آخر الأخبار

التصعيد الجديد.. محاولة لخلط الأوراق واستئناف الإبادة

شارك


د. عمر رحال: القصف المتزامن مع فتح المعبر رسالة ضغط للغزيين مفادها أن خيار المغادرة متاح كشكل من أشكال التهجي القسري

نيفين عبد الهادي: التصعيد سيكون له تأثير سلبي على عمل لجنة التكنوقراط ومرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار وتدفق المساعدات

طلال عوكل: تعامل إسرائيل مع بنود المرحلة الثانية يعكس نيته لمواصلة الحرب على القطاع مدفوعة باعتبارات سياسية وانتخابية داخلية

د. سعد نمر: مستقبل عمل لجنة التكنوقراط سيبقى مرهوناً بموافقة إسرائيل على مختلف القطاعات ما يمنحها تعطيل العمل بسهولة

سماح خليفة: أي حركة نشطة في المعبر أو عودة لجنة تحمل رمزية وطنية اعتراف ضمني بوجود كيان فلسطيني وهو ما ترفضه إسرائيل

داود كُتّاب: التصعيد يعكس توجهاً سياسياً وعسكرياً لدى نتنياهو يرتبط برغبتها في تغيير مسار الترتيبات المطروحة بشأن مستقبل غزة

رام الله – خاص بـ"القدس"– يتواصل التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة في توقيت بالغ الحساسية، متزامناً مع فتح معبر رفح وانتظار عودة لجنة التكنوقراط لإدارة الشؤون المدنية في القطاع، في مشهد يعكس تعقيداً سياسياً وأمنياً يتجاوز البعد العسكري، لفرض مشهد سياسي متوافق مع الرؤية الإسرائيلية للسيطرة على قطاع غزة.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، الغارات المتجددة، وما تخللها من وقوع شهداء وإصابات، تعيد التأكيد على أن وقف إطلاق النار ما يزال هشّاً، وأن الميدان يُستخدم أداة لفرض وقائع جديدة على الأرض.

ويرى الكتاب والمحللون وأساتذة الجامعات أن القصف المتزامن مع فتح معبر رفح يحمل رسائل ضغط مباشرة على أهالي القطاع، عبر ربط الحركة والتنقل بالخيار القسري للتهجير، في إطار سياسات تُقيّد العودة وتفرض إجراءات مشددة على العابرين.

ويشيرون إلى أنه يُنظر إلى هذه التطورات بوصفها محاولة لإفراغ أي ترتيبات مدنية من مضمونها، وإبقاء المعبر أداة سيطرة لا منفذاً إنسانياً، في حين يرون أن عمل لجنة التكنوقراط يواجه عراقيل متزايدة، سواء عبر الاشتراطات الإسرائيلية أو الاعتراضات على رموزها ودورها، ما يهدد بتعطيل مهامها وتأخير إدخال المساعدات وإعادة الإعمار، ويجعل مستقبل إدارة غزة مرهوناً باعتبارات أمنية وسياسية تفرضها تل أبيب، في ظل غياب ضغط دولي فاعل.



نهج عسكري متواصل منذ بداية الحرب


يعتقد الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال أن تجدد الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من ووقوع شهداء وإصابات يعكس استمرار نهج عسكري لم ينقطع منذ بداية الحرب، مؤكداً أن دولة الاحتلال "لن تتوقف عن استهداف المدنيين والأبرياء"، وأن هذا التصعيد كان متوقعاً في إطار سعي إسرائيل للحفاظ على اليد الطولى ميدانياً وفرض معادلات جديدة في القطاع.

ويوضح رحال أن إسرائيل تسعى من خلال الضربات المتجددة إلى تكريس نفسها كطرف يحدد قواعد اللعبة وقواعد الاشتباك، وإيصال رسالة بأنها قادرة على الوصول إلى أي هدف داخل غزة.


محاولة انتزاع مكاسب سياسية


ويعتبر رحال أن هذه العمليات لا تنفصل عن محاولة انتزاع مكاسب سياسية لم تستطع تل أبيب تحقيقها عبر المسار التفاوضي، سواء المباشر أو غير المباشر، مشيراً إلى أن استخدام القوة العسكرية يأتي بديلاً عن التعثر السياسي على طاولة المفاوضات.

