آخر الأخبار

مؤسسة "هند رجب" تتقدم بشكوى في الولايات المتحدة ضد جندي إسرائيلي سابق بتهم جرائم حرب وإبادة في غزة

شارك

تحليل إخباري

قدّمت مؤسسة "هند رجب" (Hind Rajab Foundation – HRF) شكوى قانونية لدى الجهات المختصة في الولايات المتحدة ضد آدي كارني، وهو مواطن إسرائيلي وجندي سابق برتبة رقيب في الكتيبة 603 للهندسة القتالية التابعة للجيش الإسرائيلي، مطالبةً بفتح تحقيق جنائي بحقه على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وأفعال "ترقى إلى الإبادة الجماعية" خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار تصاعدي تتبعه المؤسسة في ملاحقة أفراد عسكريين إسرائيليين سابقين في أكثر من دولة، مستندةً إلى مبدأ تفعيل الاختصاص القضائي في الدول التي تسمح قوانينها بمقاضاة المتهمين بجرائم دولية جسيمة، ولا سيما في حالات الاشتباه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو إبادة. وبحسب ما أعلنته المؤسسة، فإن الشكوى المقدمة في الولايات المتحدة ليست الأولى ضد كارني، إذ سبقتها شكاوى في عدة ولايات قضائية حول العالم، من بينها بيرو، حيث تم – وفق المؤسسة – فتح تحقيق جنائي رسمي ضد كارني بتهمة الإبادة. كما أشارت إلى أنها قدّمت ملفات إضافية في دول أخرى، ضمن ما وصفته بإستراتيجية "تفعيل الاختصاص أينما وُجد المتهم"، بحيث يصبح تحركه خارج إسرائيل محفوفاً بإجراءات قانونية محتملة، قد تشمل التحقيق أو الاستدعاء أو حتى التوقيف.

وتكتسب الشكوى الأميركية أهمية خاصة بسبب وجود كارني حالياً داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي – بحسب المؤسسة – يفتح الباب أمام تفعيل الولاية القضائية الأميركية، ويمنح القضية طابعاً عاجلاً، خصوصاً مع إعلانها أن كارني من المقرر أن يلقي كلمة علنية في جامعة بوسطن مساء اليوم. ويذهب هذا التفصيل إلى أبعد من كونه معلومة إجرائية؛ فهو يضع القضية عند تقاطع حساس بين القانون والسياسة، حيث تتحول استضافة شخصية عسكرية سابقة إلى اختبار علني لمعنى "المساءلة" في الفضاء العام الأميركي، لا في قاعات المحاكم وحدها.

ويلاحظ متابعون أن انتقال المعركة إلى الساحة الأميركية لا يرتبط فقط بثقل الولايات المتحدة كقوة سياسية، بل أيضاً بطبيعة النقاش الداخلي فيها حول الحرب على غزة، إذ باتت الجامعات مسرحاً مركزياً للصراع على الرواية والشرعية. وفي هذا السياق، تصبح الشكوى – حتى قبل أن تتحول إلى إجراء قضائي كامل – رسالة سياسية وقانونية في آن واحد: رسالة تقول إن زمن التعامل مع الاتهامات باعتبارها "خلافاً أخلاقيا" أو "وجهة نظر" قد يتراجع لصالح تحويلها إلى ملفات قانونية قابلة للتقاضي.

وتقول "مؤسسة هند رجب" إن ملفاتها تتضمن مواد تعتبرها "أدلة" أو "مؤشرات" على تورط كارني في عمليات عسكرية خلال الحرب على غزة، وترى أن هذه العمليات لم تكن مجرد مشاركة عسكرية عادية، بل ارتبطت بسياق أوسع من التدمير واسع النطاق الذي طال مناطق سكنية وبنى تحتية مدنية، وسط اتهامات دولية متزايدة لإسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. كما تشدد المؤسسة على أنها تستهدف "المساءلة الفردية" وليس فقط مساءلة الحكومات، باعتبار أن الإفلات من العقاب – وفق رؤيتها – يبدأ حين تُمحى الحدود بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني.

