صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية "الكابينت" على حزمة من القرارات التصعيدية التي تستهدف تغيير الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية المحتلة. وتهدف هذه التحركات إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية المباشرة وتقويض المرجعيات الدولية والقانونية التي كانت سائدة قبل عام 1967، مما يمهد الطريق لعملية ضم واسعة النطاق.
وفي رد فعل دبلوماسي سريع، أعلنت ثماني دول عربية وإسلامية رفضها القاطع لهذه الإجراءات التي وصفتها بأنها محاولة لفرض "سيادة غير شرعية" وتوسيع النشاط الاستيطاني. واعتبرت هذه الدول أن الخطوات الإسرائيلية تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لما تبقى من فرص لتحقيق حل الدولتين.
ويرى خبراء قانونيون أن هذه القرارات هي نتاج عمل ممنهج يقوده وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن الإدارة المدنية في الحكومة الحالية. وتعمل هذه الإدارة كذراع حكومي يسعى لإدارة شؤون الضفة الغربية بالكامل، متجاوزة التقسيمات الإدارية السابقة التي حددتها الاتفاقيات الدولية بين مناطق (أ) و(ب) و(ج).
وتبرز مدينة الخليل كأحد الأهداف الرئيسية لهذه القرارات، حيث تم سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل فيما يتعلق بالحرم الإبراهيمي وحي تل الرميدة. وقد نُقلت هذه الصلاحيات رسمياً إلى الإدارة المدنية، مما يمنح الاحتلال قدرة كاملة على تغيير معالم الحرم وتقسيمه زمانياً ومكانياً بما يخدم المستوطنين.
كما تضمنت الإجراءات إنشاء سلطة محلية جديدة داخل البلدة القديمة في الخليل، تمنح المستوطنين صلاحيات عمرانية وإدارية مستقلة. وتعد هذه الخطوة تعزيزاً مباشراً للوجود الاستيطاني في قلب المدن الفلسطينية، وضربة قاصمة للولاية القانونية الفلسطينية على المراكز التاريخية والدينية.
وفي سياق السيطرة على الأراضي، قرر الكابينت رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية، مما يتيح للمستوطنين والجمعيات الاستيطانية الوصول لبيانات المالكين الفلسطينيين. وحذر مراقبون من أن هذا الإجراء يفتح الباب أمام عمليات تزوير واسعة النطاق لنقل الملكيات، خاصة وأن معظم عمليات تسريب الأراضي تتم عبر طرق غير قانونية.
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل شملت إلغاء القانون الأردني الذي كان يمنع نقل ملكية الأراضي للأجانب في الضفة الغربية. ويهدف هذا التعديل التشريعي إلى تسهيل شراء الأراضي من قبل جهات استيطانية دولية أو أفراد غير مقيمين، مما يسرع من وتيرة قضم المساحات المتبقية من الأراضي الفلسطينية.
ومن أخطر التطورات منح الإدارة المدنية صلاحية هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في المناطق المصنفة (أ) و(ب) بذريعة حماية البيئة أو المواقع الأثرية. ويمثل هذا القرار نسفاً كاملاً لاتفاقيات أوسلو واتفاقية الخليل لعام 1997، حيث لم يعد هناك أي حصانة قانونية للمناطق التي يفترض أنها تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة.
وتشير القراءات السياسية إلى أن هذه الخطوات تجسد "خطة الحسم" التي طرحها سموتريتش سابقاً، والتي تهدف لضم 62% من مساحة الضفة الغربية. وتقوم هذه الخطة على منح الفلسطينيين حكماً محلياً محدوداً جداً في معازل سكانية، مع بقاء السيطرة الأمنية والإدارية المطلقة بيد سلطات الاحتلال.
وعلى الرغم من وجود رأي استشاري من محكمة العدل الدولية يعتبر الاحتلال غير قانوني، إلا أن غياب الأدوات السياسية الدولية الفعالة يحول دون لجم هذه السياسات. وتظل الخيارات القانونية أمام المحاكم الإسرائيلية محدودة جداً في ظل التوجه اليميني المتطرف للقضاة، مما يجعل المواجهة السياسية والميدانية هي المسار الوحيد المتبقي للفلسطينيين.
المصدر:
القدس