ويؤكد رحال أن التصعيد يرتبط أيضاً باستمرار إسرائيل في محاولة "إعادة ترميم الردع" بعد اهتزاز صورتها العسكرية والأمنية عقب أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويبيّن رحال أن الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، لم تحقق أهدافها السياسية المعلنة من الحرب، باستثناء استمرار استهداف المدنيين وتدمير الأعيان المدنية، الأمر الذي يدفعها إلى تكثيف عملياتها لإظهار قدرتها على الفعل والحسم.

ويشير رحال إلى أن لهذه العمليات بعداً داخلياً إسرائيلياً، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يوجه نتنياهو رسائل إلى شركائه في الائتلاف وخصومه السياسيين وجمهوره، مفادها بأنه ما زال قادراً على إدارة المواجهة.

كما تحمل هذه التحركات، بحسب رحال، رسائل إقليمية للوسطاء وللأطراف الدولية بأن إسرائيل تتحرك وفق رؤيتها الخاصة وأن قدرتها على التصعيد لا تواجه قيوداً حقيقية.

وفي السياق الميداني، يلفت رحال إلى أن إسرائيل تنظر بقلق إلى ما تعتبره إعادة تنظيم وإدارة للشؤون المدنية والأمنية داخل غزة من قبل حركة حماس، بما في ذلك ظهور عناصر مسلحة، وهو ما يدفعها إلى محاولة منع أي حضور مدني أو إداري يُحسب على المقاومة، حيث أن هذا العامل يشكل أحد دوافع التصعيد الحالي.


معبر رفح وأشكال التهجير القسري


ويتوقع رحال أن تكون للتصعيد تداعيات مباشرة على معبر رفح، مرجحاً زيادة حركة النزوح عبره وتأخر عودة لجنة التكنوقراط المكلفة بإدارة المعبر.

ويعتبر رحال أن فتح المعبر يجري عملياً ضمن شروط إسرائيلية، وأن القصف المتزامن مع فتح المعبر يحمل رسالة ضغط لأهالي غزة مفادها بأن خيار المغادرة بات متاحاً، واصفاً ذلك بأنه شكل من أشكال التهجير القسري تحت وطأة العمليات العسكرية.

ويبيّن رحال أن عودة المواطنين إلى القطاع لن تكون سلسة، متوقعاً فرض قيود وإجراءات إسرائيلية مشددة، قد تشمل معيقات واعتقالات وانتقائية في الأعداد والفئات المسموح لها بالعودة.

ويرى رحال أن هذه السياسة تعكس سعياً لفرض واقع جديد على الأرض يقيّد حركة السكان ويخضعها لاعتبارات أمنية وسياسية إسرائيلية.


نتنياهو وتكثيف الاشتراطات


ويؤكد رحال أن نتنياهو يعتمد أسلوب تكثيف الاشتراطات والتفاصيل الإجرائية لإبطاء تنفيذ أي تفاهمات، بحيث تبقى كل القضايا مفتوحة للمساومة السياسية.

ويشير رحال إلى أن اعتراضات إسرائيل قد تمتد إلى تفاصيل شكلية تتعلق بعمل لجنة التكنوقراط، ما ينذر بصعوبات كبيرة أمام تحركها وإدخال المساعدات أو الوصول إلى مناطق مختلفة داخل القطاع.

ويؤكد رحال أن مجمل ما يتعلق بإدارة قطاع غزة وعمل اللجان المدنية سيظل، في المرحلة المقبلة، خاضعاً لرقابة وسيطرة إسرائيلية مشددة، وأن استمرار الاشتراطات يعكس توجهاً لإبقاء الملف الإنساني والسياسي في غزة ورقة ضغط دائمة على طاولة الصراع.


بقاء الاتفاق حلماً وردياً لم يتحقق


توضح الكاتبة نيفين عبد الهادي، وهي مدير تحرير في جريدة الدستور الأردنية، أن اتفاق غزة الذي جرى توقيعه في مدينة شرم الشيخ باقتراح من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلق لحظة عالمية من التفاؤل بأن الحرب على قطاع غزة قد انتهت، لا سيما أنه نصّ صراحة على وقفها، إلى جانب ترتيبات لما بعد الحرب. غير أن ما جرى على الأرض، بحسب عبد الهادي، أثبت أن هذا الاتفاق بقي حلماً وردياً لم يتحقق، بل تحوّل إلى وهم سياسي سرعان ما اصطدم بواقع استمرار العدوان الإسرائيلي.

وتوضح عبد الهادي أن الحرب على غزة لم تتوقف منذ توقيع الاتفاق، بل تواصلت بأشكال متعددة من الإبادة والاغتيالات، إلى جانب منع إدخال الغذاء والمياه والدواء، في مشهد يعكس أن ما يُسمّى بالسلام العالمي لا يعني إسرائيل، التي تتصرف وكأنها ليست طرفاً في أي اتفاق أو التزام.

وتؤكد عبد الهادي أن الغارات الإسرائيلية المتواصلة تهدف إلى الإبقاء على حالة تصعيد خطير وعدم استقرار، ليس في غزة فحسب، بل فلسطينياً وعربياً ودولياً.


تكريس العنف وقتل فرص السلام


وتشير عبد الهادي إلى أن تجدد الغارات في مشاهد إبادة مستمرة لا يمكن فصله عن مسعى إسرائيلي واضح لتكريس مزيد من العنف وقتل أي فرصة لتحقيق سلام عادل وشامل.

وتعتبر عبد الهادي أن ما تقوم به إسرائيل يجعل من السلام أمراً مستحيلاً، ويقوّض أي إمكانية للانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب أو الشروع بإعادة الإعمار، في ظل مخالفات فاضحة للقانون الدولي وإدارة الظهر لكل الجهود الرامية إلى تهدئة الأوضاع في غزة والمنطقة.

وتؤكد عبد الهادي أن إسرائيل، تاريخياً وحاضراً، لا تسعى إلى السلام ولا تعترف بكونها قوة احتلال، بل تفرض وجودها بالقوة العسكرية ونيران الحروب، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو القدس المحتلة.

وتلفت عبد الهادي إلى أن هذا الإصرار على العنف ورفض أي اتفاقيات أو رؤى سلام يضع المنطقة أمام دوامة متواصلة من الإبادة وعدم الاستقرار.


صمت المجتمع الدولي والاعتقاد بانتهاء الحرب


وتتساءل عبد الهادي عن موقف المجتمع الدولي الذي اختار الصمت تجاه ما ترتكبه إسرائيل، معتقداً أن الحرب انتهت بمجرد الإعلان عن اتفاق غزة وبدء الحديث عن مرحلته الثانية. وتشير عبد الهادي إلى أن هذا الصمت جعل ردود الفعل الدولية في خانة "اللا فعل"، مقابل بقاء عبء المواجهة السياسية والدبلوماسية محصوراً بالدول العربية، وفي مقدمتها الأردن ومصر، اللتان شكلتا سداً صلباً في مواجهة مخططات إسرائيل، خصوصاً المتعلقة بالتهجير.

وتشدد عبد الهادي على أن شهداء غزة ليسوا مجرد أرقام، بل إن العودة إلى الإحصاءات اليومية تكشف حجم الكارثة.

وتوضح عبد الهادي أنه وفق التقرير الإحصائي اليومي، بلغ عدد الشهداء والمصابين جراء القصف والاستهداف الإسرائيلي منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وحتى مساء الخميس الخامس من فبراير /شباط الجاري، 574 شهيداً و1518 مصاباً. وتصف عبد الهادي هذه الإحصائيات بالخطيرة، لما تحمله من دلالات على حجم المأساة والجرائم المرتكبة، مؤكدة أنها تستوجب رد فعل فورياً من المجتمع الدولي والولايات المتحدة، باعتبارها شاهداً على انتهاك اتفاقات السلام وإفراغها من مضمونها.


تأثير التصعيد على لجنة التكنوقراط


وترى عبد الهادي ما يجري من تصعيد في قطاع غزة سيكون له تأثير على عمل لجنة التكنوقراط، وإمكانية عودتها أو تأخرها، وسيكون له تأثير على مرحلة ما بعد الحرب، وعلى إعادة الإعمار، وتدفق المساعدات الإنسانية، وعودة الحركة إلى معبر رفح، مؤكدة أن جميع هذه الملفات ستتأثر سلباً طالما أن الحرب لم تتوقف فعلياً، وأن السلام ما يزال بعيد المنال.

وتعتبر عبد الهادي أن الواقع الذي تفرضه إسرائيل، من خلال تعنتها وتجديد غاراتها وارتفاع أعداد الشهداء وتعطيل مقومات الحياة الأساسية، وعرقلة دخول المساعدات الإنسانية، يفرض قدراً كبيراً من السوداوية.

وتشير عبد الهادي إلى أن غياب الضغط الدولي الحقيقي على إسرائيل لتطبيق اتفاق غزة والدخول الجدي في مرحلته الثانية، أبقى الاتفاق مجمّداً ويحتاج إلى من "يكسر الجليد" لإحيائه.


لجنة التكنوقراط والخشية من انتهاء الحرب


وفيما يتعلق بلجنة التكنوقراط، تلفت عبد الهادي إلى اعتراض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على شعار اللجنة الذي يتضمن النسر وألوان العلم الفلسطيني، معتبرة أن هذا الاعتراض متوقع، كون اللجنة فلسطينية ومن الطبيعي أن تحمل رموزاً وطنية.

وترى عبد الهادي أن اعتراض نتنياهو يعكس خشية من أن يشكل عمل اللجنة بداية نهاية الحرب على غزة، وبداية مرحلة جديدة تجعل السلام ممكناً والإعمار واقعاً، مؤكدة أن هذا الاعتراض لا ينبغي منحه أي أهمية سياسية.


توجه إسرائيلي نحو إفشال خطة ترمب


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن السلوك الإسرائيلي منذ طرح خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي تجلّى بوضوح بعد استلام الأسرى والجثث الإسرائيليين، يشير إلى توجه إسرائيلي واضح نحو إفشال الخطة ما لم تلبِّ بالكامل الشروط التي تضعها الحكومة الإسرائيلية.

ويوضح عوكل أن التعامل الإسرائيلي مع بنود المرحلة الثانية من الخطة يعكس نية لمواصلة الحرب على قطاع غزة، وإن بوتيرة أقل حدة، مدفوعة باعتبارات سياسية وانتخابية داخلية تتعلق برئيس الحكومة وحكومته.

ويشير عوكل إلى أن ما يشجع إسرائيل على الاستمرار في هذا النهج هو صمت الإدارة الأميركية والتواطؤ غير المباشر، إضافة إلى تراجع تركيز واشنطن على ملف غزة في ظل تعدد الأزمات التي تواجهها وتقديم ملفات أخرى، وعلى رأسها الملف الإيراني، كأولويات سياسية.

ويلفت عوكل إلى وجود تراجع ملحوظ في دور الوسطاء الإقليميين والدوليين، الذين باتوا يكتفون بالمطالبات والإدانات دون ممارسة ضغط فعلي قادر على تغيير السلوك الإسرائيلي.


هشاشة الوضع الفلسطيني ومحدودية الخيارات


ويبيّن عوكل أن إسرائيل تدرك هشاشة الوضع الفلسطيني ومحدودية الخيارات المتاحة، الأمر الذي يدفعها إلى مواصلة الضغط على سكان القطاع عبر وسائل متعددة، تشمل القصف المتكرر ومنع إدخال الخيام والكرفانات والآليات وكل ما من شأنه تحسين الظروف المعيشية. ويعتبر عوكل أن هذه السياسات تهدف إلى نشر الفوضى وإثارة التمرد الداخلي، وصولاً إلى خلق قناعة لدى السكان بأن الهجرة قد تصبح الخيار الوحيد في ظل سعي إسرائيل لجعل القطاع مكاناً غير صالح للحياة في حدوده الدنيا.

ويتطرق عوكل إلى الإجراءات الإسرائيلية المرتبطة بالحركة عبر معبر رفح، واصفاً إياها بأنها تحمل رسالة واضحة للعائدين مفادها عدم العودة، عبر إخضاعهم لإجراءات تحقيق مهينة، مقابل تسهيلات نسبية للمغادرين.