غير أن هذا النوع من التحركات يثير إشكالية أعمق تتجاوز اسم المتهم: فالمعركة القانونية ضد أفراد بعينهم تعكس تحوّلاً في أدوات الضغط الحقوقي، لكنها في الوقت ذاته تكشف محدودية النظام الدولي الذي غالباً ما يتعثر أمام الحسابات السياسية للدول الكبرى. فحتى عندما تتوافر اتهامات ثقيلة مثل الإبادة وجرائم الحرب، يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل تمتلك الأنظمة القضائية الوطنية الإرادة لفتح ملفات قد تُغضب حلفاء أقوياء؟ أم أن القانون الدولي سيظل في كثير من الحالات لغة أخلاقية أكثر منه آلية تنفيذية؟

وفي المقابل، يرى آخرون أن تكرار تقديم الشكاوى في عدة دول ليس مجرد "تشتيت"، بل إستراتيجية محسوبة تستند إلى مبدأ بسيط: إن لم تُفتح الأبواب في عاصمة ما، فقد تُفتح في أخرى. ومن هنا تبرز أهمية "تجربة بيرو"، حيث تقول المؤسسة إن تحقيقاً رسمياً قد فُتح بالفعل، بما يشير إلى أن بعض الأنظمة القضائية قد تكون أكثر قابلية للتفاعل مع هذه الملفات من غيرها. ويستند هذا التوجه إلى فكرة أن العدالة الدولية، حين تتعثر في المؤسسات الكبرى، قد تجد مسارات بديلة عبر المحاكم الوطنية، ولو ببطء.

وفي الولايات المتحدة، يتوقع مراقبون أن يثير الملف جدلاً واسعاً، ليس فقط في أوساط القانونيين، بل أيضاً داخل الجامعات والمؤسسات المدنية، حيث يتداخل سؤال العدالة مع سؤال حرية التعبير وحدود الاستضافة. فبين من يرى أن استضافة شخصيات عسكرية إسرائيلية جزء من "النقاش المفتوح"، وبين من يعتبرها تطبيعاً مع ممارسات تُتهم بارتكاب جرائم دولية، تتوسع الهوة السياسية والأخلاقية. كما أن وجود المتهم على الأراضي الأميركية يضيف بعداً عملياً لا يمكن تجاهله، لأن القضية – إن تقدمت – ستختبر حدود القانون الأميركي في التعامل مع جرائم وقعت خارج الحدود.

وبينما لم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من السلطات الأميركية بشأن الشكوى، فإن خطوة المؤسسة تعكس اتجاهاً متنامياً لتحويل الحرب على غزة إلى ملف مساءلة دولية متعددة المسارات، حيث لا تقتصر المواجهة على البيانات السياسية أو التقارير الحقوقية، بل تمتد إلى ساحات القضاء. وفي نهاية المطاف، قد لا تكون القضية مجرد محاولة لإدانة شخص بعينه، بل محاولة لإعادة تعريف السؤال الأكبر: من يحاسب، وكيف، وأين، حين يصبح الدمار واسعاً إلى درجة تتجاوز قدرة العالم على الاكتفاء بالإدانة الكلامية؟

في هذا السياق، تبدو الشكوى الأميركية جزءاً من تحوّل أوسع في كيفية مقاربة الصراع؛ فبدلاً من التعويل على مبادرات دولية كبرى قد تتعثر بفعل الفيتو أو حسابات التوازنات السياسية، تتجه مؤسسات فاعلة إلى فتح مسارات قضائية موازية، على أمل أن يؤدي تراكم القضايا وتداخل الاختصاصات إلى إنتاج واقع قانوني جديد في لحظة ما. وبين نجاح هذه المساعي أو تعثرها، يبقى الثابت أن الحرب على غزة لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل باتت تُدار أيضاً بالقانون والوثائق، وبمعركة سردية تسعى إلى ترسيخ معنى الجريمة وتحديد معنى المسؤولية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا