والجمعيات الاستيطانية، عبر استغلال ثغرات الإثبات وتعقيدات الوراثة والملكية التاريخية.
ويختتم الجعبري إن القرار (3792) هو استكمال وتسريع لما بدأ عام 2018، ويحول ملف الأرض إلى ساحة حسم موثق قد تكون كلفته السياسية والوجودية كبيرة على المقدسيين، مشدداً على أنه في ظل صعوبات الإثبات القانونية، وضعف أدوات الحماية الفعلية، وتراجع فاعلية الرهان على قنوات دولية في سياق دولي مضطرب، يُخشى أن يتحول مشروع التسوية، إلى جانب سياسات الجباية والضرائب وربط الترخيص بالملكية، إلى أداة ضغط مركبة: ترسيخ السيطرة على ما تبقى من الأرض الفلسطينية، ورفع كلفة البقاء، ودفع مزيد من السكان إلى الهجرة القسرية الناعمة، بما يخدم هدف حسم هوية المدينة وفرض السيادة الإسرائيلية عليها.


دلالات سياسية وقانونية عميقة

يؤكد الكاتب المختص بالشان الإسرائيلي د. إسماعيل مسلماني أن الحكومة الإسرائيلية قررت استكمال مشروع "تسوية وتسجيل أراضي القدس المحتلة" في السجل العقاري الإسرائيلي (الطابو)، وهو مشروع بدأ فعليًا منذ عام 2018، ويهدف إلى توثيق ملكية الأراضي وفق القانون الإسرائيلي، مع رصد ميزانية تُقدَّر بنحو 30 مليون شيكل لتنفيذه.
ويوضح مسلماني أن هذا القرار لا يُعد إجراءً فنياً أو إدارياً بحتاً، بل يحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، أبرزها تحويل الأراضي من وضع غير منظم إلى وضع مسجل وفق القواعد الإسرائيلية، في ظل حقيقة أن عمليات تسجيل الأراضي في القدس الشرقية توقفت قبل عام 1967، ما أدى إلى بقاء نسبة ضئيلة جدًا من الأراضي مسجّلة رسميًا.
ويشير إلى أن إسرائيل تنظر إلى هذا التسجيل باعتباره أداة لتعزيز سيادتها القانونية الكاملة على القدس، وربطها بنظام عقاري إسرائيلي شامل، معتبراً أن العملية تُستخدم كوسيلة لتثبيت السيطرة القانونية والسياسية على الأرض، ضمن سياسات أوسع تتعلق بالملكية والوجود في المدينة.
ويحذر مسلماني من مخاطر حقيقية تهدد السكان الفلسطينيين، في مقدمتها صعوبة إثبات الملكية بسبب غياب الوثائق المعترف بها إسرائيليا، واعتماد الغالبية على مستندات قديمة أو غير مسجلة، ما قد يؤدي إلى رفض طلبات التسجيل. كما أن إجراءات التسجيل تتطلب ملفات قانونية معقدة، وخرائط معتمدة، ودعما قانونيا مكلفا، ما يفوق قدرة شريحة واسعة من السكان.
ويضيف: إن النظام القانوني الإسرائيلي لا يعترف بحقوق الملكية الكاملة إلا بعد تسجيلها في الطابو، ما يعني أن من يعجز عن التسجيل تبقى حقوقه عرضة للطعن والنزاعات القانونية، وقد يواجه خطر تسجيل الأرض باسم أطراف أخرى، أو تحويلها إلى ما يُسمى أراضي دولة، أو نقلها إلى جهات إسرائيلية أو استيطانية.

عواقب اقتصادية واجتماعية خطيرة

ويوضح مسلماني أن هذه الخطوة قد تترتب عليها عواقب اقتصادية واجتماعية خطيرة، تشمل صعوبة الحصول على تراخيص البناء، وتراجع قيمة العقارات غير المسجلة، واحتمالات التهجير أو نقل السكان نتيجة نزاعات الملكية أو قرارات إدارية لاحقة، مشدداً على أن ما يجري يشبه تجارب سابقة في الضفة الغربية، حيث انتهت تسويات الملكيات عمليا إلى انتقال مساحات واسعة من الأراضي إلى السيطرة الإسرائيلية.
ويختتم مسلماني حديثه بالتأكيد على أن القرار يتجاوز مسألة التسجيل العقاري، ليشكل خطوة ذات انعكاسات سياسية وقانونية واسعة، تُعرض آلاف المقدسيين لخطر فقدان أراضيهم وحقوقهم في ظل نظام قانوني لا يعترف تلقائياً بالملكية غير المسجلة.