خضوع لجنة التكنوقراط لإجراءات إسرائيلية


ويشير عوكل إلى أن الرسالة تمتد أيضاً إلى اللجنة الإدارية المنتظر عودتها لمباشرة أعمالها، إذ تخضع هي الأخرى لإجراءات إسرائيلية قاسية رغم أنها لجنة حظيت بغطاء رسمي وموافقة عربية.

ويعتقد عوكل أن اللجنة قد تعود بعد تدخلات إضافية، لكن ذلك لن يغيّر من طبيعة التعامل الإسرائيلي مع الواقع القائم في قطاع غزة.


منح إسرائيل هامشاً للتحرك وتنفيذ ضربات


يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. سعد نمر أن تجدد الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة يعكس واقعاً قائماً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، يتمثل في استمرار استهداف الفلسطينيين، ولا سيما المدنيين، في إطار مساعٍ إسرائيلية لتثبيت وضع أمني جديد يجعل السيطرة الأمنية على القطاع بيد الاحتلال.

ويوضح نمر أن هذا النموذج يشبه إلى حد كبير ما هو قائم في ساحات أخرى مثل النموذج اللبناني، حيث لا يشكّل وقف إطلاق النار عائقاً أمام التدخلات العسكرية المحدودة.

ويشير نمر إلى أن هذا الواقع يستند إلى تفاهم أميركي–إسرائيلي يمنح إسرائيل هامشاً للتحرك وتنفيذ ضربات محدودة ضد عناصر أو قيادات لحركة حماس خلال فترة وقف إطلاق النار. ويعتبر نمر أن ذلك يعني عملياً استمرار السيطرة الإسرائيلية الأمنية على القطاع، رغم الاتفاق، لافتاً إلى أن إسرائيل لم تلتزم بعدد من بنود المرحلة الأولى، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية، وفتح معبر رفح، والسماح بإدخال الأدوية والاحتياجات الأساسية.

ويرى نمر أن استمرار الاستهدافات يجعل وقف إطلاق النار أقرب إلى كونه أحادي الجانب، في ظل سعي إسرائيل إلى ترسيخ معادلة تعتبر فيها قطاع غزة شأناً خاضعاً لصلاحيات جيشها.


غياب النصوص التفصيلية من خطة ترمب


وفي ما يتعلق بمعبر رفح، يوضح نمر أن الإشكالية الأساسية تعود إلى أن الخطة التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي تضمنت بند فتح المعبر بعد وقف إطلاق النار، جاءت خالية من التفاصيل التنفيذية. وكان يفترض، بحسب نمر، أن تُبحث هذه التفاصيل ضمن لجان أمنية أو عبر الدول الضامنة للاتفاق، وهي قطر ومصر وتركيا، غير أن غياب التفاصيل أتاح لإسرائيل فرض ترتيباتها الخاصة، بما في ذلك إنشاء معبر جديد يُعرف باسم "رعفيم"، تستخدمه لتفتيش المسافرين، واعتقال من تشاء، والتحكم في حركة الدخول والخروج وتحديد الأعداد المسموح بها.

ويؤكد نمر أن عدم اعتراض الدول الراعية على هذا السيناريو يعود إلى غياب نصوص تفصيلية واضحة في الخطة الأصلية، معتبراً أن الهدف الإسرائيلي من التحكم بالدخول عبر المعبر يتمثل في تقنين دخول الفلسطينيين إلى القطاع ودفعهم نحو الخروج منه.


رفض إسرائيلي لمنح اللجنة أي بعد سياسي


ويتطرق نمر إلى ملف اللجنة الإدارية التكنوقراطية الخاصة بإدارة قطاع غزة، مشيراً إلى أن إسرائيل ترفض منح هذه اللجنة أي بعد سياسي، وتصر على حصر دورها في الجوانب المدنية كالتعليم والصحة وإعادة الإعمار.

ويلفت نمر إلى أن إسرائيل اعترضت حتى على تغيير شعار اللجنة الذي ضم تصميماً قريباً من شعار السلطة الفلسطينية، معتبرة ذلك محاولة لتمهيد دخول السلطة إلى القطاع، وهو ما ترفضه بشكل قاطع في إطار سعيها لفصل غزة عن الضفة الغربية.

ويبيّن نمر أن مستقبل عمل اللجنة سيبقى مرهوناً بالموافقات الإسرائيلية على مختلف القطاعات، من إدخال المساعدات ومواد البناء إلى إدارة الخدمات الأساسية، ما يمنح تل أبيب القدرة على تعطيل عملها بسهولة عبر تقييد الإمدادات.

ويشير نمر إلى أن اللجنة ترتبط، بصورة أو بأخرى، بهياكل أنشأتها الخطة الأميركية، مثل ما يُعرف بـ"مجلس السلام" والجهاز التنفيذي المرتبط به، بما يضمن استمرار الهيمنة الإسرائيلية.

ويعتقد نمر أن إسرائيل سترفض أي محاولة لمنح اللجنة طابعاً سياسياً أو ربطها بالسلطة الوطنية الفلسطينية.


منع نشوء كيان فلسطيني بخصائص سيادية


تعتقد الكاتبة والمحللة السياسية سماح خليفة أن تجدد الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة ضمن عودة مشاهد الإبادة، يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز البعد العسكري المباشر، ويعكس إصرار إسرائيل على منع نشوء أي كيان فلسطيني يتمتع بخصائص سيادية، حتى لو جاء تحت مسمى إدارة تكنوقراطية.

وتوضح خليفة أن الرسالة الأساسية التي تسعى إسرائيل إلى إيصالها تتمثل في إحباط رمزية الدولة الفلسطينية وتقويض أي مظهر سيادي يمكن أن يتشكل في القطاع.

وتؤكد خليفة أن ما يجري في غزة لا يمكن اعتباره تصعيداً عسكرياً عابراً أو مجرد رد فعل أمني، بل هو فعل سياسي مركزي تستخدم فيه إسرائيل القوة العسكرية كأداة لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني والإقليمي.


استراتيجية "الضغط الأقصى"


وتشير خليفة إلى أن عودة الغارات العنيفة منذ فبراير/ شباط 2026، رغم الحديث عن جهود تهدئة، تندرج ضمن استراتيجية "الضغط الأقصى" التي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو لتحقيق أهداف محددة داخلياً وخارجياً.

وتبيّن خليفة أن الحكومة الإسرائيلية توظف استمرار الحرب على الصعيد الداخلي في ظل أزمة سياسية عميقة يواجهها نتنياهو، عبر إبقاء إسرائيل في حالة طوارئ دائمة تُعلّق فيها المساءلة وتؤجَّل الاستحقاقات السياسية.

أما خارجياً، وهو البعد الأهم بحسب خليفة، فتهدف إسرائيل إلى ترسيخ معادلة مفادها بأن أي مسار مقاوم، سواء كان عسكرياً أو سياسياً، ستكون كلفته الوجود الإنساني للفلسطينيين، وليس فقط البنية التنظيمية للفصائل.

وتوضح خليفة أن إسرائيل تسعى، من خلال الضغط العسكري ومشاهد الدمار، إلى إجبار الأطراف الفلسطينية على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات نزع السلاح وإدارة القطاع، بهدف تحسين شروط التفاوض، كما تعمل على فرض واقع أمني جديد عبر إنشاء مناطق عازلة وخطوط أمنية تضمن سيادة إسرائيلية كاملة، وتمنع إعادة ترميم القدرات العسكرية للفصائل قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من خطة السلام المقترحة.

وتعتبر خليفة أن هذه السياسات تستهدف أيضاً إلغاء أي إمكانية لقيام إدارة فلسطينية موحدة ذات مرجعية وطنية، وإعادة إنتاج قطاع منهك سياسياً وقابلاً للضغط الأمني، بما يجعله غير مؤهل ليكون شريكاً في أي تسوية مستقبلية.


المعبر والخشية من تحوله لأداة "تهجير ناعم"


وفي ما يتعلق بمعبر رفح في ظل هذا التصعيد، ترى خليفة أن فتحه الجزئي وتأخر وصول لجنة التكنوقراط والتدخلات الإسرائيلية المرتبطة به تعكس أزمة هوية وسيادة.

ورغم إعادة فتح المعبر جزئياً في مطلع فبراير /شباط 2026، فإن خليفة توضح أن الحركة عبره ما زالت مقيدة بشروط أمنية إسرائيلية صارمة لا تسمح إلا بمرور نحو خمسين شخصاً يومياً.

وتشير خليفة إلى أن التصعيد الحالي يعزز المخاوف من تحول المعبر إلى أداة "تهجير ناعم" تحت غطاء إنساني، بدلاً من كونه متنفساً لتخفيف معاناة سكان القطاع.

وتؤكد خليفة أن إسرائيل تتعامل مع المعبر بوصفه أداة سيادية ورمزاً سياسياً، إذ إن أي حركة نشطة عبره أو عودة لجنة فلسطينية تحمل رمزية وطنية تُعد، من وجهة نظرها، اعترافاً ضمنياً بوجود كيان إداري فلسطيني مستقل في غزة، وهو ما ترفضه إسرائيل.


"اليوم التالي" والخضوع للمعايير الإسرائيلية


وتلفت خليفة إلى أن اعتراض نتنياهو على شعار اللجنة الذي يتضمن رمز النسر المشابه لشعار السلطة الفلسطينية يعكس جوهر الصراع السياسي، إذ ترى إسرائيل في استخدام ألوان العلم الفلسطيني محاولة لربط غزة بالضفة الغربية سياسياً.

وتبيّن خليفة أن هذا الصدام الرمزي أدى فعلياً إلى تعطيل مهام اللجنة الوطنية لإدارة غزة، حيث أدى الإصرار الإسرائيلي على إزالة أي رمزية سيادية فلسطينية إلى تأخير تسلمها لمهامها المدنية، فيما تشترط إسرائيل أن تكون الإدارة محلية بحتة ومنزوعة أي بعد سياسي أو وطني.

وتؤكد خليفة أن إسرائيل تستخدم القوة العسكرية لتفكيك أي بنية سيادية فلسطينية ناشئة، بينما توظف ملف المعبر وأزمة الرموز كأدوات ضغط لضمان أن يكون "اليوم التالي" في غزة خاضعاً بالكامل لمعاييرها الأمنية، بعيداً عن أي تمثيل وطني موحد، مع استمرار تعطيل عودة اللجنة وتأجيل التفاهمات التشغيلية إلى حين اتضاح شكل إدارة مقيدة أمنياً وخالية من الرموز الوطنية وتخضع لرقابة دولية مشددة.


عدم رضا إسرائيل عن خطة ترمب


يرى الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن تجدد الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، في مشاهد تعيد إلى الأذهان صور الإبادة، يعكس توجهاً سياسياً وعسكرياً لدى حكومة بنيامين نتنياهو يتجاوز الردود الميدانية، ويرتبط برغبتها في تغيير مسار الترتيبات المطروحة بشأن مستقبل القطاع.

ويوضح كُتّاب أن الحكومة الإسرائيلية تبدو غير راضية عن الخطة التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولا تزال مستاءة من محاولات واشنطن اتخاذ قرارات أحادية.

ويشير كُتّاب إلى أن التفوق العسكري الإسرائيلي يدفع نتنياهو إلى تصعيد الأوضاع بهدف إعادة احتلال ما تبقى من قطاع غزة وفرض وقائع جديدة على الأرض.


السعي لخلق نظام تابع بالكامل لإسرائيل


ويؤكد كُتّاب أن اعتراض نتنياهو على شعار لجنة التكنوقراط، بسبب احتوائه على النسر وألوان العلم الفلسطيني، يعكس مفارقة لافتة تكشف طبيعة المشروع الإسرائيلي في غزة، والمتمثل في السعي لخلق نظام تابع بالكامل لإسرائيل.

ويعتبر كُتّاب أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة تتعمد افتعال مبررات لعدم الالتزام بالمرحلة الثانية من التفاهمات، وتُظهر رغبة واضحة في إفشال اتفاق ترمب واللجنة الإدارية المقترحة، إضافة إلى رفضها دخول أي وجود عسكري أجنبي إلى القطاع، بما يكرس استمرار سيطرتها المباشرة على مجريات الأمور.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا