صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) على سلسلة من القرارات الدراماتيكية التي تستهدف إحداث تغييرات جوهرية في بنية إدارة الأراضي في الضفة الغربية المحتلة. وتهدف هذه الخطوات، التي تم إقرارها في الثامن من فبراير الجاري، إلى تسريع وتيرة التوسع الاستيطاني وتسهيل سيطرة المستوطنين على العقارات الفلسطينية عبر أدوات قانونية وإدارية جديدة.
وتضمنت الحزمة الجديدة إلغاء العمل بالقانون الأردني الساري منذ عقود، والذي كان يحظر بيع الأراضي والممتلكات الفلسطينية لليهود أو الشركات غير المسجلة محلياً. وبموجب هذا التعديل، بات بإمكان المستوطنين شراء الأراضي في الضفة الغربية بشكل مباشر كأفراد، دون الحاجة إلى الالتفاف على القانون عبر تأسيس شركات وسيطة كما كان متبعاً في السابق.
وفي خطوة تنهي الرقابة الأمنية والسياسية على الصفقات العقارية، قرر الكابينت إلغاء شرط الحصول على تصريح مسبق لتنفيذ عمليات الشراء. وكانت هذه المنظومة الرقابية تعمل على التحقق من صحة المستندات ومنع عمليات التزوير، بالإضافة إلى ضمان عدم تعارض المبادرات الاستيطانية الفردية مع السياسات الحكومية العامة للدولة العبرية.
كما شملت القرارات رفع السرية عن سجلات الأراضي (الطابو) وفتحها أمام الاطلاع العام، وهو إجراء حذر منه مراقبون كونه يسهل عمليات الاستيلاء على أملاك الغائبين أو التلاعب بالملكيات الخاصة. وكانت هذه السجلات تُحفظ بسرية تامة لحماية خصوصية الملاك الفلسطينيين ومنع استغلال الثغرات القانونية من قبل الجمعيات الاستيطانية التي مارست ضغوطاً لسنوات لتحقيق هذا الاختراق.
وعلى الصعيد الميداني، أقر الكابينت توسيع نطاق عمل أجهزة الإنفاذ التابعة للإدارة المدنية ليشمل المناطق المصنفة (أ) و(ب)، والتي تقع اسمياً تحت الإدارة المدنية للسلطة الفلسطينية. ويمنح هذا القرار سلطات الاحتلال الضوء الأخضر لتنفيذ عمليات هدم ووقف بناء في قلب التجمعات الفلسطينية، متجاوزاً بذلك تقسيمات اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993.
وأفادت مصادر بأن صلاحيات الإنفاذ الجديدة ستتركز في ثلاثة مجالات حيوية هي مواقع التراث والآثار، والمخالفات البيئية، وقضايا المياه. وتسمح هذه الذرائع للجهات الإسرائيلية بالتدخل المباشر في المشاريع التطويرية الفلسطينية وإصدار أوامر هدم بحجة حماية المواقع الأثرية أو منع الأضرار البيئية، مما يقلص المساحة المتاحة للنمو العمراني الفلسطيني.
وفي مدينة الخليل، اتخذ المجلس قراراً بسحب صلاحيات الترخيص والبناء في منطقة الحرم الإبراهيمي ومحيط المستوطنات من بلدية الخليل ونقلها إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية. وتعد هذه الخطوة انتهاكاً مباشراً لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997، والذي يمنح البلدية الفلسطينية الحق الحصري في التخطيط والبناء داخل حدود المدينة.
ويهدف نقل الصلاحيات في الخليل إلى تمكين الحكومة الإسرائيلية من توسيع البؤر الاستيطانية القائمة وإقامة وحدات استيطانية جديدة دون الحاجة لموافقة الجهات الفلسطينية. كما يسهل هذا القرار إجراء تغييرات إنشائية في الحرم الإبراهيمي ومحيطه، وهو ما كان يواجه معارضة قانونية وإدارية مستمرة من قبل بلدية الخليل والمؤسسات الحقوقية.
وبالتوازي مع ذلك، قرر الكابينت إنشاء مديرية خاصة لإدارة موقع 'قبر راحيل' في مدينة بيت لحم، مع تخصيص ميزانيات حكومية مستقلة لتطويره. وتأتي هذه الخطوة لتعزيز السيطرة الدينية والسياسية على المواقع الحساسة في قلب المدن الفلسطينية، على غرار اللجنة البلدية التي أُنشئت سابقاً لإدارة شؤون المستوطنين في الخليل بتمويل مباشر من وزارة الداخلية الإسرائيلية.
وأشار وزير الجيش يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، في بيان مشترك، إلى أن هذه القرارات تهدف إلى إزالة 'عوائق بيروقراطية' استمرت لعقود. واعتبر الوزيران أن هذه الخطوات تعيد تشكيل الواقع القانوني في الضفة الغربية بما يخدم المشروع الاستيطاني ويجعل من الصعب التراجع عن هذه الإجراءات في أي تسويات سياسية مستقبلية.
وتعكس هذه التوجهات تحولاً في المقاربة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، حيث يتم استبدال الأوامر العسكرية المؤقتة بتغييرات قانونية هيكلية تقترب من مفهوم 'الضم الزاحف'. وبما أن الضفة لا تخضع للسيادة الإسرائيلية الرسمية، فإن تنفيذ هذه القرارات سيتم عبر أوامر عسكرية يصدرها قائد المنطقة بتوجيه مباشر من المستوى السياسي.
كما تضمن القرار إعادة تفعيل آلية حكومية لشراء الأراضي عبر 'المسؤول عن الأملاك الحكومية' في الضفة الغربية، وهو جهاز يعمل بشكل موازٍ لدائرة أراضي إسرائيل. وتعيد هذه الخطوة إحياء ممارسات كانت متبعة في السبعينيات والثمانينيات، حيث تسعى الدولة العبرية الآن للشراء المباشر من الفلسطينيين عبر قنوات رسمية وعلنية.
وحذر خبراء قانونيون من أن إلغاء الرقابة على الصفقات العقارية سيفتح الباب على مصراعيه لعمليات الاحتيال والتزوير في ظل غياب الحماية القانونية للملاك الأصليين. وتتم معظم صفقات الأراضي في الضفة في ظروف معقدة، وغالباً ما تكون تحت ضغوط اقتصادية أو أمنية، مما يجعل إلغاء 'تصريح الشراء' أداة لشرعنة الاستيلاء غير القانوني.
وتأتي هذه القرارات في وقت يشهد فيه الكنيست تحركات موازية لتشريع قوانين توسع الرقابة الأثرية الإسرائيلية في مناطق السلطة الفلسطينية. ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية اختارت المسار التنفيذي المباشر عبر الكابينت لتسريع فرض الوقائع على الأرض دون انتظار استكمال الإجراءات التشريعية الطويلة في البرلمان، مما يعمق من أزمة السيادة الفلسطينية المنهكة أصلاً.
المصدر:
القدس