القرار ليس جديداً وما يجري الآن استكمال لتنفيذه

يقول المحلل السياسي ناصر الهدمي: إن هذا القرار ليس جديداً، وإنما ما يجري الآن هو استكمال لتنفيذه. فقبل بضعة أعوام، اتخذت سلطات الاحتلال قرارا يلزم المقدسيين، ولا سيما في القدس الشرقية، بإثبات ملكيتهم للعقارات التي يشغلونها، كما أُضيف شرط جديد للحصول على رخص البناء، يتمثل في أن تكون قطعة الأرض المراد البناء عليها مسجلة في السجل العقاري الإسرائيلي، مع تثبيت الملكية الكاملة لصاحب الأرض.
ويشير الهدمي إلى أن سلطات الاحتلال بررت هذا القرار حينها بوجود تعديات وبناء على أراضٍ تعود ملكيتها لأشخاص آخرين، بذريعة تطبيق القانون وحماية حقوق المواطنين، خاصة أن هناك إشكالات كبيرة في تسجيل العديد من العقارات في السجل الإسرائيلي.
ويوضح الهدمي أن هذا القانون يتيح لسلطة الأراضي الاستيلاء على حصة أي مالك أو أحد الورثة إذا كان غير موجود داخل فلسطين المحتلة، ما يمهد عملياً للاستيلاء على كامل العقار. ويؤكد أن هذا الواقع هو نتاج سياسة الاحتلال منذ عام 1967، حيث أوقفت سلطات الاحتلال تسجيل العقارات في القدس الشرقية، كما عطلت تنظيم البناء والتخطيط في المناطق التي أُوقف فيها التسجيل، ما حرم المقدسيين من الحصول على رخص بناء، أو جعلها نادرة للغاية.
ويضيف: إن هذه السياسة، الممتدة على مدار نحو 55 عاماً، أدت إلى فقدان كثير من الوثائق بفعل مرور الزمن، ووفاة عدد كبير من مالكي الأراضي، وتحويل الملكيات إلى ورثة، بعضهم يقيم خارج فلسطين المحتلة، ما فتح الباب واسعا أمام سلطات الاحتلال وحارس أملاك الغائبين للاستيلاء على العقارات.
ويؤكد الهدمي أن سلطات الاحتلال تسعى اليوم إلى تنشيط هذا القانون وتنفيذه بشكل كامل، حيث بات الحصول على رخص البناء مستحيلا دون تسجيل العقار في الطابو الإسرائيلي، وهو ما يشكل جوهر الأزمة التي يواجهها المقدسيون حاليا، خاصة في ظل قرار حدد له سقف زمني ينتهي بنهاية عام 2029.
ويوضح أن عدداً كبيراً من المقدسيين قد يفقدون القدرة على إثبات ملكيتهم، نتيجة وفاة المالكين الأصليين، وانتقال الملكية بالوراثة إلى أشخاص بعضهم خارج فلسطين المحتلة، أو بسبب فقدان الوثائق التي تثبت الملكية، مثل وكالات كاتب العدل، التي لا تعترف بها سلطات الاحتلال، وتطالب بتسجيلها رسمياً في الطابو، وهي عملية مكلفة مادياً وطويلة زمنياً، وقد تفتح ثغرات إضافية أمام حارس أملاك الغائبين.
وحول التحذيرات الحقوقية، ومنها ما ورد في تقارير منظمة "عير عميم" اليسارية، بشأن احتمال انتقال مناطق فلسطينية كاملة إلى سيطرة الاحتلال، يؤكد المحلل الهدمي أن هذا المسار قد يؤدي فعلياً إلى فقدان العديد من المقدسيين ملكيتهم لعقاراتهم، سواء الموروثة أو المشتراة بوثائق كاتب عدل، ما يمكن الجمعيات الاستيطانية من السيطرة عليها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا